نظرات في القرآن الكريم
القرآن هو كتاب الدعوة الإسلامية الخالد على مر العصور والقرون ، فالحمد لله الذي فضلنا بالقرآن على الأمم أجمعين ، وآتانا به ما لم يؤت أحدأً من العالمين ، وأنزله هداية عالمية دائمة ،وجعله للشرائع السماوية خاتمة ، ثم جعل له من نفسه حجة على الدهر قائمة، والصلاة والسلام على من كان خلقه القرآن ، ووصيته القرآن ، وميراثه القرآن ، القائل : ((خيركم من تعلم القرآن وعلمه )) رواه البخاري وابن ماجه.

والقرآن : هو كلام الله ، المنزل على نبينا محمد r ، المتعبد بتلاوته ، ومن روائع تأثير القرآن ، أن المسلمين من غير العرب يرتلونه بلغته العربية ، ويحافظون على تجويده ، ويشرحونه لأبناء لغتهم ، وهم منتشرون في أغلب الأقطار شرقاً وغرباً ، تلك مزية تفرد بـها القرآن دون سواه من الكتب السماوية ، فالتوراة مثلاً لا يقرؤها بلغتها العبرية إلا أحبار اليهود ، أما سائر اليهود فإنهم يقرؤون التوراة بلغة سكان البلاد التي يعيشون فيها وكذلك كل الكتب السماوية ، لذلك جعل الله تعالى القرآن نفس الهدى فقال الله تعالى :
] شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس [ (البقرة 185) ، بينما قال عن الكتب السابقة بأنه ظرف للهدى ، فقال الله تعالى :
] إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور [( المائدة 44)، وقال الله تعالى :] وآتيناه الإنجيل فيه هدى ونور[ ( المائدة 46).

وكانت معجزة كل نبي مما نبغ فيه قومه ، حتى لا يقال بأن النبي تحدّى قومه بأمر
لا يعرفونه ولا موهبة لهم فيه ، ففي عصر نبي الله موسى كان السحر يتصدّر حياتهم الاجتماعية ، فجاءت معجزة العصا من جنس ما نبغ فيه القوم ولكنها ليست سحراً ، لذلك عرف السحرة أن هذا لا يمكن أن يكون سحراً ، ونبي الله عيسى
جاء والقوم قد برعوا في علم الطب ، فجاء لهم بمعجزة من جنس ما نبغوا فيه فكان يبرئ الأكمه والأبرص ، بل تسامى إلى شيء آخر لم يصلوا إليه بعد .. فأحيا الموتى، أما نبينا محمد r ، فقد جاء إلى قوم نبغوا في الشعر والبلاغة والفصاحة والبيان ، فجاء بمعجزة هي من جنس ما برعوا ونبغوا فيه ، فهل انقضت رسالة نبينا محمد r ؟؟ لا ، إنـها لا تنقضي إلى يوم القيامة ، فكما أوتي من الآيات ما آمن بـها أهل عصره ، كذلك أوتي ما سيؤمن بـها أهل هذا العصر ومن بعدهم إلى قيام الساعة ، فماذا نعرف عن القرآن المعجزة الكبرى لنبينا محمد r ، إن وجوه الإعجاز في القرآن كثيرة ، نأتي على نماذج منها :

أولاً : الإعجاز اللغوي :
إن القرآن الكريم ليس بشعر ولا نثر ، بل هو قرآن كريم نسيج وحده ، لذلك سلّمت العرب ببلاغته وفصاحته ، ففي عصر أبي بكر الصديق t ، وبعد انتهاء حروب الردة ، قدم وفد من بني حنيفة ، إلى المدينة المنورة ، فقال أبو بكر : أسمعونا شيئاً من كتاب مسيلمة الكذاب ، فقالوا كان يقول :
[ يا ضفدع بنت ضفدعين ، لحسن ما تنقين ، لا الشارب تمنعين ، ولا الماء تكدرين ، نصفك في الماء ونصفك في الطين ، امكثي في الأرض حتى يأتيك الخفاش بالخبر اليقين ] وكان يقول :
[ يا أيها الجائع ، اشرب لبناً تشبع ، ولا تضرب الذي لا ينفع ] ، فقال أبو بكر :
إن لله وإنا إليه راجعون ، ويحكم أي كلام هذا ، لقد استرجع أبو بكر ، إذن هناك حالة وفاة ، فمن مات ؟؟ لقد مات ذوقهم الأدبي ، وماتت فصاحتهم وبلاغتهم ، لذلك قال : " ويحكم أي كلام هذا " .

وهذه نماذج من الإعجاز اللغوي ، قال الله تعالى :] ولا تبخسوا الناس أشياءهم [ (الأعراف 85) ، ولم يقل : ولا تنقصوا الناس ، لأن البخس أشدّ من النقص ، ولعالمية الإسلام قال الله تعالى :] ولا تبخسوا الناس [ ، ولم يقل : ولا تبخسوا المسلمين أو المؤمنين .
وقال الله تعالى :] إذ قال يوسف لأبيه : يا أبت إني رأيت أحد عشر كوكباً[
(يوسف 4) ، وقال الله تعالى على لسان إبراهيم لولده إسماعيل :
] إني أرى في المنام أني أذبحك [ (الصافات 102) ، والفرق بين " رأيت " و " أرى " أنّ " رأيت " تدل على أن الرؤيا كانت مرة واحدة ، وكلمة " أرى " تدل على أن الرؤيا كانت متكررة ، أكثر من مرة .
وحسبك في هذا المجال ، قول الوليد بن المغيرة ، الذي كان من أفصح العرب ، حينما سمع القرآن قال : والله إن له لحلاوة ، وإن عليه لطلاوة ، وإن أعلاه لمثمر ، وإن أسفله لمغدق ، وإنه يعلو ولا يُعلى عليه ، وما هو من قول البشر .

ثانياً : الإعجاز الغيبي :
جاء القرآن الكريم بأمور غيبية ، وجاء المستقبل مطابقاً لها تماماً ، فمن أوائل سور القرآن المكية ، قول الله تعالى :] تبت يدا أبي لهب وتب ، ما أغنى عنه ماله وما كسب ، سيصلى ناراً ذات لهب ، وامرأته حمالة الحطب ، في جيدها حبل من مسد [
(سورة تبّت )، وسمع أبو لهب ـ واسمه عبد العزى ، وهذا الاسم حرام ، لذلك لم يذكره الله تعالى باسمه ـ السورة ، وعاش بعد ذلك عشر سنوات ، فلو قال أبو لهب أو امرأته أروى بنت حرب : لا إله إلا الله ، ولو كذباً أو رياءً أو نفاقاً ، لأبطل الوحي كله ، هذا إعجاز غيبي خطير .
وقال الله تعالى : ] ألم . غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين [ (الروم 1ـ 2 ـ3 ـ4) ، ومعنى كلمة " أدنى " لها معنيان في القواميس ،
" أقرب و أخفض " ، وقد تحقق المعنيان في الآية الكريمة ، فأرض فلسطين هي أقرب الأراضي إلى جزيرة العرب ، وفيها أخفض نقطة عن سطح البحر في الأرض كلها ، إنها أغوار البحر الميّت ، 392م ، ولقد انتصر الروم على الفرس في بضع سنين ، بعد سبع سنوات من نزول الآية ، والبضع : (من 3 إلى 9 ) .
وقال الله تعالى : ] سيهزم الجمع ويولون الدبر [ ( القمر 45)، هذه الآية تبشر المسلمين، قُبيل معركة بدر الكبرى ، والمسلمون قلة من حيث العَدد والعُدد ، تبشرهم بالنصر الأكيد قبل المعركة .
وقال الله تعالى : ] إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظين [ ( الحجر 9 )، فالقرآن محفوظ من التحريف والتبديل والزيادة والنقصان إلى يوم القيامة .

ثالثاً : الإعجاز العددي :
لقد نزل القرآن منجّماً ، آيات بعد آيات ، على مدى ثلاث وعشرين سنة ، ومع ذلك نجد في القرآن الكريم ، إعجازاً باهراً في الأعداد والأرقام .
فمثلاً كلمة ( شهر ) ذكرت 12 مرة على عدد أشهر السنة .
كلمة ( يوم ) مفردة ، ذكرت في القرآن الكريم 365 مرة بعدد أيام السنة الشمسية .
وكلمة ( يوم ) ذاتها مثنى ومجموع ، ذكرت 30 مرة ، بعدد أيام الشهر الكامل .
ولفظ ( ساعة ) مسبوقة بحرف ، ذكرت 24 مرة بعدد ساعات اليوم الكامل .
وكلمة ( الحر ) ذكرت أربع مرات ، وكلمة ( البرد ) ذكرت أربع مرات أيضاً ، على عدد فصول السنة ، من الصيف والشتاء والخريف والربيع .
وكلمة ( الرجل ) مفردة ، ذكرت 24 مرة ، كذلك كلمة ( المرأة ) ذكرت 24 مرة .
وكلمة ( النحل ) ذكرت مرة واحدة كذلك كلمة ( العسل ) ذكرت مرة واحدة .
وكلمة ( الجهر ) ذكرت 16 مرة ، كذلك كلمة ( العلانية ) ذكرت 16 مرة .
وكلمة ( الرأفة ) ذكرت 13 مرة ، وبالعدد نفسه ذكرت كلمة ( الغلظة ) 13 مرة .
وكلمة ( الذهب ) ذكرت 8 مرات ، كذلك كلمة ( الترف ) ذكرت 8 مرات وبينهما ارتباط وثيق .
وكلمة ( الملائكة ) ذكرت 88 مرة ، كذلك كلمة ( الشياطين ) ذكرت 88 مرة .
ولفظ ( الصلوات ) وردت خمس مرات فقط بعدد الصلوات اليومية الخمس المكتوبة .
وأولوا العزم من الرسل خمسة ( نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلوات الله عليهم أجمعين ) ، ولفظ ( العزم ) وردت خمس مرات بعدد أولي العزم من الرسل .
وإذا جئنا إلى أعضاء جسم الإنسان لرأينا العجب العجاب .
للإنسان جبهة واحدة ، ووردت كلمة ( جباههم ) مرة واحدة . وللإنسان فم واحد ووردت كلمة ( فاه ) مرة واحدة ، وللإنسان دماغ واحد ، ووردت كلمة ( فيدمغه ) مرة واحدة ، وللإنسان لحية واحدة ، ووردت كلمة ( لحيتي ) مرة واحدة ، وللإنسان رقبة واحدة ، ووردت كلمة ( رقبة ) مرة واحدة ، وللإنسان حلقوم واحد ، ووردت كلمة ( الحلقوم ) مرة واحدة ، وللإنسان بدن واحد وذكرت كلمة ( ببدنك ) مرة واحدة ، وللإنسان عينان اثنان ، ووردت كلمة ( عينين ) مثناة مرتين فقط ، وللإنسان شفتان ، ووردت كلمة ( شفتين ) مرة مثناة ، وللإنسان كفان اثنان ، ووردت كلمة
( كفاه ) مثناة مرتين ،وكلمة ( قبضة ) وردت مرتين .
ترى أية قوة أو طاقة بشرية أياً كانت سواء من الأجهزة الحاسبة أو العقول الإلكترونية يمكنها أن تحدد هذه الأعداد المتساوية في ألفاظ الموضوعات المتشابـهة أو المتماثلة أو المترابطة ، ثم توزيعها هذا التوزيع الدقيق منفردة ومتباعدة في مختلف آيات القرآن الكريم ، إن المسألة ليست عن طريق المصادفة ، بل حروف محسوبة وموزونة بميزان دقيق ، أدق من ميزان الذهب والفضة .

رابعاً : الإعجاز العلمي :
قال الله تعالى :] والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم [ (يس 38)،
آية وحقيقة علمية ، لأن الشمس تجري نحو نجم عملاق اسمه " ممسك الأعنّة " بسرعة ثلاثين كيلومتراً في الثانية الواحدة .
وقال الله تعالى :] حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازّينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلاً أو نهاراً [ ( يونس 24)
إن الله تعالى سبق في علمه الأزلي ، متى ستقوم الساعة ، وفي الليل أو في النهار ، فلماذا لم يقل ربنا : أتاها أمرنا ليلاً فقط ، أو نهاراً فقط ، وإنما قال ( ليلاً أو نهاراً ) ، لأن الأرض كروية ليس فيها ليل فقط ولا نـهار فقط ، فإذا كان عندنا ليل فهناك في أمريكا نـهار ، والعكس بالعكس صحيح ، يكوّر الليل على النهار ويكوّر النهار على الليل ، والمعنى : أتاها أمرنا ليلاً عند قوم ونـهاراً عند قوم آخرين .

وقال الله تعالى :] كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلوداً غيرها ليذوقوا العذاب [ (النساء 55) ، لم يقل ربنا جلّ جلاله : بدلناهم عظاماً غيرها أو لحوماً غيرها ، لأن الجلد مركز الإحساس في جسم الإنسان ، فمن كشط جلده لا يحس بالألم والعذاب والحرارة ، لذلك قال الله تعالى : ليذوقوا العذاب .
وقال الله تعالى :] فلا أقسم بما تبصرون . وما لا تبصرون إنه لقول رسول كريم [ (الأحقاف 38 ) .
إن لحواسنا حدوداً لا نتجاوزها ، فالبصر لا يرى الشيء إذا اقترب أو ابتعد أكثر من اللازم ، وهو ما يعرف بنقطة ( المدى والكثب ) ، وهناك إشعاعات لا تراها العين ، مثل : الأشعة تحت الحمراء وفوق البنفسجية وأشعة (ألفا) و( غاما ) و( X ) السينية وغيرها .

قال الله تعالى :] أيحسب الإنسان أن لن نجمع عظامه بلى قادرين على أن نسوي
بنانه [ ( القيامة 3 ـ 4) ، إن لذكر البنان لسراً أشد تعقيداً من العظام ، لذلك
خصه الله تعالى ، وقد ثبت علمياً أنه لا يمكن للبصمة أن تتطابق وتتماثل في شخصيْن في العالم حتى في التوائم المتماثلة التي أصلها من بييْضة واحدة .
قال الله تعالى :] والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة ويخلق ما لا تعلمون [
(النحل 8) ، فجملة " ويخلق ما لا تعلمون " معطوفة على الدواب التي جعلها الله تعالى أداة للركوب ، أي أن الله تعالى سيجعل وسائل للركوب غير التي كانت في عصر نزول القرآن ، وها هو الإنسان قد توصّل إلى صنع السيارات والقطارات والطائرات ، وهكذا خاطب القرآن الإنسان البدائي ، وخاطب إنسان هذا العصر ، كما أنه يخاطب الأجيال القادمة .

إن معاني هذا القرآن مصوغة بحيث يصلح أن يخاطب بها الناس كلهم على اختلاف مداركهم وثقافتهم ، وعلى تباعد أزمنتهم وبلدانهم ، ومع تطوّر علومهم واكتشافاتهم ، فالعامّي من الناس يفهم منه السطح القريب ، والمثقف منهم يفهم مدىً معيناً من عمقه أيضاً ، والباحث المتخصص يفهم منه جذور المعنى .
وهكذا تجد القرآن يخاطب الناس جميعاً على مختلف أصنافهم وأجيالهم .

والآن انتهينا من هذه السياحة العجلى في رحاب القرآن الكريم ، ووقفنا على بعض إعجازا ته ، التي لا تنتهي عجائبه ، فمن علم علمه سبق ، ومن قال به صدق ، ومن حكم به عدل ، ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم .
ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــ
الشيخ : محمد محمود كالو
ماجستير في التفسير وعلوم القرآن
ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــ
www.muhmmdkalo.jeeran.com/images/
muhmmdkalo@al-islam.come-mail 1 :
muhmmdkalo@jeeran.come-mail 2 :