يقول سيد قطب في قوله تعالى:
(لكي لا تأسوا على ما فاتكم , ولا تفرحوا بما آتاكم). .
فاتساع أفق النظر , والتعامل مع الوجود الكبير , وتصور الأزل والأبد , ورؤية الأحداث في مواضعها المقدرة في علم الله , الثابتة في تصميم هذا الكون . . كل أولئك يجعل النفس أفسح وأكبر وأكثر ثباتا ورزانة في مواجهة الأحداث العابرة . حين تتكشف للوجود الإنساني وهي مارة به في حركة الوجود الكوني .
إن الإنسان يجزع ويستطار وتستخفه الأحداث حين ينفصل بذاته عن هذا الوجود . ويتعامل مع الأحداث كأنها شيء عارض يصادم وجوده الصغير . فأما حين يستقر في تصوره وشعوره أنه هو والأحداث التي تمر به , وتمر بغيره , والأرض كلها . . ذرات في جسم كبير هو هذا الوجود . . وأن هذه الذرات كائنة في موضعها في التصميم الكامل الدقيق . لازم بعضها لبعض . وأن ذلك كله مقدر مرسوم معلوم في علم الله المكنون . . حين يستقر هذا في تصوره وشعوره , فإنه يحس بالراحة والطمأنينة لمواقع القدر كلها على السواء . فلا يأسى على فائت أسى يضعضعه ويزلزله , ولا يفرح بحاصل فرحا يستخفه ويذهله . ولكن يمضي مع قدر الله في طواعية وفي رضى . رضى العارف المدرك أن ما هو كائن هو الذي ينبغي أن يكون !
وهذه درجة قد لا يستطيعها إلا القليلون . فأما سائر المؤمنين فالمطلوب منهم ألا يخرجهم الألم للضراء , ولا الفرح بالسراء عن دائرة التوجه إلى الله , وذكره بهذه وبتلك , والاعتدال في الفرح والحزن . قال عكرمة - - "ليس أحد إلا وهو يفرح ويحزن , ولكن اجعلوا الفرح شكرا والحزن صبرا" . . وهذا هو اعتدال الإسلام الميسر للأسوياء .