علاج مرض الشهوة
قيل : نعم .
الجواب من أصل :" ما أنزل الله من داء ؛ إلا جعل له دواء ؛ علمه من علمه وجهله من جهلة " (1)
والكلام في دواء هذا الداء من طريقين :
أحدهما : حسم مادته قبل حصولها .
والثاني : قلعها بعد نزولها .
وكلاهما يسير على من يسره الله عليه ، ومتعذر على من لم يعنه الله ؛ فإن أزمة الأمور بيديه .
[ التدابير العملية الواقية من مرض الشهوة ]
وأما الطريق المانع من حصول هذا الداء [ فهي ثلاثة أمور] :
صدق الله العظيم أحدهما غض البصر : فإن النظرة سهم مسموم من سهام إبليس ، ومن أطلق لحظاته ؛ دامت حسراته .
فاللحظات : هي رائد الشهوة ورسولها ، وحفظها أصل حفظ الفرج ؛ فمن أطلق نظره أورده موارد الهلاك .
وقد قال النبي - - : " يا على لا تتبع النظرة النظرة ؛ فإنما لك الأولى ، وليست لك الأخرى "(2) .
وقال : " إياكم والجلوس على الطريق ". قالوا : يا رسول الله ! مجالسنا ، مالنا بد منها !! قال : "فإن كنتم لا بد فاعلين ؛ فأعطوا الطريق حقه "قالوا : وما حقه ؟ قال : " غض البصر وكف الأذى ورد السلام " (3).
والنظر أصل عامة الحوادث التي تصيب الإنسان ؛ فإن النظرة تولد خطرة ، ثم تولد الخطرة فكرة ، ثم تولد الفكرة شهوة ، ثم تولد الشهوة إرادة ، ثم تقوى فتصير عزيمة جازمة ، فيقع الفعل ، ولا بد ، ما لم يمنع منه مانع .
وفى هذا قيل :الصبر على غضّ البصر أيسرُ من الصبر على ألم ما بعده .
قال الشاعر :
كلُّ الحوادثِ مبدأها من النظرِ ومُعظَمُ النارِ مِنْ مُستصغَر الشَّررِ
_
(1) أخرجه : أحمد (4/278) من حديث أسامة بن شريك ، وصححه الألباني في السلسلة (451) .
(2) أخرجه : أبو داود (2148) والترمذي (2776) وأحمد (5/353) وقد حسنه الألباني في جلباب المرأة المسلمة ص 77 .
(3) أخرجه : البخاري (2465) ومسلم (2121) عن أبي سعيد الخدري .
كمْ نظرةٍ بلَغَت منْ قلْبِ صاحبِها كمبلغِ السهْم بينَ القوسِ والوتر
والعبدُ ما دام ذا طَرْفٍ يُقَلِّبُه في أعُين الغيْدِ مَوقوفٌ على الخَطَرِ
يَسُرُّ مُقْلَتَهُ ما ضَرَّ مُهْجَته لا مَرْحباً بِسُرورٍ عادَ بالضَّررِ
ومن آفات النظر : أنه يورث الحسرات والزفرات والحرقات ، فيرى العبد ما ليس قادراً عليه ولا صابرا عنه ، وهذا من أعظم العذاب : أن ترى ما لا صبر لك عنه ولا عن بعضه ولا قدرة لك عليه ولا عن بعضه . قال الشاعر :
وكُنْتَ متى أرسلْتَ طَرْفَكَ رائِداً لقلْبكَ يوماً أتعبتْكَ المناظِرُ
رأيتَ الذي لا كُلُّهُ أنتَ قادرٌ عليهِ ولا عنْ بعضهِ أنتَ صابرُ
وقد قيل : إن حبس اللحظات أيسرُ من دوام الحسرات .
صدق الله العظيم وفي غض البصر عدة منافع :
أحدها : أنه امتثال لأمر الله ، الذي هو غاية سعادة العبد في معاشه ومعاده ؛ وليس للعبد في دنياه وآخرته أنفع من امتثال أوامر ربه ،وما سعد من سعد في الدنيا و الآخرة إلا بامتثال أوامره ، وما شقي من شقي في الدنيا والآخرة إلا بتضييع أوامره .
الثانية : أنه يمنع من وصول أثر السهم المسموم الذي لعل فيه هلاكه إلى قلبه .
الثالثة : أنه يورث القلب أنسا بالله وجمعيَّة على الله ؛ فإن إطلاق البصر ؛ يفرق القلب ويشتته ويبعده عن الله ، وليس على القلب شيء أضر من إطلاق البصر ؛ فإنه يوقع الوحشة بين العبد وبين ربه .
الرابعة : أنه يقوي القلب ويفرحه كما أن إطلاق البصر يضعفه ويحزنه .
الخامسة : أنه يكسب القلب نوراً كما أن إطلاقه يكسبه ظلمة :
وإذا استنار القلب ؛ أقبلت وفود الخيرات إليه من كل ناحية ؛ كما أنه إذا أظلم ؛ أقبلت سحائب البلاء والشر عليه من كل مكان ؛ فما شئت من بدع ، وضلالة ، واتباع هوى ، واجتناب هدى، وإعراض عن أسباب السعادة ، واشتغال بأسباب الشقاوة ؛ فإن ذلك إنما يكشفه له النور الذي في القلب ؛ فإذا فُقِد ذلك النور ؛ بقى صاحبه كالأعمى الذي يجوس(1) في حنادس الظلمات .(2)
السادسة : أنه يورث فراسة صادقة يميز بها بين الحق والبطل والصادق والكاذب .
وكان شاه بن شجاع الكرماني يقول : ( من عمر ظاهره باتباع السنة ، وباطنه بدوام المراقبة ،وغض بصره عن المحارم، وكف نفسه عن الشهوات ، واغتذى بالحلال لم تخط له فراسة )(3) .
وكان [ابن ] شجاع هذا ؛ لا تخطيء له فراسة .(4)
والله سبحانه يجزي العبد على عمله بما هو من جنس عمله ،ومن ترك لله شيئا ؛ عوضه الله خيرا منه .
فإذا غض بصره عن محارم الله ؛ عوضه الله بأن يطلق نور بصيرته عوضة عن حبسه بصره لله ، ويفتح له باب العلم والإيمان والمعرفة والفراسة الصادقة المصيبة التي إنما تنال ببصيرة القلب .
وضدُّ هذا ما وصف الله به اللوطية من العمه الذي هو ضد البصيرة ، فقال تعالى : لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون [الحجر :72]فوصفهم بالسكرة التي هي فساد العقل وعمه الذي هو فساد البصيرة .
فالتعلق بالصور يوجب فساد العقل وعمه البصيرة وسكر القلب ؛كما قال القائل :
سَكْرانُ سُكْرَ هوىً وسُكْرَ مُدامَةٍ ومتى إفاقةُ مَنْ بهِ سُكْران
وقال الآخر :
قالوا جُننْت بِمَنْ تهوى فقلتُ لَهُمْ العشقُ أعظمُ مِمَّا بالمَجانين
العشقُ لا يستفيقُ الدَّهْرُ صاحِبُهُ وإنَّما يُصْرعُ المَجنونُ في الحين
_
(1) الجَوْس : طلب الشيء باستقصاء ، والتردد والطواف خلال البيوت والدور في الغارة .
(2) الحِنْدس : الظلمة ، والليل المظلم .
(3) انظر : حلية الأولياء (10/237) .
(4) انظر : حلية الأولياء (10/237) .
السابعة : إنه يورث القلب ثباتاً وشجاعة وقوة .
فجمع الله له بين سلطان البصيرة والحجة وسلطان القدرة والقوة .
وضد هذا ؛ تجده في المتبع هواه من ذلِّ النفس ووضاعتها ومهانتها وخستها وحقارتها وما جعل الله سبحانه فيمن عصاه ، كما قال الحسن : ( إنهم وإن طقطقت بهم البغال وهملجت بهم البراذين ؛إن ذلَّ المعصية في رقابهم ،أبى الله إلا أن يذل من عصاه )(1) .
وقد جعل الله سبحانه العز قرين طاعته والذل قرين معصيته : فقال تعالى: ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين [المنافقون :8]وقال تعالى ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين [آل عمران :139] .والإيمان ؛ قول وعمل ، ظاهر وباطن . وقال تعالى من كان يريد العزة فلله العزة جميعا إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه [فاطر :10] أي : من كان يريد العزة ؛ فليطلبها بطاعة الله وذكره من الكلم الطيب والعمل الصالح .
وفي دعاء القنوت : " إنه لا يذل من واليت ولا يعز من عاديت "(2)
ومن أطاع الله ؛ فقد والاه فيما أطاعه فيه ، وله من العز بحسب طاعته ، ومن عصاه ؛ فقد عاداه فيما عصاه فيه ، وله من الذل بحسب معصيته .
_
(1) انظر : الحلية (2/149) . والطقطقة : صوت حوافر البغال . والهملجة : الانقياد والذل . والبراذين : الدواب .
(2) أخرجه : أبو داود (1425) والترمذي (464) والنسائي (1744) وابن ماجه (1178) من حديث الحسن بن علي .قال الترمذي : هذا حديث حسن . وصححه أحمد شاكر والألباني .
الثامنة : أنه يسد على الشيطان مدخله إلى القلب ؛فإنه يدخل مع النظرة ، وينفذ معها إلى القلب أسرع من نفوذ الهوى في المكان الخالي ؛ فيمثل له صورة المنظور إليه ، ويزينها ، ويجعلها صنما يعكف عليه القلب ،ثم يعده ، ويمنيه ، ويوقد على القلب نار الشهوة ، ويلقى عليه حطب المعاصي التي لم يكن يتوصل إليها بدون تلك الصورة، فيصير القلب في اللهيب ؛ فمن ذلك اللهيب تلك الأنفاس التي يجد فيها وهج النار ، وتلك الزفرات والحرقات ؛ فإن القلب قد أحاطت به النيران من كل جانب؛ فهو في وسطها كالشاة في وسط التنور.
ولهذا كانت عقوبة أصحاب الشهوات للصور المحرمة : أن جُعِل لهم في البرزخ تنور من نار ، وأودعت أرواحهم فيه إلى يوم حشر أجسادهم ؛ كما أراها الله تعالى لنبيه - - في المنام في الحديث المتفق على صحته (1).
التاسعة :أنه يفرغ القلب للفكرة في مصالحه والاشتغال بها ، وإطلاق البصر ينسيه ذلك ويحول بينه وبينه ؛ فينفرط عليه أمره ، ويقع في اتباع هواه وفي الغفلة عن ذكر ربه . قال تعالى ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا [الكهف :28]. وإطلاق النظر يوجب هذه الأمور الثلاثة بحبسه .
العاشرة :أن بين العين والقلب منفذاً و طريقا يوجب اشتغال أحدهما عن الآخر ، وأن يصلح بصلاحه ،ويفسد بفساده ؛ فإذا فسد القلب ؛فسد النظر ،وإذا فسد النظر؛ فسد القلب ، وكذلك في جانب الصلاح .
فإذا خربت العين وفسدت ؛ خرب القلب وفسد وصار كالمزبلة التي هي محل النجاسات والقاذورات والأوساخ ؛فلا يصلح لسكنى معرفة الله ومحبته و الإنابة إليه والأنس به والسرور بقربه فيه ،وإنما يسكن فيه أضداد ذلك .
فهذه إشارة إلى بعض فوائد غض البصر تطلعك على ما ورائها .
_
(1) أخرجه : البخاري (7047) ومسلم (2275) من حديث سمرة بن جندب .
صدق الله العظيم الطريق الثاني المانع من حصول تعلق القلب : اشتغال القلب بما يصده عن ذلك ويحول بينه وبين الوقوع فيه ، وهو إما خوف مقلق أو حب مزعج ،فمتى خلا القلب من خوف ما فواته أضر عليه من حصول هذا المحبوب ، أو خوف ما حصوله أضر عليه من فوات هذا المحبوب ، أو محبة ما هو أنفع له وخير له من هذا المحبوب ، و فواته أضر عليه من فوات هذا المحبوب، لم يجد بداً من عشق الصور .
وشرح هذا : أن النفس لا تترك محبوبا إلا لمحبوب أعلى منه ،أو خشية مكروه حصوله أضر عليه من فوات هذا المحبوب .
وهذا يحتاج صاحبه إلى أمرين ، إن فقدهما أو أحدهما لم ينتفع بنفسه :
أحدهما : بصيرة صحيحة يفرق بها بين درجات المحبوب والمكروه ، فيؤثر أعلى المحبوبين على أدناهما ، ويحتمل أدنى المكروهين ليخلص من أعلاهما .
وهذا خاصة العقل ، ولا يُعد عاقلاً من كان بضد ذلك ،بل قد تكون البهائم أحسن حالاً منه .
الثاني : قوة عزم وصبر يتمكن بهما من هذا الفعل والترك .
فكثيراً ما يعرف الرجل قدر التفاوت ولكن يأبى له ضعف نفسه وهمته وعزيمته على إيثار الأنفع من خسته وحرصه ووضاعة نفسه وخسة همته .
ومثل هذا لا ينتفع بنفسه ولا ينتفع به غيره .
وقد منع الله سبحانه إمامة الدين إلا من أهل الصبر واليقين ، فقال تعالى ـ وبقوله يهتدي المهتدون ـ : وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون [ السجدة :24]وهذا هو الذي ينتفع بعلمه وينتفع به الناس ، وضد ذلك لا ينتفع بعلمه ،ولا ينتفع به غيره .
ومن الناس من ينتفع بعلمه في نفسه ولا ينتفع به غيره .
فالأول : يمشي في نوره ويمشي الناس في نوره .
والثاني : قد طُفِئَ نوره فهو ؛ يمشي في الظلمات ومن تبعه في ظلمته .
والثالث : يمشي في نوره وحده .
[ والطريق الثالث المانع من حصول تعلق القلب :حفظ الخطرات ] وشأنها أصعب ؛ فإنها مبدأ الخير والشر ، ومنها تتولد الإرادات والهمم والعزائم .
فمن راعى خطراته ؛ ملك زمام نفسه وقهر هواه ،ومن غلبته خطراته ؛ فهواه ونفسه له أغلب ،ومن استهان بالخطرات ؛ قادته قهرا إلى الهلكات .
ولا تزال الخطرات تتردد على القلب حتى تصير مُنىً باطلة كسراب بقيعة يحسبه الظمأن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب [النور :39].
وأخس الناس همة و أوضعهم نفساً من رضي من الحقائق بالأماني الكاذبة ، واستجلبها لنفسه ، وتحلى بها .
وهي ـ لعمر الله ـ رؤوس أموال المفلسين ومتاجر الباطلين ، وهي أضر شيء على الإنسان ،وتتولد من العجز والكسل،وتُولِّد التفريطَ والحسرة والندامة .
والمتمنّي لما فاته مباشرة الحقيقة بجسمه ، حوّل صورتها في قلبه ، وعانقها، وضمها إليه ، فقنع بوصال صورةٍ وهمية خالية صَوّرها فكره ،وذلك لا يجدي عليه شيئا ،وإنما مثله مثل الجائع والظمآن ؛يصور في وهمه صورة الطعام والشراب، وهو لا يأكل ولا يشرب .
والسكون منه إلى ذلك واستجلابه يدل على خساسة النفس ووضاعتها .
وإنما شرف النفس وزكاؤها وطهارتها وعلوها بأن ينفى عنها كل خَطرة لا حقيقة لها ، ولا يرضى أن يُخْطرها بباله ،ويأنف لنفسه منها .
ثم الخطرت ـ بعد ـ أقسام تدور على أربعة أصول :
ـ خطرات يستجلب بها العبد منافع دنياه .
ـ وخطرات يستدفع بها مضار دنياه .
ـ وخطرات يستجلب بها مصالح آخرته .
ـ وخطرات يستدفع بها مضار آخرته .
فليحصر العبد خطراته وأفكاره وهمومه في هذه الأقسام الأربعة.
فإذا انحصرت له فيها ؛ فما أمكن اجتماعه منها ؛لم يتركه لغيره ، وإذا تزاحمت عليه الخطرات كتزاحم متعلقاتها؛ قدم الأهم فالأهم الذي يخشى فوته .
والتحكيم في هذا الباب : للقاعدة الكبرى التي يكون عليها مدار الشرع والقدر وإليها يرجح الخلق والأمر ،وهي : إيثار أكبر المصلحتين وأعلاهما وإن فاتت المصلحة التي هي دونها ، والدخول في أدنى المفسدتين لدفع ما هو أكبر منها. فتفوّتُ مصلحةً لِيُحصِّل ما هو أكبر منها ، ويرتكب مفسدة لدفع ما هو أعظم منها .
فخطرات العاقل وفكره لا يتجاوز ذلك ، وبذلك جاءت الشرائع ، ومصالح الدنيا والآخرة لا تقوم إلا على ذلك .
وأعلى الفِكَر وأجلها وأنفعها ما كان لله والدار الآخرة .
فما كان لله ؛ فهو أنواع :
أحدها : الفكرة في آياته المنزلة ، وتعقلها، وفهم مراده منها، ولذلك أنزلها الله تعالى ، لا لمجرد تلاوتها بل التلاوة وسيلة . قال بعض السلف : أنزل القرآن ليعمل به فاتخذوا تلاوته عملا .
الثاني : الفكرة في آياته المشهودة ،والاعتبار بها ، والاستدلال بها على أسمائه وصفاته وحكمته وإحسانه وبره وجوده .
وقد حث الله سبحانه عباده على التفكر في آياته وتدبرها وتعقلها، وذم الغافل عن ذلك .
الثالث : الفكرة في آلائه ،وإحسانه ،وإنعامه على خلقه بأصناف النعم، وسعة مغفرته ورحمته وحلمه .
وهذه الأنواع الثلاثة تستخرج من القلب معرفة الله ومحبته وخوفه ورجاءه.
ودوام الفكرة في ذلك مع الذكر يَصبغ القلب في المعرفة والمحبة صبغة تامة .
الرابع : الفكرة في عيوب النفس وآفاتها وفى عيوب العمل .
وهذه الفكرة عظيمة النفع ، وهي باب لكل خير ،وتأثيرها في كسر النفس الأمارة بالسوء ،ومتى كُسِرت ؛ عاشت النفس المطمئنة وانتعشت وصار الحكم لها ،فحيي القلب ، ودارت كلمته في مملكته ، وبث أمراءه وجنده في مصالحه .
الخامس : الفكرة في واجب الوقت ووظيفته وجمع الهم كله عليه .
فالعارف ابن وقته فإن أضاعه ؛ضاعت عليه مصالحه كلها .
فجميع المصالح إنما تنشأ من الوقت ، فمتى أضاع الوقت لم يستدركه أبدا ، قال الشافعي رضى الله عنه : صحبت الصوفية فلم أستفد منهم سوى حرفين : أحدهما قولهم :الوقت سيف ؛ فإن لم تقطعه قطعك ، وذكر الكلمة الأخرى :ونفسك إن أشغلتها بالحق وإلا؛ شغلتك بالباطل .
فوقت الإنسان هو عمره في الحقيقة وهو مادة حياته الأبدية في النعيم المقيم ،ومادة المعيشة الضنك في العذاب الأليم ، وهو يمر أسرع من مر السحاب .
فما كان من وقته لله وبالله ؛ فهو حياته وعمره ،وغير ذلك ليس محسوبا من حياته وإن عاش فيه ؛عاش عيش البهائم .
فإذا قطع وقته في الغفلة والشهوة والأماني الباطلة ،وكان خير ما قطعه بالنوم والبطالة ؛ فموت هذا خيرا له من حياته .
وإذا كان العبد ـ وهو في الصلاة ـ ليس له من صلاته إلا ما عقل منها ؛ فليس له من عمره إلا ما كان فيه بالله وله .
وما عدا هذه الأقسام من الخطرات والفكر؛ فإما وساوس شيطانية ،و إما أماني باطلة وخدع كاذبة ، بمنزلة خواطر المصابين في عقولهم من السكارى والمحشوشين والموسوسين ، ولسان حال هؤلاء يقول عند انكشاف الحقائق :
إنْ كانَ مَنْزِلَتي في الحشرِ عِنْدكُمُ ما قدْ لقيتُ فقدْ ضَيَّعتُ أيَّامي
أمْنِيّةٌ ظَِفرتْ نفْسي بها زَمناً واليومَ أحسبُها أضْغاثَ أحْلام
واعلم أن ورود الخاطر لا يضر، وإنما يضر استدعاؤه ومحادثته .
فالخاطر كالمار على الطريق ؛فإن لم تستدعه وتركته ؛ مر وانصرف عنك ، وإن استدعيته سحرك بحديثه وخدعه وغروره .وهو أخف شيء على النفس الفارغة بالباطلة ،وأثقل شيء على القلب والنفس الشريفة السماوية المطمئنة .