بسم الله الرحمن الرحيم
و صلى الله على سيدنا محمد و سلم تسليما

يقول الله سبحانه و تعالى :
.. وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ ..

هل الكتاب ما تلي أو ما خطه اليمين ؟ و هل كان نزوله نزول مبنى أو نزول معنى ؟
ربما يختلف الأمر عند بعضنا.. و لا يجد كثير لذلك جوابا.. عدا ما يدفع به الإيمان الذي في قلوبهم، و هو أن الكتاب منزل من عند الله و أن ما نقرأ من قرآن هو كلام الله.. و أن فعل اقرأ الذي هو أول ما نزل من القرآن كان بالنسبة للنبي فعل أمر و إرادة من الله و بالنسبة إلينا فعل أمر.. و أن الكتاب، الذي نعني به القرآن، هو وحي الله إلى عبده محمد صلى الله عليه و سلم، و هو النور الذي نعرف به سبيل الحق و طريق الرشاد..
لذلك سأبدأ بالسؤال أولا :
ما هو الوحي ؟ و ما هو القرآن ؟ و هل أن كل وحي قرآن ؟
و جوابا على هذه الأسئلة نقول إن للوحي معنيين معنى لغويا و هو الإخبار الخفي، و معنى شرعيا حد له في لسان الشرع، حتى لا يدعيه المدعون و لا يلتبس على الناس هويته، و هو إعلام الله تعالى و إبلاغه من اصطفاه من عباده، عما يريده جل شأنه لهم من الهداية، و ما يرتضيه لهم من الدين، و ما يفتح لهم من فنون العلوم و أسرارها، بطريقة خفية غيبية، لا يدركها البشر، بيد أن لها مؤشرات تدل على صاحبها.
و على المعنى الأول يأتي الوحي بطرق متعددة، فالله تعالى يوحي إلى الملائكة و هو قوله : إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آَمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ . و يوحي إلى الرسل و الأنبياء، و منه قوله عز و جل : إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآَتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا. و قوله تعالى : وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ . و يوحي لغير الرسل من المصطفين ( و هو ما فسره البعض بإلهام الخواطر)، كما في قوله تعالى : وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ . و يوحي إلى الصالحين من عباده من اتباع الرسل ( و هو ما يفيد عند البعض معنى الأمر الإلاهي)، و هو قوله تعالى : وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آَمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آَمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ . و يوحي إلى الحشرات ( و هو ما فسره البعض بالإلهام الغريزي)، كما في قوله تعالى : وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ . و يوحي إلى الأرض، و هو قوله تعالى وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا * يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا * بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا . و يوحي جل شأنه في السماء، كما في قوله : فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ .
و قد يوحي بعض الخلق إلى بعض، كأن يوحي نبي إلى قومه، كما في قوله تعالى : فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا ( ) .
و قد يوحي شياطين الإنس و الجن ( و هو ما فسره البعض بوسوسة الشيطان)، بعضهم لبعض، و هو قوله : وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ . أو يوحون لأوليائهم، و هو قوله تعالى : وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ .
فهذه جل أنواع الوحي في اللغة، و هي كما تبينها الآيات إما الإعلام و الإخبار الخفي، أو الإلهام، أو الأمر، أو الإشارة و الإيماء و الإيحاء.
و من معانيه أيضا الرسم، يقال: وحَيْتُ إِليه و أَوْحَيْتُ. و قد يأتي فعل أوحى بمعنى كتب كما جاء في ذلك شعرا ( العجاج):
حتى نَحَاهُمْ جَدُّنا والنَّاحِي لقَدَرٍ كانَ وحَاه الوَاحِي
بِثَرْمَداء جَهْرَةَ الفِضاحِ
فيأخذ الوحي معنى الكتابة و الرِّسالة وكلُّ ما أَلقيته إِلى غيرك، و يكون مرادفا للمكتوب و الكتاب، و على ذلك جمعوا فقالوا وُحِيٌّ مثل حَلْيٍ وحُلِيٍّ، قال لبيد :
فمَدافِعُ الرَّيّانِ عُرِّيَ رَسْمُها
خَلَقاً، كما ضَمِنَ الوُحِيَّ سِلامُها
أَراد ما يُكتب في الحجارة ويُنقش عليها. وفي حديث الحرث الأَعْوَر : قال علقمة قرأْتُ القُرآن في سنتين، فقال الحرثُ: القرآن هَيِّنٌ، الوَحْيُ أَشدُّ منه، أَراد بالقرآن القِراءة وبالوَحْي الكِتابة والخَطَّ.
فالوحي كما هو واضح من معانيه لغة الكتابة و الخط و الرسم.
و أما الوحي الشرعي فهو، كما بينا، إعلام من الله وحده إلى نبي من أنبيائه. و فيه قال الجويني :
( كلام الله المنزل قسمان :
- قسم قال الله لجبريل :
قل للنبي الذي أنت مرسل إليه : إن الله يقول: افعل كذا و كذا، ففهم جبريل ما قاله ربه، ثم نزل على ذلك النبي، و قال له ما قاله ربه، و لم تكن العبارة تلك العبارة، كما يقول الملك لمن يثق به : قل لفلان، يقول لك الملك : اجتهد في الخدمة، و اجمع جندك للقتال. فإن قال الرسول : يقول الملك : لا تتهاون في خدمتي، و لا تترك الجند تتفرق، و حثهم على المقاتلة، لا ينسب إلى كذب و لا تقصير في أداء الرسالة.
- و قسم آخر، قال الله لجبريل :
اقرأ على هذا النبي الكتاب، فنزل جبريل بكلمة من الله من غير تغيير، كما يكتب الملك كتابا و يسلمه إلى أمين، و يقول : اقرأه على فلان، فهو لا يغير منه كلمة و لا حرفا) ( ) . قلنا و لله المثل الأعلى.
قال السيوطي :
( القرآن هو القسم الثاني، و القسم الأول هو السنة، كما ورد أن جبريل كان ينزل بالسنة كما ينزل بالقرآن، لأن جبريل أداه باللفظ و لم يبح له إيحاءه بالمعنى، و السر في ذلك أن المقصود منه التعبد بلفظه و الإعجاز به - فلا يقدر أحد أن يأتي بلفظ يقوم مقامه، و أن تحت كل حرف منه معاني لا يحاط بها كثرة فلا يقدر أحد أن يأتي بدله بما يشتمل عليه – و التخفيف على الأمة، حيث جعل المنزل إليهم على قسمين : قسم يروونه بلفظه الموحى به، و قسم يروونه بالمعنى، و لو جعل كله مما يروى باللفظ، لشق، أو بالمعنى، لم يؤمن التبديل و التحريف.
... و في ما أخرج ابن أبي حاتم من طريق عقيل عن الزهري ما يعضد كلام الجويني، فعنه أنه سئل عن الوحي، فقال : الوحي ما يوحي الله إلى نبي من الأنبياء، فيثبته في قلبه، فيتكلم به و يكتبه، و هو كلام الله و منه ما لا يتكلم به، و لا يكتبه لأحد، و لا يؤمر بكتابته، و لكنه يحدث به الناس حديثا، و يبين لهم أن الله أمره أن يبينه للناس، و يبلغهم إياه).
و من ثم فالوحي، الذي هو رسالة النبي الخاتم محمد صلى الله عليه و سلم التي تحدى الله تعالى بها العلمين، هو ما يلفظ و يكتب معا. و لسنا هنا نختلف عما قاله الأولون في هذه المسألة، ممن تكلموا فيها، و إنما نكمله و نوضحه.. و ربما كان نوعا من الزيادة الرقيقة على ما تكلم به البعض منهم حيث أنهم تكلموا عن الوحي من حيث هو النقل الشفوي و غفلوا عن مسألة الكتابة مع أن من سبقهم، كما توضح، قد تكلم في هذا، و حتى القرآن قد أجزل في توضيحه و تفسيره..
أما عن سبب غفلة البعض عن هذه الرقيقة فربما رجع إلى أن المسألة لم تمثل موضوعا ذا بال.. و بعد هذه العهود أثيرت هذه المسألة للتشكيك في هذا القرآن الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه.. فنحن الآن نرد كيد المشككين..
فالوحي الذي نعنيه و الذي هو كلام الله المنزل على النبي محمد صلى الله عليه و سلم، هو عندنا قرآن و كتاب و قد وصل إلينا على نحويه..
و لعل بعض من كتب في هذا الباب نصب جهده على الحفظ و غفل عن الكتابة.. فلما غفلوا عن ذلك ذهب نظر البعض إلى أن القرآن إنما أخذ شفويا ووصل إلينا عن طريق الحفظ فوصلوا بذلك تفصيل الآي و ترتيب السور إلى السماع لا إلى ما كتب و عرض على النبي صلى الله عليه و سلم فقرره بوحي الله تعالى إليه.. ثم إنهم أوردوا ذلك في كتبهم حتى ذهب في ظن أكثر الأمة - ممن يأخذون العلم مما يقال و لا يرجعونه إلى أصوله - أن القرآن قد جمع في زمن عثمان وهو إنما نسخ في زمنه و لم يجمع لأنه قد كان جمع زمن رسول الله صلى الله عليه و سلم كتابة في اللخاف و الجلد و العظام و الحجارة و حفظا في صدور القوم لا يخالف في ذلك أحد.. ثم بعدها قرئ مؤلفا في مصحف واحد زمن الصديق أبي بكر .. و عنه نسخ بعدها زمن ذي النورين عثمان و قبل منهم أجمعين.. و سيأتي الكلام عن هذا في موضعه.
و القول عندنا أن الوحي - الذي نعني به ما أنزل على محمد صلى الله عليه و سلم- هو وحي النطق و الرسم معا.. فإن قيل لنا أن الوحي إنما هو ما نطق، و ما أخذ سماعا، لا ما كتب قلنا إن كان الوحي هو ما نطق لا ما كتب ماذا نقول في قوله سبحانه و تعالى : نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآَنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ ، و قوله تعالى : كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ ، و قد مضى ما أوردناه أن الوحي يأتي بمعنى الكتابة، فإن قيل لنا أن الوحي يأتي بمعنى النطق أيضا من قبيل الإشارة و الإيماء و الإيحاء، فكيف نحمله على معنى الكتابة و نرغب به عن معنى اللفظ، قلنا فكيف نفسر قوله تعالى : وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا ، فهو مرة يقول وحي الكتاب و مرة يقول وحي القرآن.. و الأصل في الكتاب، كما نعلم، ما ألفت حروفه و كتبت كلماته و ضبط رسمه.. ( وهو الحفظ في السطور، فالكتاب في الأصل مصدر، ثم سمي المكتوب فيه كتابا )، قـال الدكتـور محمد دراز : ( روعي في تسميتـه- أي الوحي- قرآنا كونـه متلـوا بالألسن، كما روعي في تسميته كتابا كونه مدونا بالأقلام، فكلتا التسميتين من تسمية الشيء بالمعنى الواقع عليه.
وفي تسميته بهذين الاسمين إشارة إلى أن من حقه العناية بحفظه في موضعين لا في موضع واحد، أعني أنه يجب حفظه في الصدور والسطور جميعا... فلا ثقة لنا بحفظ حافظ حتى يوافق الرسـم المجمع عليه من الأصحاب، المنقول إلينا جيلا بعـد جيـل، على هيئته التي وضع عليها أول مرة، ولا ثقة لنا بكتابة كاتب حتى يوافق ما هو عند الحفاظ بالإسناد الصحيح المتواتر ). و الذي نقوله أدق و ألطف، و هو أن هذا المنقول حفظا و رسما هو الوحي الذي يشهد الله به في قوله تعالى : لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا .
ثم ماذا ؟ لماذا كان النبي صلى الله عليه و سلم سلم يدعو الكتبة لكتابة الوحي حين نزوله ؟ أخرج ابن أبي داود أن زيد بن ثابت قال : كنت جار رسول الله صلى الله عليه و سلم فكان إذا نزل الوحي أرسل إليَّ فكتبت الوحي ، و أخـرج الإمام أحمد والترمذي وأبو داود والحاكم من حديث عبد الله بن عباس عن عثمان بن عفان رضـي الله عنهم قال : كان رسول الله صلى الله عليه و سلم مما يأتي عليه الزمان، ينزل عليه من السور ذوات العدد، فكان إذا نزل عليه الشيء يدعو بعض من يكتب عنده فيقول: "ضعوا هذه في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا. وينـزل عليـه الآية فيقول : ضعوا هذه الآية في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا وينزل عليه الآيات فيقول : ضعوا هذه الآيات في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا.
فإن قيل كيف يكون ما كتب وحيا و محمد أمي لا يعرف كتابة.. قلنا إنه لا يعرف قراءة فلماذا أمره ربه أن اقرأ .. فإن قيل لنا إنما قرأ بسم ربه قلنا فإن كانت القراءة بسم الله فما الذي يخالف في أن يتعلم رسم الكتاب ممن علم بالقلم الذي هو الله.. و ليس قولنا هنا أنه تعلم الكتابة فكتب إنما تعلم كلمات القرآن فراجع ما كتب كتابه منه بوحي من عند الله و إلا فكيف نفسر قوله صلى الله عليه و سلم لكاتبه معاوية : ألق الدواة و حرف القلم و انصب الباء و فرق السين و لا تعور الميم و حسن الله و مد الرحمن و جود الرحيم، و في ذلك لطيفة يجب الانتباه إليها لم يقل انصب الباء و مد الألف فدل ذلك على أن بسم البسملة تكتب بدون ألف.. كما أن الرحمن تكتب بدونها و يعضده أيضا قوله صلى الله عليه و سلم : إذا كتب أحدكم بسم الله الرحمن الرحيم فليمد الرحمن، و قوله : إذا كتبت بسم الله الرحمن الرحيم فبين السين فيه ، فهو يعلم الكتبة الكتابة و يعلمنا من بعدهم رسم الوحي كما أنزل إليه، و هو عين ما أخرجه الطبراني عن زيد بن ثابت، قال : كنت أكتب الوحي عند رسول الله صلى الله عليه و سلم وهو يملي عليَّ، فإذا فرغت، قال: اقرأه، فأقرأه، فإن كان فيه سقط أقامه ، فدل ذلك على مراجعته كتابه و إقامة ما يكتبون، و لا اعتراض لأحد هنا لأن الرسم في القرآن لا يتفق دائما مع ما ينطق، فإن لم يكن بوحي الله تعالى إليه كيف له أن يراجعهم فيما كتبوا فيقيمه لهم أو يقرهم عليه، فالله تعالى بمنه قد أوحى إلى النبي هذا القرآن و نقش حروفه على قلبه كما يرسم الكتاب فوعاها و كلماته فأداها و آياته فتلاها و كان في البدإ تعجل، فلما تعجل قال له سبحانه : لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ ، فتلقى ما أنزل الله عليه، كتابا مبين الحروف، مفصل الآيات، مرتب السور.. جمع الصحابة على آيه، و غزير حكمته، و عميق أسراره، و بحار علومه، حتى رأو من خلاله العوالم، فبصروا به ما لم نبصره اليوم بالآلات.. و هو حق لا يرثه إلا أهل الحق، و لا يألفه إلا ولاة الصدق، نور للبصائر، و روح للحائر، لا يشتكي جليسه من ملل إذا فهمه، و لا يتعب الفكر من كلل إذا ملئ به.
فإن قيل لماذا اختلفت المصاحف ؟ قلنا إنما القرآن ما أثر عن رسول الله صلى الله عليه و سلم نقلا و كتابة و عرض عليه و راجع رسمه و لفظه بوحي الله تعالى.. أما غيره مما قيل عن المصاحف فيرجع إلى أصحابها لا إلى الوحي المنزل، لذلك تختلف.. ثم إنه لم يؤثر عن أصحاب هذه المصاحف أن أعادوا مصاحفهم إلى النبي صلى الله عليه و سلم، و لا قيل أن رسول الله صلى الله عليه و سلم راجع أحدا منهم فيه و لا أكده له.. إنما كان كل واحد من هؤلاء يكتب لنفسه ليرتله و يتعلمه و يحفظه.. فلما قرئ في الكتاب على الهيأة التي بين أيدينا كما حفظها الله بعهده و أثرت على النبي بوحيه، اجتمعت الأفهام عليها و هبت، و زأرت القلوب إليها و لبت.
و قد أخطأ ابن خلدون عظيم الخطإ حين أشار إلى أن الاختلاف في كتابة المصاحف بظواهره المتقدمة كان ناشئا عن جهل الصحابة بقواعد الخط و بعدهم عن الصنائع، يقول ابن خلدون : ( ... فكان الخط العربي لأول الإسلام غير بالغ إلى غاية الإحكام و الإتقان و الإجادة، و لا إلى التوسط، لمكان العرب من البداوة و التوحش، و بعدهم عن الصنائع، و انظر ما وقع لأجل ذلك من رسمهم المصحف، حيث رسمه الصحابة بخطوطهم، و كانت غير مستحكمة في الإجادة، فخالف الكثير من رسومهم ما اقتضته رسوم صناعة الخط عند أهلها، ثم اقتفى التابعون من السلف رسمهم فيها، تبركا بما رسمه أصحاب رسول الله و خير الخلق من بعده، المتلقون لوحيه من كتاب الله و كلامه، كما يقتفي لهذا العهد خط ولي أو عالم تبركا، و يتبع رسمه خطأ أو صوابا، و أين نسبة ذلك من الصحابة فيما كتبوه، فاتبع ذلك و أثبت رسما، و نبه العلماء بالرسم على مواضعه.. و لا تلتفتن في ذلك إلى ما يزعمه بعض المغفلين من أنهم كانوا محكمين لصناعة الخط، و أن ما يتخيل من مخالفة خطوطهم لأصول الرسم ليس كما يتخيل، بل لكل وجه، و يقولون في مثل زيادة الالف في لأأذبحنه، أنه تنبيه على أن الذبح لم يقع، و في زيادة الياء في بأييد ، تنبيه على كمال القدرة الربانية، و أمثال ذلك مما لا أصل له إلا التحكم المحض، و ما حملهم على ذلك غلا اعتقادهم أن في ذلك تنزيها للصحابة عن توهم النقص في قلة إجادة الخط، و حسبوا أن الخظ كمال، فنزهوهم عن نقصه، و نسبوا إليهم الكمال بإجادته، و طلبوا تعليل ما خالف الإجادة من رسمه، و ذلك ليس بصحيح ). و مثله من قال بالزوائد، و قولنا أن لا زيادة في القرآن في حرف و لكن الزيادة في أجر قارئه و العامل به و المتدبر فيه بأمر يعلمه الله و يقدره، و قد جاء على لسان رسوله كلاما يوضح ذلك و يعضده، قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن كمثل الأترُجَّة، ريحها طيِّب وطعمها طيِّب. ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن كمثل التمرة، لا ريح لها وطعمها حلو. ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن مثل الريحانة، ريحها طيِّب وطعهما مر. ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة، ليس لها ريح وطعمها مر ، مثل الماهر بالقرآن... الحديث، و يقول الله تعالى : اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ ، فدل ذلك على أن كل شيء موزون في القرآن و كل شيء مرتب.
ثم إن الكلام عن الزوائد في القرآن أمر لا يعلمون دقته و لا يفهمون بواطنه، لأنهم جهلوه، و ما عرفوا عنه، و لا دققوا فيه، حدثنا صدقة بن الفضل: أخبرنا ابن عيينة: حدثنا مطرِّف قال: سمعت الشعبي قال: سمعت أبا جحيفة قال: سألت علياً : هل عندكم شيء ما ليس في القرآن؟ وقال مرة: ما ليس عند الناس؟ فقال: والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، ما عندنا إلا ما في القرآن، إلا فهماً يعطى رجل في كتابه، وما في الصحيفة. قلت: وما في الصحيفة؟ قال: العقل، وفكاك الأسير، وأن لا يقتل مسلم بكافر، و مثله من يحمل القرآن على علم من العلوم الحديثة، كالقول في الرتق و الإنفجار العظيم... و إنما قالوا هذا الكلام لأنهم يحملون القرآن على علم جاء بعده و ربما استنبط منه كعلم النحو و الإملاء... و هو ربما عين ما فعله ابن خلدون حين أراد تحميل القرآن على ضوابط الخط و قواعده و هو يجهل أن الضوابط و القواعد التي يعتمد عليها في تخطيء الصحابة رضوان الله عليهم إنما جاءت بعد نزول الوحي و منه أخذ و على رسمه استند و بني، و ربما كان غفلة منه، و التالي فحجته في محاججتنا بما قال في حق الصحابة هنا كحجة أهل الكتاب حين كانوا يحاجون في إبراهيم و بجواب الله لهم نجيب جمعهم، يقول تعالى : يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ .
و جوابا عن وصفهم بالبداوة و التوحش نقول إن التوحش ليس فيمن جاءهم كتاب الله فحفظوه و تعلموه و التزموا به و عملوا، و لكن التوحش فيمن جاءهم كتاب الله فما علموه و لا دققوا فيه بل شككوا.. ثم لنرجع إلى ما قاله رسول الله صلى الله عليه و سلم فهو ألزم لنا و أفيد، يقول رسول الله صلى الله عليه و سلم : خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا ، و قد فقهوا لأنهم من مدرسة محمد صلى الله عليه و سلم تعلموا و تخرجوا فعلموا العالم و سطروا التاريخ.. و لست أفهم ما قاله أنهم حفظوه تبركا و لا أصدقه، لأنهم ما كانوا يتبركون بمحمد صلى الله و سلم و هو نبيهم حتى يتبركوا بأصحابه، لا بل نهاهم عن ذلك فقال عليه الصلاة و السلام : لا تطروني كما أطرت النصارى المسيح ابن مريم، و الحق أن كلامه من أين أخذته عاطل و أمره من أين عالجته باطل.. و كنت تمنيت انه ما أتى بمثال حين قال(... و يقولون في مثل زيادة الالف في لأأذبحنه، أنه تنبيه على أن الذبح لم يقع، و في زيادة الياء في بأييد ، تنبيه على كمال القدرة الربانية، و أمثال ذلك مما لا أصل له إلا التحكم المحض... ) ، و عن ذلك نجيب بما يلي : إنه لو سأل قارئ القرآن عن معنى الزيادة هنا لكان أصوب.. و التالي أن تتدبروا معناها و خرجوا الحكمة من كتابتها على النحو الذي كتبت به زمن النبي بالوحي.. و لربما يعجز عن إدراك معناها أهل اللغة لأن القرآن لا يقيد و هم يحاولون تقييده بما وضعوا من قواعد اللغة.. لأنه هنا و في مواضع كثيرة قد تجاوز اللغة.. و ربما أشار إلى نوع من العلوم الحديثة التي منها علوم العدد و علوم التشفير.. و اقتضى وحي الله تعالى أن يكون مخصوص الشفرة لا يستطيع أحد أن يأتي بمثله أبدا..
و قد كتب القرآن في عهده صلى الله عليه و سلم برسم الوحي، و هو ما نذهب إليه، فالرسم العثماني الذي ينسبه البعض إلى عثمان - لظنهم أن القرآن جمع في عهده و قد أشرنا لغير ذلك- هو عينه رسم الوحي، و إنها لنعمة آتاها الله تعالى عثمان رضي الله تعالى عنه أن جمع الأمة فقرنت اسم هذا الصحابي برسم كتابه و خط وحيه.. و إن هذه من النعم الكثيرة التي خص الله تعالى بها صحابة رسوله صلى الله عليه و سلم الذين هم حماة دينه و دعاة الناس إلى شريعته.. و الناظر في حقهم رضوان الله عليهم أجمعين يجد أن منهم من نزل فيه قرآنا باسمه يتلى.. و منهم من وافق القرآن كلامه.. و منهم من ذكر رمزا..