1 ـ تقديم:‏
القرآن الكريم هو رسالة موّجهة للبشرية جمعاء، جاء ليُسطِّر للفرد علاقته مع خالقه ونفسه وغيره من بني البشر وما بُسط في الطبيعة ككلّ، وذلك بتشريع الأحكام، وتوضيح المقاصد، وتبيين طرق المعاملات، وغير ذلك. ولعلّ أهم سمة تطبعه هي "الإعجاز"، وقد انشغل العلماء بالكشف عن مظاهر هذا الإعجاز، فقدّموا الكثير من الآراء والطروحات التي تبيِّن وتكشف عن آلياته. فمنهم من ربطه بإحاطته الكليّة التي شملت مختلف الظواهر الكونيّة، ومنهم من جعله على صلة بقدرته الدقيقة والراشدة في بسط الأحكام الشرعيّة وتنظيم العلاقات البشرية، ومنهم من ردّه إلى سمة "البيان" بوجه عام. وقد تنوّعت البحوث التي تكشف عن تجلِّيات البيان في القرآن الكريم، ويرتدّ هذا التنوّع إلى آليات الطرح التي انتهجها كلّ باحث في الكشف عن ذلك.‏

وبحثنا يتناول آلية من آليات البيان في الإعجاز القرآني، تتعلّق بـ "الحجاج"؛ فالقرآن خطاب حِجاجي، موجّه في أساسه للتأثير على آراء المخاطب وسلوكاته، واستمالة العقول، وتوجيه النفوس. ولذلك وظَّف الكثير من الأساليب الحِجاجيّة التي تؤمِّن لـه هذه الغايات.‏

2 ـ مفهوم البيان وأنماطه:‏
جاء في اللسان "البيان ما بُيِّن به الشيء من الدلالة وغيرها. وبان الشيء بياناً؛ اتّضح فهو بيِّن.. وأبنته أنا؛ أي أوضحته.. وقالوا بان الشيء واستبان وتبيَّن، وأبان وبيّن بمعنى واحد. ومنه قوله تعالى: (آياتٍ مبيِّناتِ( بكسر الياء وتشديدها بمعنى "مبيِّنات"، ومن قرأ "مبيَّنات" بفتح الياء فالمعنى أنّ الله بيّنها... والتبيين الإيضاح"(1). فالبيان هو الإيضاح عن المقصود، ولكنّه يتمّ ببلاغة ودقّة، وهذا ما نلاحظه في الحديث الشريف الذي رواه ابن عباس عن النبي ـ ( ـ أنّه "قال: [إنّ من البيان لسحراً، وإنّ من الشعر لحكماً]؛ "فالبيان إظهار المقصود بأبلغ لفظ، وهو من الفهم وذكاء القلب مع اللَّسن، وأصله الكشف والظهور"(2). فالبيان إظهار المعنى بدقّة وذكاء، حتّى يقع في العقول، وتميل لـه النفوس.‏

وقد وردت لفظة "بيان" في القرآن الكريم في آيات كثيرة؛ منها قوله تعالى: (هَذَا بَيَانٌ للنَّاسِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ للمُتَّقِين((3)؛ أي إيضاح وطريق هدى لكلِّ مُتَّق. وقول تعالى: ( فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فاتَّبِعْ قُرآنَهُ. ثُمَّ إنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ((4)؛ أي إظهار أحكامه ومقاصده ككل.‏

فالقرآن الكريم كلّه "بيان" لما يجب أن يكون عليه الإنسان في علاقاته مع خالقه والمحيط الذي يعيش فيه. وكانت اللغة السبيل إلى هذا البيان لذلك قال تعالى: (بِلِسَانٍ عَرَبي مُبِين((5)، فمن سمات لغة القرآن الكريم والعقيدة الإسلامي ككلّ "البيان والإيضاح"، ولذلك قال الرماني: "القرآنْ كلّه في نهاية حسن البيان"(6).‏

وقد اهتم الدارسون بتوضيح هذا "البيان" الذي طُبِعت به لغتنا العربية، فنثروا الكثير من الأفكار التي توضح مفاهيمه وأنماطه وطرقه وغير ذلك، وولّد هذا الاهتمام علماً مخصوصاً هو "علم البيان". وكان أوّل مصنَّف يبحث في قضاياه كتاب "البيان والتبيين"، للجاحظ (ت 255 هـ) الذي لم يعط ـ على ما يبدو ـ لمفهوم آخر من الأهمية في هذا المصنّف ما أعطاه لمفهوم البيان(7).‏

والبيان لدى الجاحظ "اسم جامع لكلّ شيء كشف لك قناع المعنى، وهتك الحجاب دون الضمير حتى يفضي السامع إلى حقيقته... لأنّ مدار الأمر والغاية التي يجري إليها القائل والسامع إنّما هو الفهم والإفهام، فبأي شيء بلغت الإفهام وأوضحت عن المعنى، فذلك هو البيان في ذلك الوضع"(8). فالبيان مرتبط بالدلالة الظاهرة عن المعنى الخفي؛ فكل دلالة واضحة على المعنى المقصود عنده "بيان"؛ لأنّ الغاية هي الفهم والإفهام.‏

ويرى الجاحظ أنّ وجوه البيان ترتدّ إلى خمسة أمور هي "اللفظ والإشارة والعقد والخط والنصبة"(9)، وهي مقولات توضِّح أشكال البيان لدى الإنسان في هذا الكون.‏

وذكر الرماني أنّ البيان "هو الإحضار لما يُظْهَر به تميّزُ الشيء من غيره في الإدراك"(10)؛ فالبيان مرتبط بإظهار ما يمكن أن يتميّز به الشيء عن غيره. وأوضح أنّه على أربعة أقسام؛ كلام وحال وإشارة وعلامة، وربط الكلام المبين بالقول الواضح المفهم. كما ذكر أنَّ البيان في كلامه يكون عن طريق كيفيات معيّنة، فـ "لا يخلو من أن يكون باسم أو صفة أو تأليف من غير اسم بمعنى أو صفة... ودلالة الأسماء والصفات متناهية، فأمّا دلالة التأليف فليس لها نهاية، ولهذا صحّ التحدِّي فيها بالمعارضة لتظهر المعجزة"(11). فالقرآن الكريم كلام مبين، تحدَّى به الله سبحانه وتعالى البشر في بيانه التأليفي، ولذلك وُصِف بالبيان في أعلى مراتبه.‏

وقد بيَّن هذه القضية أكثر الرماني حينما قرّر أنّ "حسن البيان في الكلام على مراتب، فأعلاها مرتبة ما جمع أسباب الحسن في العبارة من تعديل النظم حتى يحسن في السمع، ويسهل على اللسان، وتتقبّله النفس تقبّل البَرَد، وحتّى يأتي على مقدار الحاجة فيما هو حقّه من المرتبة"(12). فأدنى تأمّل لهذا التوضيح يقودنا إلى التأكيد على أنّ حسن البيان في الكلام مرتهن بمجموعة من الأسس وهي:‏

ـ الإجادة في تأليف العبارة والدقّة في نظم علاقات ألفاظها.‏
ـ التأثير في المتلقِّي؛ أي ما طربت لـه الأذن وانساقت لـه الأسماع.‏
ـ السهولة واليسر في المنطَق؛ أي ما نطقت به الألسنة نطقاً سهلاً واضحاً لا عيَّ فيه.‏
ـ استمالة عقول الآخرين؛ أي ما كان لـه وقع الأنفس، فاشتاقت لـه وهامت به.‏
ـ موافقته للحاجة المعبَّر عنها؛ أي ما جاء وافقاً للغاية التي لأجلها وُصف بهذه الصفة.‏

فالبيان مرتبط بخصوصيات تضبطه؛ أي خرق لها يؤدّي إلى ضياع هذه المزيّة. ولما كان القرآن الكريم قد توافرت فيه هذه المميزات وُصِف بأنّه في نهاية حسن البيان عن الحاجات. ومن صوّر ذلك قوله تعالى: (إنَّ المُتَّقينَ في مَقَامِ أَمينِ((13)، فهذا من أحسن الوعد والوعيد. وقال تعالى: (وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ العِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ. قُلْ يُحْيِيهَا الذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُو بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ((14)، فهذا البيان ـ كما يرى الرماني ـ أبلغ ما يكون من الحِجاج(15). فحسن البيان ووجهه ارتبط بالحِجاج في هذه الآية، ولكن قبل الكشف عن طبيعة البيان الحِجاجي وتداعياته من الضروري أن نعطي لمحة عامّة حول الحِجاج في الاستعمال اللغوي.‏

3 ـ حول مفهوم الحِجاج في الدرس اللغوي:‏
يعتبر البحث في "الحِجاج" من نتائج التحوُّل العميق الذي اكتنف الدرس البلاغي الحديث، وكان من إفرازاته أن تخلّت البلاغة عن نزعتها المعياريّة في فرض القواعد، لتهتم برصد الوقائع فقط. وقد كان من أهم أسبابه التغيّر الجذري الذي مسَّ البحوث اللسانيّة بوجه عام.‏

لقد كشف تجدّد الاهتمام بالدرس البلاغي في العصر الحديث عن طروحات علميّة مغايرة، أدّى إلى ظهور بلاغة جديدة. ويذكر "إيفانوكس" أنّ النجاح الحالي لها "قد اعتمد على العلاقة اللازمة بين البلاغة ودراسة وسائل الإقناع في مجتمع يتّجه يوماً بعد يوم نحو علوم التحريض والدعاية، فسيادة وسائل الإعلام في ثقافتنا تجعل من الخطابة بوصفها ممارسة إبداعيّة للإقناع، ومن البلاغة بوصفها تقنية ملائمة للإقناع أيضاً، نقطتي إحالة لابدّ منهما في لحظة سيستعيد فيها الشعب المستهلك السيادة على القديم...‏

وعلى أيّة حال فإنّنا نعيش لحظة استراتيجيّة الإقناع والتركيز على أدوات الحضور"(16). وقد أضحى "الحِجاج في رحاب هذا التحوّل مطلباً أساسياً في كلِّ عمليّة اتّصالية تستدعي الإفهام والإقناع. وانطلاقاً من الدور البالغ الذي أصبحت نظريّة الحِجاج تلعبه، أو من المفروض أن تلعبه، جعل "بريلمان Perelman" يعتبر أنّ البلاغة مطابقة لنظريّة الحِجاج؛ فقد حصر الأولى في الأخيرة(17).‏

وفي اللغة "حاججته أحاجُّه حجاجاً ومحاجَّة من حجَجْتُه بالحجج التي أدليت بها. والحجَّة البرهان، وقيل الحجّة ما دُوفع به الخصم. وقال الأزهري: الحجّة الوجه الذي يكون الظفر عند الخصومة، وجمع الحجّة حجج وحِجاج. وحاجّه محاجَّه وحِجاجاً نازعة الحجّة. وحجَّة يحجُّه حجّاً غلبه على حجَّتِه، وفي الحديث "فحجَّ آدم موسى"؛ أي غلبه بالحجَّة واحتجَّ بالشيء اتَّخذه حجَّة، قال الأزهري: إنّما سُمِّيت حجّة لأنَّها تُحَجّ؛ أي تقصد، لأنّ القصد لها وإليها"(18). وقال الجرجاني: "الحجّة ما دُلَّ به على صحّة الدعوى، وقيل الحجّة والدليل واحد"(19). فأساس الحِجاج الارتكاز على دليل معيّن قصد إثبات قضية من القضايا، وبالتالي بناء موقف ما.‏

ولعلّ أهم شيء تتأسّس عليه دلالة "الحِجاج" هو وجود اختلاف بين المرسل للرسالة اللغويّة والمتلقِّي لها، ومحاولة الأوّل إقناع الثاني بوجهة نظره، بتقديم الحجّة والدليل على ذلك. فالحِجاج انتهاج طريقة معيّنة في الاتِّصال، غايته استمالة عقول الآخرين والتأثير فيهم، وبالتالي إقناعهم بمقصد معيّن.‏

وهذا المفهوم هو الجوهر الذي ركّـزت عليه الخطابـة الجديـة؛ إذ "تُطـلق لفظة حِجاج ومحاججة Argumintation عند بيرلمان وتيتيكاه على العلم وموضوعه، ومؤدّاها درس تقنيات الخطاب التي تؤدِّي بالذهن إلى التسليم بما يعرض عليه من أطروحات، أو أن تزيد في درجة التسليم. وربّما كانت وظيفته محاولة جعل العقل يذعن لما يُطرح عليه من أفكار، أو يزيد في درجة ذلك الإذعان إلى درجة تبعث على العمل المطلوب.. وعلى صعيد آخر يمكن القول بأنّ الحِجاج في ارتباطه بالمتلقِّي يؤدِّي إلى حصول عمل ما أو الإعداد له، ومن ثم سيكون فحص الخطابات الحجاجيّة المختلفة بحثاً في صميم الأفعال الكلامية وأغراضها السياقيّة، وعلاقة الترابط بين الأقوال، والتي تنتمي إلى البنية اللغويّة الحِجاجيّة"(20)، فوظيفة الحِجاج ترتدّ إلى طرح الحجج التي تضمن النفاذيّة للخطاب اللغوي، وبالتالي حصول الاقتناع الفعلي بالقضية المطروحة. وهذا يعني توظيف الآليات التي تجتاز الاعتقاد الأوّلي نحو التغيير، وبناء الموقف المغاير.‏

وإذا كان الحِجاج يرتبط في أساسه بما تستدعيه أساليب إجراء اللغة، فإنّه من الضروري أن نشير إلى أنّ هذا الأمر لا يتوقَّف عند هذا الحدِّ؛ بل يأخذ بعين الاعتبار ما تقتضيه نوعيّة الخطاب من جهة، ومستلزمات المتلقي من جهة أخرى. فالغاية التي يتأسَّس عليها هي مجابهة العقول وإقناعها بالطرح المقدَّم، ولذا "فليس الحِجاج في النهاية سوى دراسة لطبيعة العقول، ثم اختيار أحسن السبل لمحاورتها، والإصغاء إليها ثم محاولة حيازة انسجامها الإيجابي والتحامها مع الطرح المقدّم. فإذا لم توضع هذه الأمور النفسيّة والاجتماعيّة في الحسبان فإنّ الحِجاج يكون بلا غاية وبلا تأثير"(21). لندرك أنّ نظرية الحِجاج تتجاذبها جوانب مختلفة، لا تتعلّق باللغة فحسب؛ بل ترتبط أيضاً بالجانب النفسي والاجتماعي والثقافي، وغيره من المستلزمات التي تؤطّر وتسهم في إنتاج الخطاب اللغوي الحجاجي.‏

4 ـ حول البيان الحِجاجي في الاستعمال اللغوي:‏
بعد تقديم مفهومي "البيان" و"الحِجاج" في الدرس اللغوي نستطيع الآن أن نعرِّف البيان الحِجاجي ونقول إنَّه الكشف والإيضاح عن المعنى المقصود بتوظيف الحجّة التي تتمكَّن من النفوس والعقول معاً. والهدف ههنا ليس الفهم والإفهام فحسب؛ بل إنّ الأمر يتعلَّق بالتأثير والإقناع بالطرح المقدَّم؛ لأنّ مجال الحِجاج كما ذكرنا من قبل هو شبه الحقيقي أو المحتمل أو المشكوك فيه، فهو قائم على طروحات مقبولة، إلاّ أنّ البعض منها يبقى مبنياً على الاحتمال. ومنه يتجلَّى الفرق بين الحِجاج والبرهان باعتبار أنّ هذا الأخير مجاله البديهي لدى الناس؛ فهو ينطلق من اتِّساقات صحيحة وبديهيّة، أمّا الحِجاج فيرتبط بما هو متعدِّد الدلالة؛ أي الجدير بالظنِّ المعقول والمقبول.‏

بيّنا أنّ البيان قد يكون في اللفظ أو المعنى أو التأليف، غير أنّ طبيعة هذا الأخير تستدعي ضرورة رصد العلاقات التركيبيّة وفق ما يقتضيه النظام اللغوي من جهة، وما يمليه السيّاق المحدّد الذي ترد فيه من جهة أخرى. وقد عبّر لغويّونا القدامى عن ذلك بمقولة دقيقة وهي "لكلِّ مقام مقال ولكلِّ كلمة مع صاحبتها مقام"، فأضحى البيان في تأليف الكلام ضمن هذا الطرح مرتهناً بمقتضى الحال، فـ "إذا كان مقتضى الحال إطلاق الحكم فحسن الكلام تحليه بشيء من ذلك، بحسب المقتضى ضعفاً وقوّة، وإن كان مقتضى الحال طي ذكر المسند إليه فحسن الكلام تركه، وإن كان المقتضى إثباته على وجه من الوجوه المذكورة، فحسن الكلام وروده على الاعتبار المناسب، وكذا إذا كان المتقضى ترك المسند فحسن الكلام وروده عارياً عن ذكره، وإن كان المقتضى إثباته مخصصاً بشيء من التخصيصات، فحسن الكلام نظمه على الوجوه المناسبة من الاعتبارات المقدّم ذكرها، وكذا إن كان المقتضي عند انتظام الجملة مع أخرى فصلها أو وصلها والإيجاز معها أو الإطناب، أعني طيّها عن البين ولا طيّها، فسن الكلام تأليفه مطابقاً لذلك"(22).‏

يتَّضح في رحاب هذا التوضيح أنّ الصياغة اللغويّة ترتبط بالسياقات التي ترد فيها، وذلك بذكرنا عناصر معينة أو حذفها، ويكون لها أهميّة بالغة في الإبلاغ، كما نلاحظ أنّ طبيعة التأليف إيجازاً أو إطناباً أو تجريداً أو تأكيداً تتأثّر بحسب المقام الذي ترد فيه. فمستويات التعبير تتنوّع بتنوّع الأحوال والمقامات، يقول السكاكي: "لا يخفى عليك أنّ مقامات الكلام متفاوتة؛ فمقام التشكّر يباين مقام الشكاية، ومقام الترغيب يباين مقام الترهيب، ومقام الجدّ في جميع ذلك يباين مقام الهزل، وكذا مقام الكلام ابتداء يغاير مقام الكلام بناء على الاستخبار أو الإنكار..."(23). فلو ركّزنا على هذا القول فإنّنا سندرك أنّ أشكال الاستعمال اللغوي في مختلف العلاقات الاتّصالية تتنوَّع بحسب مقتضيات الاتِّصال اللغوي، ولو تأمَّلنا أكثر العبارة الأخيرة واستحضرنا مقولة الحجاج الذي يتأسّس على الإنكار أو الشكّ فإنّنا نلاحظ أنّ البيان الحِجاجي يرتبط في أساسه بمستلزمات خاصة تستدعي التركيز عليها من أجل تحقيق التصديق والإقناع بالطرح المقدّم.‏

وذكر أرسطو أنّ هناك ثلاثة أنواع من التصديقات التي قد يلجأ إليها المتكلِّم من أجل الإقناع، يقول: "فأمّا التصديقات التي نحتال لها بالكلام فإنّها أنواع ثلاثة؛ فمنها ما يكون بكيفية المتكلّم وسمته، ومنها ما يكون بتهيئة للسامع واستدراجه نحو الأمر، ومنها ما يكون بالكلام نفسه قبل التثبيت"(24). لنرى أنّ الحجاج في الاستعمال اللغوي يرتهن بمجموعة من المعطيات؛ منها ما يرتبط بالمتكلِّم، ومنها ما يتعلَّق بالمتلقِّي، ومنها ما يبقى على صلة بالرسالة اللغويّة نفسها.‏

فممّا يخصّ المتكلِّم فإنّه يجب عليه التحكّم في الموضوع الذي يقدِّمه، وأن يوفِّيه حقّه مما تستدعيه الصياغة اللغويّة. وفي رحاب هذا التصوّر حذّر "بيرلمان" من خطأي الإفراط والتفريط، أو المبالغة أو الإهمال فيما يخص المسائل موضع النقاش والتحليل؛ أي "على المتكلِّم تقديم تصوّره في المساحة الملائمة له، ثم منحه القدر المناسب من الحجج التي لا يشكل إيرادها لدعم الموضوع مفارقة أو نشازاً؛ لأنّ تهويل الموضوع ومنحه مساحة أكبر من حجمه، ثم التوسّل بعد ذلك بجلّ الأطر المعرفيّة السائدة في بيئة معيّنة من أجل دعمه وإثباته هو أمر باعث على السخرية ومؤدٍّ لتهافت الحِجاج. وبالمقابل فإنّ عرض الفرضيات والتحليلات في الهامش أو أي الظلّ، وعدم الانتباه إلى أهميّتها في مقام الإلقاء هو بدوره دليل على عدم خبرة المتكلّم وتشوّش أفكاره، وهي كلّها أمور يدركها جلّ المعنيين بالخطاب، كما تدركها بوجه أفضل الأطراف المعارضة للخطاب؛ بل قد تعمد هذه الأطراف إلى التقاط تلك الهفوات وتوظيفها وإثرائها بما ترى أن المقام يستدعيه"(25).‏

أما فيما يتعلّق بالمخاطب؛ أي متلقِّي الرسالة الإبلاغيّة ذات الحكم المعيّن فإنّه يستدعي مراعاته في الحِجاج. وقد أشار لغويُّونا إلى أنّ المخاطبين الذين يُلقى إليهم الخبر يصنّفون إلى ثلاث أصناف:‏

1. مخاطب خالي الذهن.‏
2. مخاطب شاكّ متردّد.‏
3. مخاطب جاحد منكر(26).‏

والبيان الحِجاجي في إطار هذا التوضيح يرتبط بالصنفين الأخيرين، باعتبار أنّ الكلام معهما يستدعي توظيف تقنيات الحِجاج التي تدفع الشكّ أو الجحود أو التردّد لدى المتلقين.‏

أمّا فيما يخص البيان الحجاجي المرتبط بالرسالة اللغويّة فيتعلّق بالآليات اللغويّة التي قد يوظِّفها المخاطب في الكلام من أجل تحقيق الغاية من الحكم المبسوط فيه تصديقاً أو تكذيباً، إنكاراً أو إقراراً، أو غير ذلك. وقد وضَّح ذلك السكاكي أكثر في باب "الإسناد الخبري" حيث قال: "أما الاعتبار الراجع إلى الحكم في التركيب من حيث هو حكم من غير التعرض لكونه لغويّاً أو عقليّاً فإنّ ذلك وظيفة بيانيّة، فككون التركيب تارة غير مكرر ومجرّداً من لام الابتداء وإن المشبّهة والقسم ولامه ونوني التوكيد كنحو "عرفت عرفت"، و"لزيد عارف"، و"إنّ زيداً عارف"، و"إنّ زيداً لعارف" و"والله لقد عرفت أو لأعرفنّ" في الإثبات وفي النفي كون التركيب غير مكرر ومقصوراً على كلمة النفي مرّة، كنحو "ليس زيد منطلقاً"، وغير مقصور على كلمة النفي كنحو "ليس زيد بمنطلق"، و"ما إن يقوم زيد"، و"والله ما زيد قائماً"، فهذه ترجع إلى نفس الإسناد الخبري"(27).‏

وضمن هذا التوضيح نشير إلى أنّ الحكم المبسوط في الاستعمال اللغوي يرتبط تجريداً أو تأكيداً بحسب ما تقتضيه الأصناف الثلاثة التي أشرنا إليها من قبل، وطالما أنّ البيان الحِجاجي يستدعي "التأثير"، والذي يعتبر اللغة من المنظور الحديث فعلاً وحِجاجاً، وليست نقلاً للمعلومات وإخباراً عنها(28)، فإنّه من الضروري توظيف الآليات اللغويّة التي تحقّق ذلك، وهو الجوهر الذي تبحث فيه "نظريّة الحِجاج اللغويّة".‏

وقد يكون من المفيد في إطار هذا التوضيح استلهام نموذج "ديكرو O.Dicrot"، وبالخصوص ورد في كتاب "السلميّات الحجاجيّة"، والذي استعرض فيه مبادئ نظريّة الحِجاج اللغويّة ومنطلقاتها، كما قدّم فيه قواعد السلّم الحجاجي. و"ينبغي الإشارة في هذا الإطار إلى أنّ الظواهر الحِجاجيّة اللغويّة التي تم التركيز عليها، واسترعت اهتمام "ديكرو Dicrot" هي الروابط الحجاجيّة النحويّة؛ مثل الواو، الفاء، ثم، والروابط التداوليّة الحجاجيّة؛ نحو بل، لكن، حتى، لاسيّما، فمثلاً إذا كان الواو داخل نصّ ما يحقِّق الانسجام النحوي، فإن "لكن" يحقِّق الانسجام التداولي والحِجاجي. كما أنّ الدليل الذي يرد بعد "لكن" يكون أقوى من الدليل الذي يرد قبلها، وتكون لـه الغلبة بحيث يتمكّن من توجيه القول بمجمله"(29). فلعلّ أهم شيء يمكن ملاحظته من هذا التوضيح هو ارتهان الحِجاج اللغوي بروابط حجاجيّة في التركيب اللغوي، تسهم في ضبط العلاقات التي يمكن ملاحظاتها بين الحجّة والنتيجة.‏

وقد ذكر "ديكرو Dicrot" أيضاً أنّ قواعد السلم الحِجاجي تنبنى على مفهوم السلّم الحجاجي وقوانينه. و"تعريف "السلّم" بأنّه مجموعة غير فارغة من الأقوال مزوّدة بعلاقة ترتيبيّة ومستوفيّة للشرطين التاليين:‏

ـ أنّ كلّ قول يقع في مرتبة ما من السلّم يلزم عنه ما يقع تحته، بحيث تلزم عن القول الموجود في الطرف الأعلى جميع الأقوال الأخرى.‏

ـ وأنّ كل قول في السلّم كان دليلاً على مدلول معيّن كان ما يعلوه مرتبة دليلاً أقوى"(30). وضمن هذا الطرح نلاحظ أنّ قواعد السلّم الحجاجي تهدف في أساسها إلى تأكيد نتيجة معيّنة، تسبقها معطيات أو بالأحرى مقدَّمات، تسهم بطريقة مضبوطة في التقديم في تحقيق القضّية المطروحة أو دحضها.‏

5 ـ البيان الحجاجي في القرآن الكريم:‏
قبل المضي في تناول البيان الحجاجي في القرآن الكريم من الضروري أن نرتكز على المعطيات الأساسيّة التي يتأسّس عليها الخطاب القرآني، والتي جعلته خطاباً حِجاجيّاً بدرجة أولى؛ لأنّه كما قلنا جاء ليبسط للعالمين عقيدة عالميّة، تقتضي بتوظيف الآليات الحجاجيّة التي تحتوي العقل الإنساني وتقنعه، وهذه المعطيات هي:‏

أ ـ الخطاب القرآني يسعى إلى "الإقناع"، وفي رحاب هذا الطرح فإنّه يأخذ بعين الاعتبار في كلّ القضايا المعطاة كلّ ما يمكن أن يعتقده المتلقِّي منذ البداية. ولذا فإنّه إذا ما حاولنا الغوص في آيات القرآن الكريم وآلياته التعبيريّة وأساليبه البلاغيّة وطروحاته المنطقيّة من قياس وبرهان وتمثيل فإنّنا نبحث في آليات الإقناع المنتهجة فيه.‏

ب ـ القرآن الكريم هو خطاب موجَّه إلى مخاطب كوني؛ أي أنَّه لا يتوسّل متلقِّياً معيّناً في زمان أو مكان مخصوصين؛ وإنما هو خطاب موجّه إلى البشريّة جمعاء، فهو غير مقيّد بزمان أو مكان، قال تعالى: (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَميعاً الذِي لـه مُلْكُ السَّماوَاتِ والأرضِ((31)، فالرسول ـ ( ـ بُعث إلى كافة الناس.‏

ولذا فالقرآن الكريم يسعى إلى جعل العقيدة المبسوطة فيه إلى ديّانة عامّة غير مقيَّدة، وهنا نشير إلى أنّ "المخاطب المتخيّل هو دائماً بالنسبة لمن يحاجج عبارة عن بنية ممنهجة نوعاً ما؛ أي أنّه يؤطِّر القول ويجعله ملائماً لظروفه الواردة فيها، والمتكلَّم البارع هو الذي يستحوذ حذقاً وطواعيّة على مدارك المعنيين بخطابه أو بنصِّه طيلة فترة الاستماع في حالة الإلقاء، أو النظر التحليلي حالة القراءة"(32). والقرآن الكريم في إطار هذا الطرح استطاع أن يؤثِّر على النفوس، ويستميل العقول من أجل التدبِّر في آياته ومعجزاته من أجل الاقتناع بمقاصده.‏

جـ. كونية الخطاب القرآني جعلته يقوم على توظيف أساليب متنوعة في التبليغ، لا تتأسّس على الفهم والإفهام فحسب؛ بل تقوم أيضاً على التأثير واستمالة الآخرين، واستنفارهم بغية استنهاض ملكتهم وجعلهم ينخرطون في الحركة الفكرية الموجودة في الخطاب القرآني. وهذا ما يجعل النص القرآني يفترض في طرحه للقضايا الدينية وجود متلقٍّ فعلي أو مفترض، يستدعي مجاجته وإقناعه. فالقرآن الكريم قد استحضر في إنجازه كل الاعتراضات التي يمكن أن تدور في خلد المتلقِّي الفعلي أو المفترض، ولهذا بسط كلّ ما يأخذ بذلك.‏

6 ـ نماذج الأنبياء من السور المكيّة الأوائل التي نزلت على محمد صلى الله عليه وسلم .‏
فهي تشاركهنّ في أنّها تركز على الموضوعات المتَّصلة بالعقيدة ووحدانية الخالق عزّ وجلّ. ولكن ما يميَّز هذه السورة أنّها أبرزت كلمة التوحيد التي نزل بها القرآن الكريم كما أوردها دعاتها من الأنبياء والمرسلين السابقين، فقد نزلت لتثبِّت عقيدة التوحيد بالحجج والأدلّة، وكلّها تتّصل بعظمة الله تبارك وتعالى وقدرته.‏

وقد بيَّنا من قبل أنّ الغاية التي يقوم عليها الحجاج هي تحقيق الاقتناع بالرأي أو بالدعوى المقدَّمة، بالاعتماد على الحجّة والدليل على ذلك. ويجب أن نشير في رحاب هذا التوضيح إلى أنّ الدعوى التي تأسّست عليها سورة الأنبياء هي أنّ النبي ( بشر، وهذا ما ذُكِر في غير مرّة من هذه السورة؛ منها قوله تعالى: (هَلْ هَذَا إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُم((33)، وقوله عزّ وجلّ: (وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إلاَّ رِجَالاً يُوحَى إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ. وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَداً لاَ يَأْكُلُونَ الطَعامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ((34)، وقوله جلّ جلاله: (وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الخُلْدَ أَفَأِنْ مِتَّ فَهُمُ الخَالِدُونَ((35). وقد جاء الرسول ( كباقي أنبياء المرسلين ليثبِّت عقيدة التوحيد، قال تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسولٍ إِلاَّ يُوحَى إِلَيْهِ أَنَّهُ لاَ إِلاَهَ إلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ((36). والغاية ههنا جعل الناس أمّة واحدة، تعبد خالقها الواحد الأحد، قال تعالى: (إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمُ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ((37).‏

أمّا دعوى المشركين فقد قامت على تكذيب الرسول ( وآيات الذكر الحكيم، قال تعالى: (بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ بَلْ اِفْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآَيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الأَوَّلُونَ((38)، ليتجلّى من خلال هذه الآية اضطرابهم وحيرتهم وعدم ثبوتهم على حجّة معيّنة. وهذا ما جعل الله تعالى يدعوهم في هذه السورة إلى أن يأتوا بدليلهم قال تعالى: (قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعي وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ الحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُون((39).‏

وقد وُظِّف في سورة الأنبياء من الحِجاج ما يخدم الدعوى الأولى (أ)؛ دعوى التوحيد، ومنه ما يتعلّق بالدعوى الثانية (ب)؛ دعوى الشرك. وقبل تقديم نماذج عن ذلك يجب أن نتناول البناء العام للسورة، حيث بُنيت على الشكل الآتي:‏

ـ من الآية الأولى إلى الآية السابعة والأربعين، طرح لآيات القرآن الكريم الذي نزل على سيِّد البشريّة محمد ـ ( ـ وتأكيد على عظمة الله تعالى ووحدانيته.‏

ـ من الآية السادسة والثلاثين إلى الآية الواحدة والتسعين عرض للأنبياء والمرسلين الذين شرَّفهم الله سبحانه وتعالى بتبليغ الناس وحملهم على كلمة التوحيد، بدءاً بخاتمهم سيِّدنا محمد ـ ( ـ ثم ذكر الله سبحانه وتعالى من سبقه إلى هذه الدعوى؛ أمثال موسى وهارون وإبراهيم ونوح وداود وسليمان عليهم السلام وغيرهم، ليبيِّن الله عزّ وجلّ ههنا أنّ الرسل الذين سبقوا النبي ( قد اُسْتهزِئَ بهم أيضاً وهم يدعون إلى عبادة الرحمن، كما استهزأَ الكفار بمحمد ـ ( ، قال تعالى: (وَلَقَدْ اُسْتُهْزِئَ بِرُسِلٍ مِنً قَبْلبِكَ فَحَاقَ بِالذِينَ سَخِرُوا مِنْهُم مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤون((40).‏

ولعلّ أهم سمة لاحظناها من خلال عرض أحداث الأنبياء والمرسلين في هذه السورة هو حاجتهم إلى الخالق ربّ العالمين، وعناية الله عزّ وجلّ بهم، ومدِّهم بمعجزات وسمات معيّنة. ومما يدّل على ذلك أنّ هذه الآيات اُسْتُهِلَّت بـ "آيتنا"؛ وهي من المفاعلة، أي جئنا وأعطينا.‏

ـ من الآية الثانية والتسعين إلى الأخير عودة إلى كلمة التوحيد، مع بيان أنّ الخطاب موجّه للنّاس كافّة، والتأكيد على يوم القيامة؛ يوم الحساب والعقاب، وأنّ النبي محمد ( جاء رحمة للعالمين، يدعو إلى ما فيه الخير للناس أجمعين.‏

ومن خلال بيان الهيكل العام للسورة نلاحظ ذلك الانسجام والتناسق بين مقاطعها؛ فالمقطع الأوّل كان حول موضوع "التوحيد"، ليأتي المقطع الثاني عرضاً للأنبياء والمرسلين الذين دعوا إليها، لينتهي الأمر في المقطع الثالث إليها، حيث جاء النبي ( ليهدي النّاس كافّة إلى عبادة الخالق عزّ وجلّ.‏

ونستطيع الآن أن نقدِّم نماذج عن البيان الحِجاجي في هذه السورة، ولنركِّز على الخصوص على ما يلي:‏

أ ـ البيان الحجاجي بالاستفهام:‏
الاستفهام هو طلب المعرفة حول شيء معيّن، وله دور كبير في العمليّة الحجاجيّة، "نظراً لما يعمله من جلب القارئ أو المستمع في عمليّة الاستدلال، بحيث إنّه يشركه بحكم قوّة الاستفهام وخصائصه، فهو أسلوب إنشائي. وهذه الأمور أيضاً هي من سمات الاستفهام البلاغي في القرآن الكريم بحيث إنّه يخدم مقاصد الخطاب ويلعب دوراً أساسيّاً في الإقناع بالحجة"(41). فللاستفهام بنية حجاجيّة تقوم على طرح القضية المخصوصة، ثمّ تقديم ما يشرحها ويعلّلها. وقد وُظِّف في سورة الأنبياء في واحد وعشرين موضعاً، معظمه تمَّ بالأداة "الهمزة"، قد نمثِّل لهذا الصنف بالاستفهام الذي ورد في قصّة سيِّدنا إبراهيم (، والذي يدور في جوهره حول القضّية الأساسيّة التي تتمحور حولها السورة؛ وهي قضية "التوحيد"؛ فهي تقتضي البيان وقرع الحجّة على ذلك. نوضِّح ذلك أكثر من خلال ما يلي:‏

ـ قال تعالى: ( إِذْ قَالَ لأَبيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَمَاثِيلُ التي أَنْتُمْ لَهَا عَابِدِينَ((42)؟ فالمفروض ههنا أن تأتي الإجابة عن هذا السؤال بما يؤثِّر على النفوس وتطمئنُّ لـه العقول، لكّنها كانت غير ذلك، قال تعالى: (قَالُوا وَجَدْنَا آباءَنَا لَهَا عَابِدينَ((43)؛ إذ نلاحظ غياب العقل في هذه الحجة، فعبادة الأصنام لديهم كانت مجرّد تقليد للآباء والأجداد؛ و"ما أقبح التقليد والقول المتقبّل بغير برهان، وما أعظم كيد الشيطان للمقلّدين حين استدرجهم إلى أن قلّدوا آباءهم في عبادة التماثيل"(44). ولذلك ردّ عليهم إبراهيم ( هذه فقال: (لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وآبَاؤُكُمْ في ضَلاَلٍ مُبِينْ((45)، ولكنّ قوم إبراهيم ( لم يكترثوا بهذا الردِّ؛ بل راحوا يمزجون هذا الموقف بالجدّ والهزل فقالوا: (أَجِئْتَنَا بِالحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللاَّعِبينَ((46)؟ لتأتي الإجابة بعدها مقترنة بـ "بل"، وهي من الروابط الحجاجيّة التداوليّة التي تفيد الإضراب الإبطالي؛ أي نفي الحكم السابق عليها وإثبات ما بعدها. لذلك قدّم إبراهيم ( بعدها الحجّة الدامغة التي تبطل دعواهم، باعتبار أنّه قد "بادرهم أوّلاً بالقول المنبِّه على دلالة العقل، فلم ينتفعوا بالقول فانتقل إلى القول الدالِّ على الفعل الذي مآله إلى الدلالة التامّة على عدم الفائدة في عبارة ما يتسلّط عليه بالكسر والتقطيع..."(47). ولهذا ورد على لسانه في قوله تعالى: (قَالَ رَبُّكُمْ رَبُّ السَمَوَاتِ والأَرْضِ الذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ((48).‏

ولكي يبطل دعواهم أكثر عمد إبراهيم ( إلى محاججتهم بطريقة علمية أكثر إثارة لهم؛ إذ قام بتكسير الأصنام بكاملها، وترك كبيرها شاهداً على ضلالهم، لذلك قالوا: (أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ((49)؟ فأجاب إبراهيم ( بما سيكون دليله الأقوى عليهم، فقال بالاعتماد دائماً على رابط حجاجي تداولي وهو الأداة "بل": (بَلْ فَعَلَهُ كَبيرُهُمْ هَذَا فاسْأَلوهُ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُون((50). يقول الزمخشري: "هذا من معاريض الكلام ولطائف هذا النوع، لا يتغلغل فيها إلاَّ أذهان الراضّة من علماء المعاني، والقول فيه أن قصد إبراهيم صلوات الله عليه لم يكن إلى أن نسيب الفعل الصادر عنه إلى الصنم، وإنّما قصد تقريره لنفسه وإثباته لها على أسلوب تعريفي يبلِّغ فيه غرضه من إلزامهم الحجّة وتكبيتهم. وهذا كما لو قال لك صاحبك وقد كتبت كتاباً بخط رشيق وأنت شهير بحسن الخط أأنت كتبت هذا؟ وصاحبك أمِّيٌ لا يحسن الخط ولا يقدر إلاَّ على خرمشة فاسدة، فقلت لـه بل كتبته أنت، كأنّ قصدك بهذا الجواب تقريره لك مع الاستهزاء به، لا نفيه عنك وإثباته للأمي أو المخرمش"(51).‏

فإبراهيم ( من خلال الآية المذكورة يدعو قومه في استهزاء وسخريّة إلى سؤال آلهتهم عمن فعل بهم هذا، لكّنهم يجيبون بما هو تأكيد وإقرار للحجّة التي قدّمها إبراهيم ( فقالوا: (لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلاَءِ يَنْطِقُونَ((52). ليتساءل إبراهيم ( في حضرتهم كيف أنّهم يعبدون ما لا ينفعهم أو يضرّهم، ويدعوهم في الوقت نفسه إلى التعقّل، قال تعالى: (قَالَ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ مَا لاَ يَنْفَعُكُمْ شَيْئاً وَلاَ يَضُرُّكُمُ. أُفٍّ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ((53).‏

ولكن نجد قومه يتجاوزون هذه الحجج ويتعنتون ويعاقبون إبراهيم ( بأشدِّ العقوبات، بإلقائه في النَّار، لتظهر بعد ذلك قدرة الله تعالى التي هي آية أخرى على عظمته وقوّته. ولكنّ قومه بقوا على كفرهم متعنِّتين.‏

ومعظم الأساليب الاستفهاميّة التي وَظِّفت في سورة الأنبياء كانت عبارة عن استفهام إنكاري وتوبيخي؛ أي إنكار فعل المخاطبين وتوبيخهم على موقفهم المتناقض مع الحقيقة المتداولة لديهم، ومع العقل، نوضِّح ذلك أكثر من خلال النماذج الآتية:‏

ـ قال تعالى: (أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ((54)؟‏
ـ قال تعالى: (مَا آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَفَهُمْ يُؤمنُون((55)؟‏
ـ قال تعالى: (لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابَاً فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلاَ تَعْقِلُون((56)؟‏
ـ قال تعالى: (أَوَلَمْ يَرَ الذينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رِتْقَاً فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنِ المَاءِ كُلَّ شَيءٍ حَيٍّ أَفَلاَ يُؤْمَنُونَ((57)؟‏
ـ قال عزّ وجلّ: (وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَر مَنْ قَبْلِكَ الخُلْدَ أَفَأِنْ مِتَّ فَهُمُ الخَالدُونَ((58)؟‏
ـ قال جلّ شأنه: (أَفَلاَ يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِ الأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا أَفَهُمْ الغَالِبُونَ((59)؟‏
ـ قال تعالى: (وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ أَفَأَنْتُمْ لـه مُنْكِرُون((60)؟‏

فكل آية من هذه الآيات تمثِّل بنية حِجاجّية لقضيّة معيّنة، فالآية الأولى حجّة على هؤلاء الذين يتّهمون محمد ( بالسِّحر، ولكّنهم يأتونه ويستمعون إليه! والنتيجة التي يمكن استنباطها من خلال هذه الحجّة هي أنّهم يعلمون أنّ القرآن الكريم ليس سحراً، وأنّ الرسول ( أبعد الناس عنه.‏

أمّا الآية الثانية فقد جاءت في سياق طلب المشركين لمعجزة، مثلما أُوتي به المرسلون السابقون من المعجزات. وهو بيان حجاجي يُصوِّر فيه الله سبحانه وتعالى عناد المشركين وكفرهم، حتى ولو أعطاهم عزّ وجلّ ما يقترحون لن يؤمنوا، والحجّة تتعلّق بالأمم السابقة التي مُنحت ما أرادت ولكّنها لم تؤمن. والنتيجة ههنا أنّه حتّى ولو أُعطي الكفّار ما أرادوا فإنّهم لن يؤمنوا، ولكن من رحمته عزّ وجلّ "أنّه منع عنهم ما اقترحوا من معجزات حتّى لا يُهلكهم كما أهلك الأمم المكذّبة قبلهم، ولو أرادوا الإيمان لاكتفوا بالمعجزات التي أيّد بها رسول الله ( ابتداءً، وأوضحها دلالة القرآن الكريم"(61). فالبنية الحجاجيّة ارتبطت ههنا بالتمثيل بالأمم السابقة التي كان لها ما أرادت من المعجزات ولكّنها لم تؤمن فهلكت.‏

والآية الثالثة عبارة عن استفهام إنكاري توبيخي أيضاً، يدعو الله عزّ وجلّ من خلاله الكفّار إلى التعقّل والتأمّل في موقفهم المعارض للنبي (؛ أي أنّ هذا الكتاب فيه شرفكم وصيتكم، أو موعظتكم، أو فيه مكارم الأخلاق التي كنتم تطلبون بها الثناء، أو حسن الذكر كحسن الجوار والوفاء بالعهد وصدق الحديث وأداء الأمانة والسَّخاء وما أشبه ذلك(62)، ثمّ قال تعالى: (أَفَلاَ تَعْقِلُون(، وهي دعوة صريحة إلى إعادة النظر والتدبّر أكثر.‏

ب ـ البيان الحجاجي بالحصر:‏
اُعتُمدت البنية الحجاجية القائمة على الحصر في سورة الأنبياء، نوضِّح ذلك من خلال الآيات التي تُؤكّد على القضيّة الجوهرية التي قام عليها القرآن الكريم بعامّة، وهذه السورة بخاصّة، وهي قضيّة التوحيد، منها قوله جلّ شأنه: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إلاَّ يُوحَى إِلَيْهِ أَنَّهُ لاَ إلاَهَ إلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ((63)، وقوله تعالى: (قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ إِنَّمَا إِلاَهُكُمُ إِلاَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ((64)؟‏

فالحصر ضمن هذا البيان الحجاجي يؤكِّد أنّ كلّ الرسالات الإلهيّة وكل الأنبياء والمرسلين بُعثوا ليدعوا إلى عبادة الله تعالى الواحد الأحد.‏

ج ـ البيان الحجاجي بالشرط:‏
يقوم الشرط في العربية على أمرين الشرط وجوابه، وقد تكرّر كثيراً في سورة الأنبياء، ومن ذلك:‏

ـ قال تعالى: (لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً لاَتَّخَذْنَاهُ مِنْ لََدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلينَ((65).‏
ـ قال جلّ شأنه: (لَوْ كَانَ فيهِمَا آلَهةٌ إلاَّ اللهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللهِ رَبِّ العَرْشِ عَمَّا‏ يَصِفُونَ((66).‏
ـ قال تبارك وتعالى: (وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذَابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالمِينَ((67).‏
ـ قال تعالى: (فَمَنْ يَعْمَلُ مِنَ الصَّالحَاتِ وَهُوَ مُؤمِنٌ فَلاَ كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإنَّا لـه كّاتِبُونَ((68)‏
ـ قال جلّ شأنه: (لَوْ كَانَ هَؤُلاَءِ آَلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيها خَالِدُونَ((69).‏

فكل آية من هذه الآيات تُمثِّل بنية حِجاجيّة مبنية على قضية وما يمكن أن ينتج عنها، تمثِّل في أساسها حجّة بليغة. فالآية الأولى تطرح الحجّة على الكافرين وهي أنّ الله تعالى مُنَزَّه عن اللعب والهزل واللهو؛ لأنَّه لو أراد أن يتَّخذ ذلك لاتَّخذه، لكّنه سارع إلى نفي ذلك، فقال جلّ جلاله: (إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ(؛ أي "ما كُنَّا فاعلين"، لأنّ "إن" ههنا تفيد الإنْكار(70).‏

أما الآية الثانية فتمثِّل الدليل العقلي على وحدانية الله تعالى، قال الرماني: "وهذا أبلغ ما يكون في الحجاج، وهو الأصل الذي عليه الاعتماد في صحّة التوحيد؛ لأنّه لو كان إلاه أخر لبطل الخلق بالتمانع بوجودهما دون أفعالهما"(71). فلو قُدِّر إلهان فإما أن يتَّفقا أو يختلفا، فإن اتَّفقا على الشيء المعيّن فهو مقدور لهما، ومراد لهما، فيلزم وقوعه بهما وهو محال. وإن اختلفا فإما أن يقع المرادان أو لا يقع واحد منهما؛ أو يقع أحدهما دون الآخر والكلّ محال. فاتَّضح من كلّ أنّ الفساد لازم على كل التقديرات(72). فلو تعدّدت الآلهة لما وقع الاتِّفاق؛ بل سيعمّ الفساد، وهذا ما أثبته الله تعالى في القرآن الكريم، قال جلّ شأنه: (مَا اتَّخَذَ اللهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلاَهٍ إِذاً لَذَهَبَ كلُّ إِلاَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللهِ عَمَّا يَصِفُون((73)، وقال أيضاً: (قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آَلِهَةٌ كَمَا تَقُولُونَ إِذَاً لاَبْتَغَوْا إِلَى ذِي العَرْشِ سَبِيلاً. سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوّاً كَبِيراً((74)، فالله سبحانه وتعالى منزّه عمّا يقولون، فهو الواحد الأحد المنزّه عن الشريك والولد.‏

خاتمة:‏
بعد هذا العرض نلاحظ أنّ أهمّ شيء يقوم عليه البيان الحجاجي هو تقديم الطروحات التي تدعو العقول إلى التدبّر الموضوعي والواعي في القضايا المقدّمة، بغية بناء الرأي المعقول. فهو يمثِّل قوّة تدفع المخاطب إلى التفكير والتأمّل من أجل الحصول على الإقرار بحقيقة معيّنة، يتم ذلك بوساطة أدلّة مخصوصة.‏

كما اتَّضح من خلال النماذج التي بسطناها حول البيان الحجاجي في سورة الأنبياء أنّ هذه الأخيرة تقوم على موضوع أساسي وجوهري يتعلّق بـ "التوحيد" الذي بُعث من أجله كلّ الأنبياء والمرسلين السابقين. وقد جاء النبي محمد ( ليكون خاتمهم، يدعو الناس إلى عبادة الله تعالى ليتّحدوا أمّة واحدة تعبد الواحد الأحد. لذلك ظلّت أنماط البنى الحجاجيّة في آياتها مرتبطة بهذه القضيّة.‏


المصادر والمراجع المعتمدة:‏
* القرآن الكريم، برواية ورش لقراءة الإمام نافع.‏
ـ البحر المحيط، أبو حيان، بيروت، دار الفكر، طبعة جديدة بعناية الشيخ زهير جعيد، 1992.‏
ـ البيان والتبيين، الجاحظ، تحقيق عبد السلام هارون، ط 3/1968.‏
ـ التعريفات، الجرجاني، تحقيق إبراهيم الأبياري، دار الريان للتراث (د، ت).‏
ـ تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، قدّم لـه عبد القادر الأرناؤوط، دمشق، دار الفيحاء، والرياض، دار السلام، ط1/1994.‏
ـ التفسير الكبير، الفخر الرازي، بيروت، دار إحياء التراث العربي، ط 3 (د.ت).‏
ـ الخطابة، أرسطو، تحقيق عبد الرحمن بدوي، وزارة الثقافة والإرشاد القومي، 1959‏ ـ في بلاغة الخطاب الإقناعي، محمد العمري، الدار البيضاء، أفريقيا الشرق، ط 2/ 2002.‏
ـ الكشّاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل، الزمخشري، بيروت، دار الفكر، 1979.‏
ـ كلمة التوحيد وأمّة التوحيد في سورة الأنبياء، عبد الحميد محمد طهماز، دمشق، دار القلم، وبيروت، الدار الشامية، ط 1/1994.‏
ـ لسان العرب، ابن منظور، بيروت، دار صادر، ط 1 (د.ت).‏
ـ المحكم والمحيط الأعظم، ابن سيدة، تحقيق عبد الحميد هنداوي، بيروت دار الكتب العلمية، ط 1/2000.‏
ـ مفتاح العلوم، السكاكي، مصر، مكتبة مصطفى البابي وأولاده، ط 2 (د.ت).‏
ـ نظريّة اللغة الأدبيّة، إيفانوكس، ترجمة حامد أبو حمد، القاهرة، مكتبة غريب، ط 1 1988.‏
ـ النظريات اللسانيّة والبلاغيّة والأدبيّة عند الجاحظ من خلال البيان والتبيين، محمد الصغير البناني، الجزائر، ديوان المطبوعات الجامعية، 1983.‏
ـ النكت في إعجاز القرآن، الرماني، ضمن ثلاث رسائل في إعجاز القرآن، تحقيق محمد خلف الله ومحمد زغلول سلام، مصر، دار المعارف، ط 2/1968.‏

المقالات:‏
ـ البنية الحجاجيّة في القرآن الكريم، سورة النمل نموذجاً، الحواس مسعودي، مجلة اللغة والأدب، الجزائر، معهد اللغة العربية وآدابها، العدد 12 ديسمبر 1997.‏
ـ حول مفهوم الحجاج في الفلسفة، مقاربة فلسفيّة لسانيّة ديداكتكيّة، رويض محمد،‏
www.fikrwanakd.aljabriabed.n26-04rueyd.htm‏
ـ مفهوم الحجاج عند بيرلمان وتطوره في البلاغة المعاصرة، محمد سالم ولد سالم ولد محمد الأمين، عالم الفكر، م 28، ع 3، يناير ـ مارس، 2000.‏
ـ نظرية الحجاج، نعمان بوقرّة، مجلة الموقف الأدبي، دمشق اتحاد الكتاب العرب، العدد 407، آذار 2005.‏


الحواشي :
ـــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــ
(1) ابن منظور، المجلد الثاني، مادة (بين).‏
(2) السابق، مادة (بين).‏
(3) آل عمران (138).‏
(4) القيامة (18 ـ 19).‏
(5) الشعراء (195).‏
(6) النكت في إعجاز القرآن، ص 107.‏
(7) النظريات اللسانية والبلاغية والأدبية عند الجاحظ من خلال البيان والتبيين، محمد الصغير البناني، ص 179.‏
(8) البيان والتبيين، 1/75 ـ 76.‏
(9) السابق، 1/76.‏
(10) النكت في إعجاز القرآن، ص 106.‏
(11) السابق، ص 107.‏
(12) السابق، ص 107.‏
(13) الدخان (51).‏
(14) يس (79).‏
(15) النكت في إعجاز القرآن، ص 107.‏
(16) نظريّة اللغة الأدبيّة، تر: حامد أبو حمد، ص 177.‏
(17) مفهوم الحجاج عند بيرلمان وتطوره في البلاغة المعاصرة، محمد سالم ولد سالم ولد محمد الأمين، مجلة عالم الفكر، ص 57.‏
(18) المحكم والمحيط الأعظم، ابن سيدة، المجلد الثاني، مادة (حجج).‏
(19) التعريفات، ص 482.‏
(20) نظرية الحجاج نعمان بوقرّة، مجلة الموقف الأدبي، دمشق، اتحاد الكتاب العرب، العدد 407، آذار 2005. www.awu-dam. org.‏
(21) مفهوم الحجاج عند بيرلمان وتطوره في البلاغة المعاصرة، محمد سالم ولد محمد الأمين، مجلة عالم الفكر، ص 68.‏
(22) مفتاح العلوم، السكاكي، ص 73.‏
(23) السابق، ص 95.‏
(24) الخطابة، أرسطو: تح: عبد الرحمن بدوي، ص 9.‏
(25) مفهوم الحجاج عند بيرلمان وتطور في البلاغة المعاصرة، محمد سالم ولد محمد الأمين، ص 81.‏
(26) في بلاغة الخطاب الإقناعي، محمد العمري، ص 35.‏
(27) مفتاح العلوم، ص 64.‏
(28) حول مفهوم الحجاج في الفلسفة، مقاربة فلسفيّة لسانيّة ديداكتكيّة، رويض محمد، مجلة فكر ونقد، المغرب، العدد 26، www.fikrwanakd.aljabriabed.n26-04rueyd.htm‏
(29) السابق.‏
(30) السابق.‏
(31) الأعراف (158).‏
(32) مفهوم الحجاج عند بريلمان وتطوّره في البلاغة المعاصرة، محمد سالم ولد محمد الأمين، ص 68 ـ 69.‏
(33) الأنبياء (3).‏
(34) الأنبياء (7 ـ 8).‏
(35) الأنبياء (34).‏
(36) الأنبياء (25).‏
(37) الأنبياء (92).‏
(38) الأنبياء (5).‏
(39) الأنبياء (24).‏
(40) الأنبياء (41).‏
(41) البنية الحجاجية في القرآن الكريم، سورة النمل نموذجاً، الحواس مسعودي، مجلة اللغة والأدب، معهد اللغة العربية وآدابها، العدد 12 ديسمبر 197، ص 341 ـ 342.‏
(42) الأنبياء (52).‏
(43) الأنبياء (53).‏
(44) الكشاف، الزمخشري، 2/575.‏
(45) الأنبياء (54).‏
(46) الأنبياء (55).‏
(47) البحر المحيط في التعبير، أبو حيان، 7/444.‏
(48) الأنبياء (56).‏
(49) الأنبياء (62).‏
(50) الأنبياء (63).‏
(51) الكشّاف، 2/577.‏
(52) الأنبياء (65).‏
(53) الأنبياء (66 ـ 67).‏
(54) الأنبياء (56).‏
(55) الأنبياء (6).‏
(56) الأنبياء (10).‏
(57) الأنبياء (30).‏
(58) الأنبياء (34).‏
(59) الأنبياء (44).‏
(60) الأنبياء (50).‏
(61) كلمة التوحيد وأمّة التوحيد في سورة الأنبياء، عبد الحميد محمد طهماز، ص 17
/(62) الكشاف، الزمخشري، 2/، والبحر المحيط 7/412.‏
(63) الأنبياء (25).‏
(64) الأنبياء (108).‏
(65) الأنبياء (17).‏
(66) الأنبياء (22).‏
(67) الأنبياء (46).‏
(68) الأنبياء (94).‏
(69) الأنبياء (99).‏
(70) تفسير ابن كثير، 3/236.‏
(71) النكت في إعجاز القرآن، ص 109.‏
(72) تفسير الفخر الرازي، 5/182.‏
(73) المؤمنون (91).‏
(74) الإسراء (42 ـ 43).‏

المصدر :
مجلة التراث العربي-مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب-دمشق العدد 102 السنة السادسة والعشرون - نيسان 2006 - ربيع الثاني 1427