[align=center]بسم الله الرحمن الرحيم[/align]
فُرض الصيام في الشهر الذي أنزل فيه القرآن ، فاختيرت هذه العبادة الخاصة التي هي سر بين الله وعبده لهذا الزمن الخاص الذي شرُف بنزول هذا الكتاب الخاتم لكتب الله .
الغاية المرجوة من الصيام ( التقوى ) : ( كُتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون ) ، والقرآن الكريم هُدى للناس إلى التي هي أقوم ، فهو الميسَّر للذكر ، ولكنَّ له هدايةً خاصة للمتقين : ( ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين ) ، ولذلك ما ترى الهدى ذكر مرتين في آية الصيام : ( شهر رمضان الذي أنزل في القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان ) ، والفرقان مزية خاصة للمتقين : ( إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا ) ، فيظهر أن فرض الصيام في شهر نزول القرآن تهيئة للانتفاع بالقرآن بالتزود من التقوى في هذا الشهر لكل العام .
والتقوى الاجتهاد في حفظ النفس من المضار المحيطة بها والعارضة لها في طريقها في هذه الدنيا ، ومن النكال المعد للظالمين في الآخرة ، بتحري مرضاة الله ، وقد أخبر النبي - - أن الصوم جُنة ، أي وقاية . وإنما يعرِّض الإنسان إلى الآفات جواذب الطين الذي خلق منه ، وذلك الشهوات المفطور عليها ، وبها قوام حياته ، فإذا أشبعها وَفْق الناموس الإلهي وُقي شرها ، وإن ملَّكها زمامه ، وجعلها القائد له ، ولم يبال بحلال أو حرام - أوردته المعاطب ، وكانت حُجُبًا كثيفة بينه وبين الحق ، وظلمة تُزل الأقدام ، وتُضل الأفهام . وليس الأكل والشرب والباه إلا مبادئ ومواد لشهوات نفسية أخرى كالغضب والشح والاستعلاء . والصوم تدريبٌ على امتلاك الهوى ، وإعلاءِ نفخة الروح ، والارتفاع على مقتضيات الطين ، وتزكيةِ النفس وتخفُّفها من ثقل التراب ، فتكون مهيأة لتدبر الوحي ، والادِّكار بتذكيره ، والاتعاظ بموعظته ، والاستشفاء بشفائه.
وإنما كان الصيام مظنة لتحقيق التقوى لثلاثة أمور :
- أحدها أن فيه تجديدَ الإيمان ، والإيمان يخلَق بالعصيان والنسيان ، ويتجدد بالطاعة والذكر ، والصيام طاعة خاصة ؛ لأن فيها بعض المشقة ، فلا تكون إلا بالصبر ، حتى سمي شهر رمضان في بعض الأحاديث بشهر الصبر .
- والثاني أن فيه إحياءً للإخلاص ، لأنه عبادة بالامتناع ، ويمكن للمرء أن يتناول المفطرات سرًّا ولا يطلع على إفطاره الناس ، فإذا صام امتثالاً للأمر ، ومراقبة لله ، كان هذا من أقوى موقظات الإخلاص في القلب ، وهو ما تشير إليه الأحاديث : ( يدع شهوته من أجلي ) ، ( إلا الصوم فإنه لي ) .
- والثالث أن فيه إشعارًا بأهل العوَز ، والمواساةُ هي الجزء الآخر من الأخلاق الإسلامية ، فهي لا تكتفي في التزكية باستقامة النفس ، حتى تكملها مواساة الناس .
ومن ههنا كان شهر رمضان موسمًا سنويًّا لمدارسة القرآن ، وكان رسول - - يدارس فيه جبريل القرآن كل ليلة ، وسَن في لياليه القيام بالقرآن ، فتكون عبادة نهاره الصيام ، وعبادة ليله القيام . والأصل في القيام أن يكون بتلاوة القرآن في الصلاة ، فقد قال الله - تعالى - : ( يا أيها المزمل ، قم الليل إلا قليلاً ، نصفه او انقص منه قليلا ، أو زد عليه ، ورتل القرآن ترتيلا ) ، وجاء في آخر السورة : ( فاقرؤوا ما تيسر من القرآن ) .
وفي قوله - تعالى - : ( شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان ، فمن شهد منكم الشهر فليصمه ) - ما يشير إلى أن الصيام في هذا الشهر المفضل بنزول القرآن شكر لله على هذه النعمة ، فقد عدَّد النعمة في القرآن تمهيدًا للتصريح بإيجاب الصوم فيه ، وأكد هذا آخر الآية : ( ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ، ولعلكم تشكرون ) .
ورسول الله - - أشكر الناس لله كان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل يدارسه القرآن ، حتى يكون كالريح المرسلة من جوده ، شكرًا لله ، وفرحًا بنعمته ، يقابل إحسان الله إليه بالإحسان إلى خلقه . ( يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين . قل : بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا ، هو خير مما يجمعون ) .
بنغازي 20-8-2009