"المنازعات المستمرة بين السنة والشيعة والتي أدت إلى حروب أهلية في بعض البلاد؛ سببها الاختلاف في فهم النصوص القرآنية"هذه إحدى النتائج التي توصلت إليها الباحثة "وفاء محمود سعداوي" في رسالتها للدكتوراه التي نوقشت الثلاثاء 22 ديسمبر 2009 بكلية الدراسات الإسلامية بجامعة الأزهر الشريف، وحصلت بها الباحثة على درجة الدكتوراه مع مرتبة الشرف الأولى، والتوصية بطباعة الرسالة على نفقة الجامعة.
جاءت الرسالة تحت عنوان " أحكام الأسرة في بعض تفاسير أهل السنة والشيعة الإمامية الإثنا عشرية".

وتشكلت لجنة المناقشة من: د. أحمد زغلول صادق أستاذ مساعد بقسم التفسير وعلوم القرآن بالكلية "عضوا مشرفا"، ود.عزة أحمد عبد الرحمن أستاذ مساعد بقسم التفسير وعلوم القرآن "عضوا مشرفا" وأ.د المحمدى عبد الرحمن عبدالله أستاذ ورئيس قسم أصول الدين "عضوا مناقشا"، ود. مريم عبد الحميد محمد إبراهيم أستاذ مساعد بقسم التفسير وعلوم القرآن "عضوا مناقشا".

وقالت الباحثة إن اختيارها لموضوع الرسالة جاء لندرة المعلومات المتوفرة عن المذهب الشيعي، والأسس التي بُنِي عليها لدى الكثير من المشتغلين بالشأن الإسلامي، إضافة إلى سوء الفهم بين أصحاب المذهبين السني والشيعي.. خاصة الغلاة منهم.

ونبهت الباحثة إلى أن علماء الفرق والمذاهب الإسلامية المختلفة فسروا النص القرآني بما يخدم مذاهبهم ويتوافق معها ويؤيدها، مما كان له أثر واضح في التشتت الفكري للأمة، لافتة إلى أن التحزب المذهبي كان وراء ضياع الكثير من الجهود التفسيرية عند الفرق المختلفة.

وفي هذا الإطار أشارت الباحثة إلى أن عقيدة الإمامية مثلا كان لها أكبر الأثر في اختلاف تفاسيرهم عن تفاسير غيرهم، الأمر الذي يجعل المسافة بين تفاسيرهم وتفاسير الآخرين محكومة طرديا بمدى اقترابهم أو ابتعادهم من تصوراتهم العقدية وانحيازهم لها.. بحسب تعبير الباحثة.

وأكدت أنها اعتمدت على كتب الشيعة الإمامية الإثنا عشرية وعلى مصادرهم الأصلية في التعرف على مذهبهم وأهم معتقداتهم، كما لفتت إلى إطلاعها على عدد من تفاسير أهل السنة والشيعة الإمامية الإثنا عشرية؛ للإحاطة بمنهج كل فريق في تفسير القرآن الكريم، ووجوه الاتفاق والإختلاف بينهما.

وفي هذا السياق ترى الباحثة أن أحكام الأسرة تمثل نموذجا بحثيا متميزا؛ لأن الأسرة هي الركن الرئيس للنظام الاجتماعي، وهى الحارس لقِيَم المجتمع وتماسكه، مشيرة إلى ضرورة فهم التشريعات الخاصة بالأسرة كما أرادها الله؛ لحماية الأسرة من الغزو العولمي، ومحاولات فرض النموذج المعرفي الغربي عليها في السلوك والاجتماع بمنطلقاته العلمانية، والتي تتعارض بشدة مع خصوصيتنا الثقافية والدينية والأخلاقية – حسب ما قررت الباحثة.

وأشارت إلى أن الشيعة الإمامية وافقوا جمهور أهل السنة والجماعة في أغلب أحكام الأسرة، كما جاءت بعض أحكامهم المخالفة للجمهور موافقة لبعض أقوال أهل السنة؛ كعدة المتوفى عنها زوجها، والإشهاد فى الطلاق والرجعة، ووقوع الطلاق البدعى، وغيرها.

وأوضحت الباحثة أن الأحكام التى خالفوا فيها أهل السنة قليلة؛ ومنها التحريم المؤبد للمرأة البائنة بينونة كبرى إذا طلقت تسع طلقات، وعدم العول، وعدم التعصيب فى الميراث، وميراث الأنبياء، وشرط الحجب، وجواز نكاح المرأة على عمتها وخالتها، وجواز إتيان المرأة فى الدبر.

وتطرقت الباحثة بشئ من التفصيل إلى أحكام الزواج والفرقة وما يترتب عليهما من آثار، عند كل من أهل السنة والجماعة، والشيعة الإمامية الإثنى عشرية محيلة إلى المصادر الفقهية الأصلية التي استقت منها مادة بحثها لدى الفريقين.

النتائج والتوصيات :
وخلصت الباحثة إلى عدد من النتائج والتوصيات نجملها في الآتي:

*القرآن عند الإمامية محرّف، ولكن يعتد باجتهادهم في الآيات التي لم يحرفوها، لما ذهب إليه جمهور الفقهاء من جواز "تجزئة الاجتهاد" أي: اجتهاد المجتهد في مسألة دون أخرى، فإذا كان النص صحيحًا يعتد باجتهادهم فيه".

*السنة عند الإمامية مضمونها مختلف فهي تجمع بالإضافة إلى قول وفعل وتقرير النبي صلى الله عليه وسلم قول وفعل وتقرير الأئمة المعصومين، وتوثيقها في الغالب واه ضعيف.

*الإجماع متوقف على الأئمة المعصومين، فالمعتبر عندهم قول الإمام دون الأمة،فإجماع آل البيت "العترة" حجة ولو خالف غيرهم، أما عند جمهور الأصوليون من أهل السنة فإجماع الأمة حجة قطعية يضلل أو يكفر مخالفه وإجماع"آل البيت" ليس بحجة لو خالفوا الأمة.

*أنكر الإمامية العمل بالقياس، ونقلوا عن العترة إنكار العمل بالقياس، فعندهم يحرم العمل به!وعند جمهور الأصوليين من أهل السنة لا يؤخذ باجتهاد منكر القياس.

*يتفق الشيعة الإمامية الاثنا عشرية مع أهل السنة والجماعة في أن أصح طرق التفسير هي تفسير القرآن بالقرآن ثم بأقوال النبي صلى الله عليه وسلم.

* الشيعة الإمامية يعتبرون أئمتهم جميعا معصومين، فأقوالهم أقوال الرسول صلى الله عليه وسلم ، ولهم ما للرسول صلى الله عليه وسلم من بيان مجمل الكتب أو تقييد مطلقه، أو تخصيص عامه؛ لأن أقوالهم تدخل ضمن مفهوم السنة كمصدر من مصادر التشريع ولها دورها بالنسبة للقرآن الكريم، أما جمهور المسلمين فأقوال الصحابة حجة عندهم لا ترد لأنها قول المعصوم.

*ثمة إيجابيات واضحة فى تفاسير الشيعة الإمامية الإثنى عشرية لآيات أحكام الأسرة؛ فهم يحرصون على بيان أهداف التشريعات الإسلامية للأسرة ومدى رعاية الإسلام لها خاصة الطابطبائى، الذي كان حريصاً على إبراز الصورة الفطرية الإنسانية للتشريعات الأسرية وبيان كيفية تحقيقها السعادة للفرد والاستقرار للمجتمع، كما أنهم يضيقون دائرة الطلاق إلى أقصى الحدود ويفرضون القيود الصارمة على المطلق والمطلقة وصيغة الطلاق وشهوده كل ذلك لأن الزواج عصمة ومودة وميثاق من الله يجب الحفاظ عليه.

وفي الختام أوصت الباحثة بضرورة تمثل أدب الخلاف في الحوار بين السنة والشيعة، حيث لا إنكار عند المسلمين إلا فيما خالف إجماع الأمة، مشيرة إلى أن الصحابة الكرام رضوان الله عليهم كانوا يختلفون، ومع ذلك يتبع المأموم منهم الإمام، فإن أصبح إماما قضى بما رآه صوابا في اجتهاده، دون نزاع ولا مصارعات.

---------------
المصدر : مدارك .