فقه النهضة...

النهضة العلمية الشرعية والنصر..قرينان لا يفترقان!
20-7-2009
بقلم : منيب القرشي
"...وإنما آل أمرنا إلى هذا لأسباب كثيرة ,من أهمها خفوت وهج العلم الشرعي الصحيح المبني على عقيدة السلف التي تمثل الصحيفة الصادقة والنسخة الحقيقية الوحيدة للإسلام كما أنزلها الله ..."
تعيش الأمة المسلمة حالة أسيفة من التخلف العلمي ,لا أقول في الجانب "التقني" والصناعي فهذا أمر معروف قديم ولم يبلغ يوما أن يكون سببا وحده في هزيمة المسلمين لأنه وإن كان من القوة المأمور بإعدادها إلا أنه ليس هو كل القوة فقد كان لدى الفرس-مثلا- طرائق حربية لا يعرفها المسلمون ولم يؤثر هذا على نتائج المعارك العظيمة في الفتوحات الخالدة و التي كان النصر حليف المؤمنين فيها أبدا لا أقول هذا على معنى أنهم أهملوا شيئا من الأسباب –حاشاهم- بل قد أعملوا قول الله تعالى "وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل"غاية الإعمال وتأمل رحمة الله بالأمة حيث قيد الأمر بالاستطاعة لا بالتكافؤ في ميزان القوى ثم وعد بالنصر , وهنا تظهر كرامة الإيمان لأهله وينماز الفارق بين تقدير المخلوق وتقدير الخالق بما يثبت حقيقة الإسلام كدين الحق الوحيد الذي لا يقبل الله غيره ولكني أتكلم اليوم عن الشق الذي سماه الله علماً فلا يَشركه إذا أطلق غيره وهو العلم الشرعي واعتبر في ذلك قوله تعالى "أكثرهم لا يعلمون: ثم تعقيبه بقوله"يعلمون ظاهرًا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون" فنفى عنهم حقيقة العلم الموصل إلى المعرفة به سبحانه ثم أثبت لهم علماً دنيويا وفيه إيماء إلى أن العلم إذا أطلق في كلام الله ورسوله هو العلم بالله ودينه وما يحتفّ به ويدلي إليه فهذا العلم إذا انتشر في الأمة عَرفه حتى تعود ريح الجهل القهقرى.. فانتظر النصر غيرَ مرتاب !


وإليك نتفاً من البينات حتى تسكن نفسك إلى ما قررت:


- "وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء " هنا كما ترى حديث عن الحجة والرفعة, والحجة قرينة العلم ولازمته والرفعة قرينة النصر وأخته إذ لا يتصور أن يكون ثم مرفوع وهو مهزوم ولهذا يدخل نائل الشهادة في معنى النصر بل إن الله تعالى يسميه فوزا لأنه ارتفع على شهواته وباع نفسه لله ذلك هو الفوز الكبير ويعود الله تعالى فيرسخ ما أسس فيقول "يرفع الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات" قال ابن عباس:أي يرفع الذين أوتوا العلم من الذين آمنوا على الذين آمنوا ولم يؤتوا العلم - ثم يربط الله بين النكوص عن اتباع العلم وتخلية العبد عن النصير فيقول سبحانه: "ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم مالك من الله من وليٍ ولا نصير"


- وكذلك يقرن الله تعالى بين الحُكم والعلم فيقول"ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما" والحكم إنما يظفر به صاحب الغلبة المنتصر..


- ويقرن بين العلم والاستغفار "فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك" والاستغفار من مواطنه الخليقة بالذكر حلول النصر حيث قال الله "إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا"


- ثم إنه سبحانه استعمل لفظ النفير في قصد العلم"فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين" والنفير كلمة مشتقة من قاموس الجهاد والجهاد مقدمة النصر


- وقارن العلم النصر أيضا في مواطن أخرى كما في بيان الله سنتَه في انتقامه من المجرمين الذين يأتيهم العلم فيُعرضون "ولقد أرسلنا من قبلك رسلا إلى قومهم فجاؤوهم بالبينات فانتقمنا من الذين أجرموا وكان حقا علينا نصر المؤمنين"


- كما بيّن سبحانه أن من خصال أهل التمكين والنصرة أنهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر "ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز *الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور" وهذه الشعيرة الجليلة لابد فيها من العلم لأنها دعوة والدعوة إنما تكون على بصيرة وحكمة وموعظة حسنة وجدال بالتي هي أحسن وكل ذلك موقوف على العلم معقودٌ به


- وحين طلب بنو إسرائيل قائداً يأخذ بأيديهم للنصر قال لهم نبيهم"إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم" فحسبك اصطفاء الله لهذا المعيار وليس بخاف على مسلم قبل هذا أن أول ما نزل على رسول الله قوله تعالى "اقرأ" باتفاق الجماهير إيذاناً بأن هذه الأمة أمة العلم وحسبك من السنة ما أخرجه الشيخان والإمام أحمد عن معاوية عن النبي : (من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين ولا تزال عصابة من المسلمين يقاتلون على الحق ظاهرين على من ناوأهم إلى يوم القيامة) وهذا اللفظ من روايات مسلم للحديث فتأمل كيف صدّر الحديث بالعلم وختمه بالظهور وعن عائشة قالت: تلا رسول الله هذه الآية: " هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولو الألباب" قالت: قال رسول الله : (فإذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه، فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم) (متفق عليه) وإنما يميز المتشابه ثم يرده للمحكم: أهلُ العلم الراسخون فيه ,ولا يتأتى جهاد أهل البدع والكفر ودفعهم عن مواقعة حمى الإسلام ومقاربته إلا بالعلم كما دلت هذه الآية ولاسيما بضميمة تعقيب النبي عليها , وهذا الضرب من الجهاد حِرزٌ من تلوّث العقائد وحصن من تسلل المبطلين لإفساد الدين من الداخل ولهذا أمر الله نبيه أن يجاهد به الأعداء جهادا كبيراً


- ودونك أيضا ما خرّجه الإمام مسلم في بيان سنة الله في المدافعة بين الحق والباطل , عن عبد الله بن مسعود أن رسول الله قال: ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون مالا يفعلون ويفعلون مالا يؤمرون فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل.


ولأمةُ الحرب في الجهاد باللسان هي التسلّح بالعلم لمقارعة المنافقين والبدعيين بالحجة والبرهان و في تقرير عظيم شأن هذا الجهاد يقول الإمام ابن تيميّة في معرض كلامه عن الغزاة الأعداء: فإن هؤلاء إذا استولوا لم يفسدوا القلوب وما فيها من الدين إلا تبعًا، وأما أولئك فهم يفسدون القلوب ابتداءً (يعني بألئك :أصحاب العقائد البدعية الضالة) فإذا تأمّلت في حقيقة هذا الجهاد ألفيته ألصق بالغايات من الوسائل فإن الجهاد بالنفس لم يشرع إلا لإقامة التوحيد وإعلاء كلمة الله وأما باستقراء التاريخ فهذا الذي دل عليه كتاب السنن الإلهية فاقرأ إن شئت سيرة البطل نور الدين محمود لتقف على اهتمامه بالعلم فمن ذلك أنه أنشأ نحو ثمانين داراً للحديث وجاء في سيرته أنه كان إذا ابتنى مدرسة أوسع النفقة فيها وتخير لها أفاضل العلماء مع شغفه البالغ في سماع الحديث حتى أجازه بعضهم بالرواية وأما وريثه في البطولة صلاح الدين فقد قال ابن شداد :" وكانت دمشق المكان الطبيعي ، الذي يلقون عصا التسيار فيه . كما أن الرعاية التي كان آل زنكي والأيوبيون وبعض السلاطين المماليك يسبغونها على العلماء ، جذبت كثيرين منهم ، فانتقلوا من العراق إلى دمشق " ومن لطيف ما قاله البطل صلاح الدين نفسه: لم أفتح البلاد بسيفي وإنما برأي القاضي الفاضل. اهـ


ومن نتائج هذا العلم محاربته الرافضة كأحد المشاريع الحضارية والمقدمات الضرورية في الانتصار على الصليبيين فلك أن تقارن هذا بما نسمعه من دعوات تقريب مشبوهة منشؤها الجهل بمعنى عدم العلم تارة والجهل بمعنى مخالفة حقائق العلم تارة أخرى..فكل ذلك من الجهل كما تجده مبثوثا في كلام الله تعالى وعلى ذات السبيل كان القائد العظيم يوسف بن تاشفين في المبالغة في الاهتمام بالعلم والركون إلى أهله والرجوع إليهم في كل أمر مع بالغ الحفاوة بهم وإكرامهم وتقريبهم وبإزاء هذه الصورة الوضيئة( التي تبين اقتران العلم بالعزة والغلبة والحصانة من اختراق الأغراب) اعتبرْ صور الانتكاسة والذل في الأزمنة التي فشا فيها الجهل والتسول على موائد الضالين في طلب الحقائق كما في القرنين الثالث والرابع الهجريين -مثلا- وما صاحبه من استيلاء العبيديين والقرامطة على بقاع كبيرة من بلاد الإسلام واستعلانهم فيها بالكفر والزندقة والتنكيل بالعلماء خاصّة على أن التخلف المذكور ليس محصورا في قلة الأفراد الآخذين بناصية العلم على نحو متقن بل في نوع العلم المعتمد في المعاهد في ربوع العالم الإسلامي حيث يسود الإرجاء وتغلب المناهج الأشعرية والطرق الصوفية بعيداً عن نقاوة الإسلام الصافي كما أنزله الله سبحانه وما ينبني على ذلك من تمييع مسائل الولاء والبراء والتهوين من شأن الشرك وتمييع القضايا التي أحكمتها الشريعة كل ذلك وغيره بدعوى وحدة الأمة أو التقريب أو نبذ التعصب وربما استدل أحدهم على ذلك بأدلة لا يفهمها أو يلحد في معانيها عما أراده الله لها من قبيل استشهادهم بموقف هارون مع عبدة العجل حيث يذكرون قول الله تعالى "إني خشيت أن تقول فرقت بين بني إسرائيل ولم ترقب قولي" ولا يذكرون معه قوله تعالى "إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني"! فكان من جراء ذلك أن تطاولت أعناق الأقزام من أهل الأهواء والبدع الغليظة المكفّرة وتاجر من تاجر بقضايا مثل فلسطين توسلاً بذلك إلى التوصّل لقلوب الدهماء والعامة والتسلل إلى نواصيهم وإفسادها عبر استجاشة العواطف وتهييج المشاعر في لجّة يعصف بها التخاذل العربي المحسوب على أهل السنة زوراً حتى غدا التحذير من هؤلاء وأضرابهم أمراً يستحيى منه ,ومن يجسُر عليه عملا بالواجب الشرعي الذي هو من جنس الجهاد تتخطفه الأبصار وتلوكه الألسنة بقالة السوء ورحم الله الإمام أحمد فقد قيل له: الرجل يصوم ويصلي ويعتكف أحب إليك أو يتكلم في أهل البدع؟ فقال: إذا قام وصلى واعتكف فإنما هو لنفسه، وإذا تكلم في أهل البدع فإنما هو للمسلمين .


وإنما آل أمرنا إلى هذا لأسباب كثيرة ,من أهمها خفوت وهج العلم الشرعي الصحيح المبني على عقيدة السلف التي تمثل الصحيفة الصادقة والنسخة الحقيقية الوحيدة للإسلام كما أنزلها الله وإذا كان ما سماه الله ظاهرا من الحياة الدنيا من عوامل نصر الأمم الكافرة بعضها على بعض فهي من جملة الأسباب التي ترجح قوة أمة على أخرى فكيف بالعلم بمسبب هذه الأسباب وما أمر به وحيث إن الحديث عن علاقة العلم بالنصر وحتى لا يكون الكلام عائما دون تنزيل فمن المهم جدا أن نقرر واقع الأمة العلمي في الأرض المقدسة فلسطين على اعتبار أنها أعظم ثغور الإسلام وبيان أنه في غاية الضعف فلا تكاد تجد من له مُكنة عالية وإتقان محكم لعلوم الشريعة بحيث يكون نجماً يهتدي به الناس ومن علمه ينهلون وتتحقق به الغُنية ومن كان منهم كذلك فهو منشغل بأمور أخرى غير ذلك أو منطوٍ في بطن بيته بين الصحف والكتب ولا يعلم عنه إلا قلمُه! "فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين" ومن باب هذا التحضيض الإلهي الذي يظهر عناية الله سبحانه بهذه الأمة وتكاملها واعتدالها فلابد من استنهاض الهمم لتدارك الأمر وليس العبء في ذلك على أهل فلسطين وحدهم بل لست أبالغ إذا قلت إنه يتحمّل أمانة ذلك بالدرجة الأولى غيرُ أهلها من باب :اعملوا لآل جعفر طعاما فإنه قد جاءهم ما يشغلهم فالصالحون منهم, مشغولون بالقتال في سبيل الله تعالى, والطالحون غارقون في الاقتتال على حطام الدنيا فلابد والحالة هذه أن ينبري جملة من المشايخ والدعاة والعلماء في العالم الإسلامي ولا سيّما جزيرة العرب للتصدر في سد هذه الثُغرة عبر تأمين وسائل لدعم إخواننا هنالك علمياً من قبيل مشروع كفالة طالب علم وتعهده وهو غض حتى يصلب عوده ويغدو مستكملاً أدوات النظر والبحث بنفسه وذلك بالتنسيق المباشر مع الثقات من طلبة العلم في الديار المقدسية فيكون العمل على أعين هؤلاء مع كونهم قد استفرغوا أنفسهم لهذا , وهذه تذكرة علّها تجد صدى وموعظة آمل أن تواطيء أسماعاً مرهفة وقلوباً حيّة قبل أن يندرس العلم هناك وتعفو آثاره لأن المعركة طويلة ولابد فيها من زاد يطيل النفَس وينشيء أجيالا تدخل في الإسلام كافة وهي عصيّة على التفريط ,لا أقول بالثوابت,بل بأي شعبة من الإيمان والله المستعان وعليه التكلان





* انظر مثلا جامعة الأزهر وهي تعد من أكبر القلاع العلمية في العالم , والعقيدة المعتمدة فيها هي الأشعرية فمن مناهجهم المقررة "المواقف" للإيجي