بعدما حبَّر الكاتب الطلعَة المتفنن عبدالله بن عبدالعزيز الهدلق -استعمله الله في طاعته- مقالةً بديعة بعنوان "حين لا تستقيم الحكومات. . تعوج الطوابير "= سلط بعضُ القرّاءِ الضوءَ على أحرفٍ يسيرة من كتابته،وتناولوها بالنقد وغفلوا - أو قل:تغافلوا - عن إضاءاتِه الماتعةِ في بقيّة المقالة..
فماكان منه إلا أن أرخى قلمه - إذ ليس هو ممن يتكلف الكتابة(1) - فحبَّر وزبَّر .. فهاكم ماخطّته أنامله:

-----------------

أحق أن السلفية تطامن من العقل , وتزري بالقدرة , وتحجر على الموهبة ؟ وأن الإبداع لا يقاربه قلم الكاتب : إلا أن يتمرد على إسار النص , ويجري في أفانين الغواية , ويكسر حاجز المقدس ؟ أحق أن السلفية تورث صاحبها ذهناً فاتراً , وأداة خابية , وروحاً بليدة ؟ وأن العبقرية إنما تتنزى من نفس الإنسان , والوهج إنما يلفح في أحرف هجائه , والمعاني تأتلق بها روعة تراكيبه ؛ حين يوصف بكل وصف إلا أن يكون سلفياً ؟ أحق أن السلفية تأسر محط النظر فلا يبرح القرطاس الأصفر , وتطمس مجالي البهاء فلا ينفذ الجمال الى مسارب الفؤاد , فهي قدر المحرومين .. قدر المحرومين من لذاذات العقول , ومدارج الثقافة , ومطارح الجمال ؟ وأن كل أحد إلا أن يكون سلفياً : له من أيامه : بهجة المعرفة , وثراء تراث الإنسان , ومفاتن الفكر , ومهاوي الفتون؟ لقد حاولت من خلال ( مشروعي الثقافي الصغير ) أن أفند هذا الشغب الصبياني البليد الذي يلصقه أراذل أهل المعرفة بهذه السلفية المباركة .. فجعلت قلمي وأيامي - على بساطة تجربتي - وقفاً على هذا المشروع , أردت أن أثبت أن السلفية تحسن أشياء كثيرة إن هي أرادت , وأنها ليست تطامن من العقل , ولا تورث صاحبها ذهناً فاتراً , وأنها ليست بقدر المحرومين من لذاذات العقول , ومطارح الجمال .. وأن الإبداع طوع قلم الكاتب - إن هو استعد - دون أن يستطيل على الرب والدين ويتهاون بالأصول والمعتقدات .. فذهبت أنشىء التأصيل المعرفي .. أرود الثقافة على اتساع مداها , وأحلل الفكر في أصوله , وأوظف الكلام من مظانه العالية , ببيان مشرق وضيء مااستطعت .. حاولت أن أنقض عليهم دعاواهم الواهية , وأدفع الفرية التي يصمنا بها سقط أهل الفكر : حين يرددون أن الخطاب السلفي بات خطاباً متربصاً , ناقداً لمنجز الآخرين دون أن ينجز .. لم أحب أن يذلني أحد - أنا السلفي - إذلالاً معرفياً .. فآمل ألا تختصر هذه الآمال الثقافية , وألا يختزل هذا المشروع المعرفي الذي وقفت حياتي لأجله ؛ بثلاثة أسطر وردت في بداية مقال ( لي فيها وجهة نظر خاصة لم أتراجع عنها حتى الساعة ) فيغيب عن القارىء ما وراء ذلك من سمو المقاصد وكريم الغايات , وبسط هذا بحاجة إلى كلام أوفى .. عسى الله سبحانه أن يوفقنا لما يحب ويرضى , وصلى الله وسلم على نبينا محمد




(1) يبينه قوله في مقالة له بعنوان"بئس هذا الناس" : (فانشرح قلمي ... - وقد جاوزتُ طَوْر تكلّفِ الشجى لاستدرار الموهبة-)