"اذكروا مَن عندكم من الرجال الذين ينفعونكم في الشدائد، ودونوا أسماءهم في جريدة، لئلا تنسَوهم، ونوّهوا بهم عند كل سانحة، واحرصوا عليهم حرصكم على أعز عزيز... تجاوزوا عن سيئاتهم، وانتفعوا بحسناتهم"
(الشيخ طاهر الجزائري).

الصيداوي!.. وما أدراك ما الصيداوي؟ نمط من الإبداع عجيب، فن وأدب.. علم وطرب.. أنس ومعرفة.. نحو وتجويد.. نقد وفصاحة.. ذوق وبيان.. تجديد وأصالة، ظرَف وفكاهة..

ذلكم هو عالم الصيداوي! عالم يمور بالعجائب.. ويشتمل على الأطايب والغرائب! فبينا يحدثك في النحو ومشاكله الشائكة يأتيك بأعذب الأشعار وأطرف الأخبار. وبينا يحدثك في الفن والغناء واللحن والأنغام يأتيك بأعمق الأفكار وأعظم الأسرار.. يغوص في لغة القرآن فتخاله الزمخشري أو أبا حيان ويبحر في الفصاحة والبيان فتخاله الجاحظ أو سحبان. ويتناول الأنغام والألحان فتخاله السنباطي أو القصبجي.. ويعرض للنقد والأدب فتخاله العقاد أو الرافعي.. ويتفكه بالطُّرف والتسلية والمزاح والنكت فتخاله الريحاني أو المازني.

كل ذلك في بيان ساحر.. وحضور جاذب.. وظَرف وفكاهة.. وفطنة وكياسة..

ملقّنٌ ملهمٌ فيما يحاولُهُ = جمٌّ خواطرُهُ جوّابُ آفاقِ

الصيداوي والعربية:

والصيدواوي رجل قضية.. إنها اللغة العربية.. همُّهُ وسَدَمُهُ ونجواهُ ورجواهُ.. رافقها وصادقها.. فلانت له.. وسمَتْ به.. رضع لبانها مع لبان أمه.. وحفظ كتابها وهو غضُّ العود طريّه.. فأتقنه ورتّله.. وحباه الله عذوبة في الصوت وزيادة في الحلق ومزماراً من مزامير داود فتغنّى بالقرآن وحبّره.. فهفت إليه الأفئدة.. وتلذَّذت بسماعه الآذان وتصدَّر للقراءة والترتيل.. وطار صيته بين الناس.. حتى وصل أمره إلى رئيس الجمهورية السورية الشيخ تاج الدين بن الشيخ بدر الدين الحسني فاستقدمه واستمع إليه وأكرم وفادته وعينه مقرئاً في الإذاعة السورية الناشئة آنذاك.. فكان أول وأصغر من قرأ فيها القرآن ببثٍّ مباشر حيٍّ يخرج من فم الصيداوي لتتلقفه الآذان في كل مكان!

وهكذا حذق الصيداوي القرآن وأتقنه، ثم جمع إلى إتقانه نصوصاً من نهج البلاغة كان يحفظها عن ظهر قلب ويتصدر لإسماعها الناس على ملأ في البيوتات والحسينيات وفي الأمسيات والاحتفالات.. فكانت له مع القرآن نعم الزاد في مسيرته اللغوية التي لم تتوقف إلا مع آخر نفس في حياته قال لي مرة: ما نفعني شيء في حياتي كما نفعني القرآن الكريم إنه كالكلاشنكوف (البندقية الروسية) فما هو إلا أن أضغط الزناد حتى تأتي الاستجابة رشّاً.

أجل فقد أسَّس الصيداوي رحمه الله بنيانه اللغوي ومعرفته العربية على أساس متين آتى أكله طيباً بإذن ربه. إذ فتح عينيه على أجمل نصوص العربية فخلبَتْه وفتنَتْه وانطلق يطلب المزيد، ويعبُّ من روائع بيان السماء وبدائع بيان الأرض بعد السماء، فكان من أدرى الناس بمواطن السجود ومواضع الإعجاز والإعجاب.

ويا طالما حدثنا عن إعجاب الفرزدق ببيت عدي بن الرقاع العاملي:

تُزجي أغنَّ كأنّ إبرةَ روقِهِ= قلمٌ أصاب من الدواة مدادَها

وفيه ـ كما يقول العلاّمة الدكتور عبد الله الطيب رحمه الله ـ وصف صريحٌ لرَوْقِ الشادن حين برز كأنه بطرفه المحدد الصغير إبرة وكأنه حرفُ قلمٍ أصاب سواد مداد، ثم هو بلا ريب وصف ضمني للقلم يوشك لقوة حيويته أن يكون صريحاً ويُشعر بأن المقصود بالوصف هو القلم لا قرن الظبية([1]).

ولازلت أذكر آخر لقاء ضمَّنا، وكان كالعهد به حريصاً على اللقاء كلما عدت من مغتربي إلى دمشق، كان ذلك في العطلة النصفية من عام 2003 أي في الشهر الثاني منها، وعقد اللقاء في بيت أخينا الحبيب الأستاذ مروان البواب وحضره كل من الأستاذ الدكتور مكي الحسني والأخ الدكتور يحيى مير علم.. وتكلم الصيدواوي فأجاد وأفاد.. وأبدع وأمتع وكان من ذلك أن حدثنا عن أبيات راقت له، قرأها في العقد الفريد [6/47] للمسوِّر بن مخرمة ذاك المحب الولهان الذي ترك زوجته طلباً للرزق، فلما تباعدت الديار خطرت لـه وتلفّت قلبه، فكَرَّ راجعاً إليها وهو يقول:

بينما نحن من بلا كث بالقا= عِ سراعاً والعيسُ تهوي هُوِيّا
خطرتْ خطرةٌ على القلب من ذكـ = راكِ وَهْناً فما استطعت مُضِيّا
قلتُ لبيكِ إذ عادني لك الشو = ق وللحادين كُرّا المَطِيّا
ولا أدلّ على تذوقه للشعر، وحفاوته بروائعه، من تلك المحاضرة التي أدارها على أبيات أم ثواب الثلاثة، فنَفَذَ فيها إلى أعماقها، واستخرج خَبْأَها، وحلّل قصدها، ونشر دُرَرَها، ووقف عند كل كلمة فيها ناقداً ومحللاً.. وفاهماً ومفهِّماً، فأبدع لعمري أيّما إبداع، وجعلها تحت عنوان "مأساة أم ثواب بولدها:

ربيتُهُ وهو مثلُ الفرخِ أعظَمُهُ= أمُّ الطعام ترى في جلده زَغَبا
حتى إذا آضَ كالفحّال شذّبه = أبّارُه ونفى عن متنه الكُربا
أنشا يمزّق أثوابي يؤدبني= أبعد شيبي تبغي عندي الأدبا

الصيدواي والأفغاني
وتعود بي الذاكرة إلى أول عهدي بالأستاذ الصيداوي، إذ تعرفت إليه في بيت أستاذ أساتيذنا وشيخ النحاة في عصرنا الأستاذ سعيد الأفغاني، وكان الصيداوي حفياً به ملازماً له، لا يكاد يبرح مجلسه الذي ينعقد كل مساء أربعاء في منزله بسفح جبل قاسيون، ويحضره الأستاذ الدكتور مكي الحسني والمهندس الباحث محمد خير البارودي، وهناك انعقدت أواصر المحبة والمودة مع الأستاذ الصيدواي، واتصلت أسبابي بأسبابه، وصرت واحداً من أصحابه.

وكان الرجل ملء السمع والبصر، فقد عرفه الناس وألفوه بإطلالته المحبَّبة طوال أحدَ عشر عاماً في برنامجه المشهور "اللغة والناس" وهو برنامج بدأ يومياً وانتهى أسبوعيَّاً تناول فيه كثيراً من مسائل اللغة وقضايا العربية، وكان يحتشد له ويعنى به، ثم إنه أخرج مئة من حلقاته في كتاب حمل العنوان نفسه "اللغة والناس". ومن طريف ما حدثنا به أن فتاة رأته في ذلك العهد فحيّته قائلة: أهلاً بلغةٍ بلا ناس فرد عليها على الفور: أهلاً بناسٍ بلا لغة.

إن أنس لا أنسَ مجلساً ضمنا في منزله مع الأستاذ سعيد الأفغاني عرضنا عليهما فيه برنامج النظام الصرفي للعربية بالحاسوب ـ وهو نظام كان لي شرف المشاركة فيه مع الأستاذ مروان البواب والدكتور يحيى مير علم والدكتور محمد مراياتي ـ وكان لقاء غنياً مفيداً خرجنا فيه بملاحظات دقيقة وفوائد فريدة أتحفنا بها كل من الأستاذين، وطال اللقاء وحضرتنا صلاة المغرب، ودفعت إلى الإمامة دفعاً، فلما قضيت الصلاة، علّق الصيداوي مثنياً على قراءاتي وتجويدي، فذكرت له أني تلقيت التجويد عن أربابه وفي مقدمتهم شيخنا المقرئ الشيخ بشير الشلاح رحمه الله فبادرني قائلاً: ذاك شيخي وعليه أخذت القراءة والتجويد بادئ أمري إذ كنت أقصده يومياً لأسمِّع صفحة من القرآن بدفع من والدي وتوجيه من العلامة الشيخ محسن الأمين رحمه الله فقلت له: أن حصحص الحق يا سيدي فقد كنت سمعت من الشيخ بشير ما يؤيد هذا الذي تقول لدى أول ظهور لك على شاشة التلفاز فظننت أن الشيخ واهم لبعد ما بينكما فإذا بي أنا الواهم!

النحو لا يعلم اللغة :

كان الأستاذ الصيداوي معلماً مفْتَنّا، ومربياً خبيراً، قضى في تعليم العربية شطر عمره، وخلص من تجربته الطويلة إلى نتائج مهمة وخطيرة، من أهمها في نظري: أن النحو لا يعلم اللغة وإنما يعلِّمها نصوصها، وفي هذا يقول:

"من كان يريد أن يحسن اللغة، فسبيله استظهار روائعها، لا قراءة النحو واستظهار مسائله! كل كتب النحو، كلها كلها، من كتاب سيبويه فنازلاً، لا تعدل في موازين إحسان اللغة مثقال ذرة من: )وهي تجري بهم في موج كالجبال، ونادى نوح ابنه، وكان في معزل يا بني اركب معنا ولا تكن مع الكافرين(([2]).

ثم يقول: "إن إحسان اللغة، إنما يكون في مصاحبة القرآن والحديث ونهج البلاغة، وديوان زهير وجرير والفرزدق والأخطل، وبشار وأبي العتاهية، وأبي تمام والبحتري والمتنبي، وفي ملازمة الجاحظ، وأسألك بالله أن تستمسك بكتب الجاحظ، فإنها ينبوع لغة وأدب لا ينضب، وفي ملازمة الأغاني فإنه مدرسة لطواعية المفردات، في مواضعها من جزل التراكيب.." ([3])

ومن ثم كان ينصح بتحفيظ الأطفال نصوصاً من الشعر المأنوس السهل كتلك القصائد التي أدارها شوقي على ألسنة الحيوانات فكانت نموذجاً رائعاً للإيقاع العذب والمضمون المعبِّر وكثيراً ما ذكر لنا أنه حفّظ ولده تماماً بعضاً منها كتلك التي تتحدث عن محبة الوطن:

عصفورتان في الحجاز = حلَّتا على فَنَن
مرَّ على أيكهما= ريح سرى من اليمن
* * * *
هب جنة الخلد اليمن= لا شيء يعدل الوطن

وقد جربت ذلك مع أولادي فأتى أكله على خير وجه ولله الحمد.

وكان يرى في النحو مشكلة من مشاكل اللغة، وعقدة من عقدها التي حجبت عنها الكثيرين، وأغرقت فيها الكثيرين، فانبرى إلى كتب النحو عاكفاً عليها، باحثاً فيها، منقراً في دروسها، ليعيد صوغ قواعد العربية في كتاب دعاه "الكفاف" أراد أن ينفي فيه عن القواعد كل ما أصابها من تفريع وشذوذ وتكثُّر وترهّل، ليقدمها للطالب غير المتخصص في لبوس حسن، وصياغة موجزة، وليشفعها بنماذج من فصيح القول تؤيدها وترسخها وتقربها وتحبَّبها. لقد عكف الأستاذ الصيداوي على كتابه هذا ست سنوات بتمامها عايشتها سنة سنة، وشهدته يواصل ليله بنهاره وصبحه بمسائه، وكلما استيقظ من نومه هب يحمد الله على أن مد في عمره كي يكمل مشروعه، وكان يعرض نتاجه علينا معشر أصحابه فنناقشه ويناقشنا ونوافقه في مسائل ونخالفه في أخرى، ولكنّه قلما كان يعود عن رأي رآه!. ومع ذلك فإنني أقول: إنه أحسن في كثيرٍ من المسائل وجانب الصواب في قليل منها، فله إن شاء الله جزاء المجتهد، أجران على ما أصاب فيه، وأجر على ما أخطأ فيه لأني أحسبه مخلصاً في كل ما صنع ولا أزكي على الله أحداً.

بيضة الديك:
ومن أشهر كتب الصيداوي كتاب بيضة الديك الذي ألفه رداً على كتاب يزعم صاحبه أنه يقرأ القرآن قراءة معاصرة يعتمد فيها على نظريات لسانية حديثة فيحرف النص ويلوي عنق اللغة كما يحلو لـه أو كما يوحي إليه أولياؤه، ويظن أنه إذا قال ولا الضالّون، ردّد الخلق جميعاً: آمون.. ولكن خاب فأله وضل سعيهُ، وأسقط في يده حين تصدى له الصيداوي مفنداً مزاعمه في اللغة، ومبيناً أنه لا يفقه فيها شيئاً، دون أن يتدخل في أي رأي ديني عرض له المؤلف، وإنما اكتفى في مقدمته بترديد مقولة عبد المطلب بن هاشم لأبرهة الحبشي عندما جاء يغزو الكعبة: [إن للبيت رباً يحميه] ولكنه والحق يقال سَلَق الرجل بألسنة حداد، وكشف زيغه، وفضح أباطيله، وكان من سوالف الأقضية أن أشار عليه صديق له بأن يقدم نسخة من الكتاب إلى وزير الإعلام آنذاك، ففعل، واستدعاه الوزير إلى مكتبه، وكان على ما يبدو يرى رأي صاحب القراءة المعاصرة، فعتب على الصيداوي قائلاً: لقد حصرت نقدك للكتاب في اللغة أو لم تجد في الكتاب شيئاً سوى اللغة؟! فأجاب الأستاذ الصيداوي: بلى يا سيدي ولكني رأيت رجلاً مهندساً بنى صرحاً شامخاً على بساط من اللغة فسحبت البساط من تحته! فضحك الوزير وانفضّ المجلس.

وكان قد أهداني نسخة من هذا الكتاب كتب لي فيها:
"الأخ العزيز الأستاذ حسان طيان راجياً أن يكون ما في الكتاب قريباً مما قدّرتَ. المؤلف 13/6/1993".
فكتبت تحت إهدائه كلمة الوزير ابن الفرات للسيرافي بعد مناظراته مع متى بن يونس:
"عينُ الله عليك أيها الشيخ، فقد ندّيت أكباداً، وأقررت عيوناً، وبيّضت وجوهاً، وحكت طرازاً لا تبليه الأزمان، ولا يتطرّقُهُ الحَدَثان"([4]).

رحمك الله أبا تمام، وجزاك عن العربية خير الجزاء، وجعل نصرتك لها، وذودك عنها وعن كتابها، ورفعك لرايتها، شفيعاً لك يوم لا يغنى مولى عن مولى شيئاً. إلا من شهد بالحق وهم لا يظلمون.



-------------------------
* رئيس مقررات اللغة العربية في الجامعة العربية المفتوحة بالكويت.

([1] ) المرشد إلى فهم أشعار العرب وصناعتها 4/509.
([2] ) الكفاف 54.
([3] ) الكفاف 55.
([4] ) معجم الأدباء 8/228.


المصدر : مجلة التراث العربي-مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب-دمشق العدد 101 السنة السادسة والعشرون - كانون الثاني 2006 - المحرم 1427