بسم الله الرحمن الرحيم
الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى أَنْ بَيَّنَ لِلْمُسْتَهْدِينَ مَعَالِمَ مُرَادِهِ ، وَنَصَبَ لِجَحَافِلِ الْمُسْتَفْتِحِينَ أَعْلَامَ أَمْدَادِهِ ، فَأَنْزَلَ الْقُرْآنَ قَانُونًا عَامًّا مَعْصُومًا ، وَأَعْجَزَ بِعَجَائِبِهِ فَظَهَرَتْ يَوْمًا فَيَوْمًا ، وَجَعَلَهُ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَمُهَيْمِنًا ، وَمَا فَرَّطَ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ يَعِظُ مُسِيئًا وَيَعِدُ مُحْسِنًا ، حَتَّى عَرَفَهُ الْمُنْصِفُونَ مِنْ مُؤْمِنٍ وَجَاحِدٍ ، وَشَهِدَ لَهُ الرَّاغِبُ وَالْمُحْتَارُ وَالْحَاسِدُ ، فَكَانَ الْحَالُ بِتَصْدِيقِهِ أَنْطَقَ مِنَ اللِّسَانِ ، وَبُرْهَانُ الْعَقْلِ فِيهِ أَبْصَرَ مِنْ شَاهِدِ الْعِيَانِ ، وَأَبْرَزَ آيَاتِهِ فِي الْآفَاقِ فَتَبَيَّنَ لِلْمُؤْمِنِينَ أَنَّهُ الْحَقُّ ، كَمَا أَنْزَلَهُ عَلَى أَفْضَلِ رَسُولٍ فَبَشَّرَ بِأَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ ، فَبِهِ أَصْبَحَ الرَّسُولُ الْأُمِّيُّ سَيِّدَ الْحُكَمَاءِ الْمُرَبِّينَ ، وَبِهِ شُرِحَ صَدْرُهُ إِذْ قَالَ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ ، فَلَمْ يَزَلْ كِتَابُهُ مُشِعًّا نَيِّرًا ، مَحْفُوظًا مِنْ لَدُنْهُ أَنْ يُتْرَكَ فَيَكُونَ مُبَدَّلًا وَمُغَيَّرًا .
ثُمَّ قَيَّضَ لِتَبْيِينِهِ أَصْحَابَهُ الْأَشِدَّاءَ الرُّحَمَاءَ ، وَأَبَانَ أَسْرَارَهُ مَنْ بَعْدَهُمْ فِي الْأُمَّةِ مِنَ الْعُلَمَاءِ ، فَصَلَاةُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَى رَسُولِهِ وَآلِهِ الطَّاهِرِينَ ، وَعَلَى أَصْحَابِهِ نُجُومِ الِاقْتِدَاءِ لِلسَّائِرِينَ وَالْمَاخِرِينَ .
أَمَّا بَعْدُ :

فإن من نعم الله على عباده المؤمنين ، أن هداهم للإيمان ، وشرح صدورهم للقرآن ، وأرسل إليهم رسوله الأمين ، وأنزل عليهم كتابه المبين .. فلله الحمد أولًا وآخرًا .
ولقد كنت أرغب منذ فترة طويلة ؛ البحث في آيات من سورة التوبة ، حيث علقت بعض الإشكالات في ذهني وأنا أتأملها ، ثم تكررت علي بعض إيرادات من خلال القراءة والسماع لبعض الأفاضل ؛ من كون بعض الآيات مخصصة بآيات أخرى ، وأن بعضها قد نُسخت ، وهذه الآية اختلف فيها المفسرون ، وهكذا ..
إن هذه الآيات آيات عظيمة ، فهي من السور المتأخرة النزول ، وهي توضح الخطوط الرئيسة ، والمعالم الكبرى في علاقات متعددة ، علاقة المسلمين بالكفار ، وعلاقاتهم بالمنافقين ، وعلاقاتهم بالعصاة المتخلفين ، وعلاقتهم مع أنفسهم وجهادهم ، ونبيهم ، وربهم جل وعز ..
ونريد من خلال آية في هذه السورة أن ندور حول علاقة واحدة من هذه العلاقات ، طال حولها النقاش والخلاف خاصة في عصر الانهزام والضعف ، علاقة المسلمين بالكفار ، ولقد " تبين من الواقع العملي مرحلة بعد مرحلة ، وتجربة بعد تجربة ، أنه لا يمكن التعايش بين منهجين للحياة بينهما هذا الاختلاف الجذري العميق البعيد المدى الشامل لكل جزئية من جزئيات الاعتقاد والتصور ، والخلق والسلوك ، والتنظيم الاجتماعي والاقتصادي والسياسي - والإنساني - وهو الاختلاف الذي لا بد أن ينشأ من اختلاف الاعتقاد والتصور . . منهجين للحياة أحدهما يقوم على عبودية العباد لله وحده بلا شريك ؛ والآخر يقوم على عبودية البشر للبشر ، وللآلهة المدعاة ، وللأرباب المتفرقة . ثم يقع بينهما التصادم في كل خطوة من خطوات الحياة ؛ لأن كل خطوة من خطوات الحياة في أحد المنهجين لا بد أن تكون مختلفة مع الأخرى ، ومتصادمة معها تماماً ، في مثل هذين المنهجين وفي مثل هذين النظامين .
إنها لم تكن فلتة عارضة أن تقف قريش تلك الوقفة العنيدة لدعوة « أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله » في مكة . ولا أن تحاربها هذه الحرب الجائرة في المدينة .. ولم تكن فلتة عارضة أن يقف اليهود في المدينة كذلك لهذه الحركة ؛ وأن يجمعهم مع المشركين معسكر واحد - وهم من أهل الكتاب! - وأن يؤلب اليهود وتؤلب قريش قبائل العرب في الجزيرة في غزوة الأحزاب لاستئصال شأفة ذلك الخطر الذي يتهدد الجميع بمجرد قيام الدولة في المدينة على أساس هذه العقيدة ، وإقامة نظامها وفق ذلك المنهج الرباني المتفرد! ... إنها طبائع الأشياء . . إنها أولاً طبيعة المنهج الإسلامي التي يعرفها جيداً - ويستشعرها بالفطرة - أصحاب المناهج الأخرى! طبيعة الإصرار على إقامة مملكة الله في الأرض ، وإخراج الناس كافة من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده ، وتحطيم الحواجز المادية التي تحول بين « الناس كافة » وبين حرية الاختيار الحقيقية . . ثم إنها ثانياً طبيعة التعارض بين منهجين للحياة لا التقاء بينهما في كبيرة ولا صغيرة؛ وحرص أصحاب المناهج الأرضية على سحق المنهج الرباني الذي يتهدد وجودهم ومناهجهم وأوضاعهم قبل أن يسحقهم! . . فهي حتمية لا اختيار فيها - في الحقيقة - لهؤلاء ولا هؤلاء !"

لابد لنا من الشعور بأهمية تدبر القرآن ، وتفهمه ، وتعقله ، وتأمله ، والعمل به .. حتى يصلح الله هذه الأمة التي ضعفت وذلت ! ولن تصلح إلا بما صلح به أسلافها .
ثم إني أنتهز هذا البحث الذي كُلفتُ به ، أن أعود لهذه الآيات فأنظر إلى كلام السلف وأهل العلم ، فيتوشح الوعظ بالعلم ، فنسير على هدي النبي وأصحابه والسلف الصالح .
ووجدت الآية الخامسة من هذه السورة العظيمة ، قد دار حولها خلاف واسع ، فحططت رحالي فيها ، وعلمت أنها مرتعٌ خصبٌ ؛ لأجني فيها من علوم العلماء ، وفهوم الفقهاء ، واستعنت بالله ، ثم شمرت عن ساعد الجد ، فجمعتُ ورتبتُ ، متبرأ من حولي وقوتي إلى حول ربي وقوته .. وهو حسبي لا إله إلا هو ..
وأسأل الله أن يرزقنا الإخلاص في القول والعمل ، وأن ينفعنا بالعلم النافع ، وأن يحيي قلوبنا بهدي كتابه .. اللهم اغفر ذنبي ، وأعني يا معين ..



قال تعالى : " فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا وأقاموا الصلوة وءاتوا الزكوة فخلوا سبيلهم إن الله غفور رحيم "


قال تعالى : " فإذا انسلخ الأشهر " الفاء عاطفة أو استئنافية ، وإذا ظرف مستقبل متضمن معنى الشرط وجملة انسلخ مضافة للظرف والأشهر فاعل والحرم صفة .
والمعنى : أي ننزع ، وأسودُ سالخٌ ، سلخَ جلدَهُ ، أي نزعه ونخلة مسلاخٌ : يُنتَثر بُسْرُها الأخضر .
وقال الليث : يقال سلخت الشهر إذا خرجت منه ، وكشف أبو الهيثم عن هذا المعنى فقال : يقال أهللنا هلال شهر كذا ، أي دخلنا فيه ولبسناه ، فنحن نزداد كل ليلة إلى مضي نصفه لباساً منه ، ثم نسلخه عن أنفسنا بعد تكامل النصف منه جزءاً فجزءاً ، حتى نسلخه عن أنفسنا وأنشد :
إذا ما سلخت الشهر أهللت مثله
كفى قائلاً سلخي الشهور وإهلالي
وانسلخ وانسلخت ، كل صواب ، وانسلاخ الأشهر : معناه انقضاء مدتها ، يقول العرب : انسلخ الشهر ، وانسلخ العام إذا مضى زمانه ، وهذا معروف في كلام العرب ، ومنه قول لبيد في معلقته :
حتى إذا سلخا جمادى ستة
جزءً فطال صيامه وصيامها
والأشهر : جمع شهر ، و"الأفعُل" جمع قلة ؛ لأنها أربعة .
وَالْحُرُمُ جَمْعُ حَرَامٍ وَهُوَ سَمَاعِيٌّ لِأَنَّ فُعُلًا بِضَمِّ الْفَاءِ وَالْعَيْنِ إِنَّمَا يَنْقَاسُ فِي الِاسْمِ الرُّبَاعِيِّ ذِي مَدٍّ زَائِدٍ. وَحَرَامٌ صِفَةٌ. وَقَالَ الرَّضِيُّ فِي بَابِ الْجَمْعِ مِنْ «شَرْحِ الشَّافِيَةِ» إِنَّ جُمُوعَ التَّكْسِيرِ أَكْثَرُهَا مُحْتَاجٌ إِلَى السَّمَاعِ .

*واخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْمُرَادِ بِالْأَشْهُرِ الْحُرُمِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ فَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : إِنَّهَا الْمَذْكُورَةُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى . مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ ، قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الْبَاقِرُ .

وَلَكِنْ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : آخِرُ الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ فِي حَقِّهِمُ الْمُحَرَّمُ ، وَحَكَى نَحْوَ قَوْلِهِ هَذَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الضَّحَّاكُ ، وتعقب هذا ابن كثير بقوله وفيه نظر .
وَالسِّيَاقَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا أَشْهُرُ الْإِمْهَالِ الْمَذْكُورَةُ فِي قَوْلِهِ : فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ .

قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ : فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ : وَالَّذِي يَظْهَرُ مِنْ حَيْثُ السِّيَاقُ ، مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ ابْنُ عَبَّاسٍ ، فِي رِوَايَةِ الْعَوْفِيِّ عَنْهُ ، وَبِهِ قَالَ مُجَاهِدٌ ، وَعَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ، وَقَتَادَةُ ، وَالسُّدِّيُّ ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ : أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا الْأَشْهُرُ الْأَرْبَعَةُ الْمَنْصُوصُ عَلَيْهَا بِقَوْلِهِ : فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ ، ثُمَّ قَالَ : فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ ، أَيْ : إِذَا انْقَضَتِ الْأَشْهُرُ الْأَرْبَعَةُ الَّتِي حَرَّمْنَا عَلَيْكُمْ قِتَالَهُمْ فِيهَا ، وَأَجَّلْنَاهُمْ فِيهَا ، فَحَيْثُمَا وَجَدْتُمُوهُمْ فَاقْتُلُوهُمْ ; لِأَنَّ عَوْدَ الْعَهْدِ عَلَى مَذْكُورٍ أَوْلَى مِنْ مُقَدَّرٍ .

*فخلاصة الخلاف على قولين : أحدهما أنها رجب وذو القعدة وذو الحجة والمحرم قاله الأكثرون .
والثاني أنها الأربعة الأشهر التي جعلت لهم فيها السياحة قاله الحسن في آخرين فعلى هذا سميت حرما لأن دماء المشركين حرمت فيها .

" فاقتلوا المشركين " : الْأَمْرُ فِي فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ لِلْإِذْنِ وَالْإِبَاحَةِ بِاعْتِبَارِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْمَأْمُورَاتِ عَلَى حِدَةٍ، أَيْ فقد أذن لكل فِي قَتْلِهِمْ، وَفِي أَخْذِهِمْ، وَفِي حِصَارِهِمْ، وَفِي مَنْعِهِمْ مِنَ الْمُرُورِ بِالْأَرْضِ الَّتِي تَحْتَ حُكْمِ الْإِسْلَامِ، وَقَدْ يَعْرِضُ الْوُجُوبُ إِذَا ظَهَرَتْ مَصْلَحَةٌ عَظِيمَةٌ، وَالْمَقْصُودُ هُنَا: أَنَّ حُرْمَةَ الْعَهْدِ قَدْ زَالَتْ وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ شُرِعُ الْجِهَادُ وَالْإِذْنُ فِيهِ وَالْإِشَارَةُ إِلَى أَنَّهُمْ لَا يُقْبَلُ مِنْهُمْ غَيْرُ الْإِسْلَامِ .. وَقَدْ عَمَّتِ الْآيَةُ جَمِيعَ الْمُشْرِكِينَ وَعَمَّتِ الْبِقَاعَ إِلَّا مَا خَصَّصَتْهُ الْأَدِلَّةُ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ .

*ولفظة "المشركين" هنا عام في كل مشرك، لكن السنة خصت منه المرأة والراهب والصبي وغيرهم.

*ومطلق قوله:" فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ" يقتضي جواز قتلهم بأي وجه كان، إلا أن الاخبار وردت بالنهي عن المثلة. ومع هذا فيجوز أن يكون الصديق حين قتل أهل الردة بالإحراق بالنار، وبالحجارة وبالرمي من رءوس الجبال، والتنكيس في الآبار، تعلق بعموم الآية. وكذلك إحراق علي قوما من أهل الردة يجوز أن يكون ميلا إلى هذا المذهب، واعتمادا على عموم اللفظ ، والله أعلم .

" فاقتلوا المشركين " : في أي مكان من أمكنة الأرض وجدتموهم فاقتلوهم .

*وقال بعض العلماء : هذا ما لم يكونوا في الحرم ، فالعموم هنا يخصصه قوله تعالى : (ولا تقاتلوا المشركين ) ، وعلى هذا القول لا يجوز قتال المشركين في الحرم إلا إذا بدؤوا بالقتال ، وبه قال جماعة من أهل العلم .
وقال جماهير من أهل العلم : إنهم يقتلون في كل مكان ، كما دل عليه عموم (حيث) هنا وإن كانوا في الحرم . قالوا : أما آية " ولا تقتلوهم عند المسجد الحرام حتى يُقاتلوكم فيه .. "
فإنها كانت من مراحل تشريع القتال ، فالقتال لما كان عظيما شاقا على النفوس ؛ لما في من تعريض المهج والأموال للتلف أذن في أولا من غير أمر به في قوله تعالى : " أُذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير " ، أذن فيه أولا ثم أوجبه في حال دون حال ، فأوجب عليهم قتال من قاتلهم دون من لم يقاتلهم ، ثم لما استأنست النفوس بالقتال ، وتمرنت عليه ، أوجبه إيجابًا باتًا عامًا بقوله هنا " فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد .." .
ثم إن بعض العلماء قالوا : إن الكتابي لا يدخل في اسم المشركين ؛ لأنه غاير بين أهل الكتاب والمشركين في آيات كثيرة ، والتحقيق أن الكتابيين نوع من المشركين ، قال تعالى في هذه السورة الكريمة : " اتخذوا أحبارهم ورهبنهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أُمروا إلا ليعبدوا إلها وحدا لا إله إلا هو سبحنه عما يُشركون " ، فصرح تعالى بأنهم مشركون إلا أنه نوع خاص من المشركين ، ربما أدخل في عمومهم ، وربما أفرد منهم ، كأنه غير داخل فيهم ؛ للفوارق التي بين الكتابيين وعبدة الأصنام كما هو معروف .
وقوله: وَخُذُوهُمْ عطف على اقتلوا ، أي: وأسروهم ، إن شئتم قتلا وإن شئتم أسرا .
وقوله: وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ عطف أيضًا ، أي: لا تكتفوا بمجرد وجدانكم لهم، بل اقصدوهم بالحصار في معاقلهم وحصونهم، والرصد في طرقهم ومسالكهم حتى تضيقوا عليهم الواسع، وتضطروهم إلى القتل أو الإسلام .
وقيل: امنعوهم من دخول مكة والتصرف في بلاد الإسلام .
ثم اختلفوا في هذه الآية ، فقال الحسين بن الفضل: نسخت هذه كل آية في القرآن فيها ذكر الإعراض والصبر على أذى الأعداء .
وقال الضحاك والسدي وعطاء: هي منسوخة بقوله:" فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً " ؛ وأنه لا يقتل أسير صبرا ، إما أن يمن عليه وإما أن يفادى .
وقال مجاهد وقتادة: بل هي ناسخة لقوله تعالى:" فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً" وأنه لا يجوز في الأسارى من المشركين إلا القتل .
والتحقيق : أن كل هذه الآيات محكم ، وأنها لا ينسخ بعضها بعضًا ؛ لأن النبي منذ قاتل الكفار ، ربما قتل الأسير ، وربما فدى الأسير ، وربما من على الأسير ، كل هذا يفعله ، فمعلوم أنه قتل بعض الأسارى يوم بدر ، قتل عقبة بن أبي معيط يوم بدر أسيرًا ، وقتل النضر بن الحارث ؛ ودلت قصة قتله للنضر أنه لم يكن عن وحي ، ولذا لمّا أرسلت أخت –أو ابنته- قتيلة بنت الحارث –أو قتيلة بنت النضر بن الحارث- ؛ شعرها للنبي ، بكى حتى أخضل الدمع لحيته ، وقال فيه : " لو بلغني شعرها قبل أن أقتله لعفوت عنه " ؛ فدل على أنه لم يقتله بوحي من الله .
وشعرها مشهور ، ومما قالت فيه :
أمحمدٌ يا خيرَ ضِنْءِ كريمةٍ في قومها والفَحْلُ فَحْلٌ مُعْرِقُ
ما كان ضَركَ لو مَنَنْتَ وربما منَّ الفتى وهو المغيظُ المُحْنِقُ
فالنظر أقربُ من أسرتَ قرابةً وأحقُّهم إن كان عتقٌ يُعتقُ
وأطلق النبي أبا عزة في غزاة بدر ؛ لما قال له : إنه ذو بنات ، ولما أمسكه بحمراء الأسد من صبيحة أحد بعد أن اشترط ألا يعين عليه المشركين ، وقال له : يا محمد ! عفوك مرة أخرى . فقال : لا والله ، لا تحك عارضيك بين نساء مكة وتقول : غررت محمدًا مرتين !! فقتله .
فهذا كله يدل على أن الأمر في ذلك إلى الإمام ، إن رأى المصلحة للمسلمين القتل قَتَل ، وإن رأى أنها الفداء فدى ، وإن رأى أنها المنُّ منَّ ، وهذا هو التحقيق إن شاء الله .
قوله : كُلَّ مَرْصَدٍ قال بعض العلماء هو منصوب على أنه ظرف ، قاله الزجاج وغلطه في أبو علي الفارسي ، وقال إن مثل هذا لا ينصب على الظرف ؛ لأن الطريق مكان محصور كالمسجد والبيت ، فلا يكون ظرفا ، وإنما هو منصوب بنزع الخافض .
وعلى هذا فمعنى واقعدوا لهم كُلَّ مَرْصَدٍ أي: لا تكتفوا بمجرد وجدانكم لهم، بل اقصدوهم بالحصار في معاقلهم وحصونهم، والرصد في طرقهم ومسالكهم حتى تضيقوا عليهم الواسع وتأخذوهم في غرتهم ، وتضطروهم إلى القتل أو الإسلام .
" فإن تابوا وأقاموا الصلوة وءاتوا الزكوة فخلوا سبيلهم إن الله غفور رحيم " تفريع على الأفعال المتقدمة في قوله: فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم
والتوبة عن الشرك هي الإيمان ، أي فإن آمنوا إيمانا صادقا ، بأن أقاموا الصلاة الدالة إقامتها على أن صاحبها لم يكن كاذبا في إيمانه، وبأن آتوا الزكاة الدال إيتاؤها على أنهم مؤمنون حقا ، لأن بذل المال للمسلمين أمارة صدق النية فيما بذل فيه فإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة شرط في كف القتال عنهم إذا آمنوا، وليس في هذا دلالة على أن الصلاة والزكاة جزء من الإيمان .

وحقيقة ( فخلوا سبيلهم ) ؛ اتركوا طريقهم الذي يمرون به ، أي اتركوا لهم كل طريق أمرتم برصدهم فيه أي اتركوهم يسيرون مجتازين أو قادمين عليكم، إذ لا بأس عليكم منهم في الحالتين، فإنهم صاروا إخوانكم، كما قال في هذه الآية .

وهذا المركب مستعمل هنا تمثيلا في عدم الإضرار بهم ومتاركتهم، يقال: خل سبيلي، أي دعني وشأني، كما قال جرير : :
خل السبيل لمن يبني المنار به ... وأبرز ببرزة حيث اضطرك القدر
وهو مقابل للتمثيل الذي في قوله: واقعدوا لهم كل مرصد ..

وجملة : ( إن الله غفور رحيم ) ؛ تذييل أريد به حث المسلمين على عدم التعرض بالسوء للذين يسلمون من المشركين ، وعدم مؤاخذتهم لما فرط منهم، فالمعنى اغفروا لهم، لأن الله غفر لهم وهو غفور رحيم، أو اقتدوا بفعل الله إذ غفر لهم ما فرط منهم كما تعلمون فكونوا أنتم بتلك المثابة في الإغضاء عما مضى .

*وقد اعتمد الصديق -- في قتال مانعي الزكاة على هذه الآية الكريمة وأمثالها ، حيث حرمت قتالهم بشرط هذه الأفعال ، وهي الدخول في الإسلام ، والقيام بأداء واجباته.

ونبه بأعلاها على أدناها ، فإن أشرف الأركان بعد الشهادة الصلاة ، التي هي حق الله -- وبعدها أداء الزكاة التي هي نفع متعد إلى الفقراء والمحاويج ، وهي أشرف الأفعال المتعلقة بالمخلوقين ؛ ولهذا كثيرا ما يقرن الله بين الصلاة والزكاة ، وقد جاء في الصحيحين عن ابن عمر ، ، عن رسول الله أنه قال: " أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ، ويقيموا الصلاة ، ويؤتوا الزكاة " الحديث.

وقال أبو إسحاق، عن أبي عبيدة، عن عبد الله بن مسعود -- قال : أمرتم بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة ، ومن لم يزك فلا صلاة له .
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : أبى الله أن يقبل الصلاة إلا بالزكاة ، وقال: يرحم الله أبا بكر، ما كان أفقهه.

وقال الإمام أحمد : حدثنا علي بن إسحاق ، أنبأنا عبد الله بن المبارك ، أنبأنا حميد الطويل، عن أنس؛ أن رسول الله قال: " أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ، فإذا شهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ، واستقبلوا قبلتنا، وأكلوا ذبيحتنا ، وصلوا صلاتنا ، فقد حرمت علينا دماؤهم وأموالهم إلا بحقها ، لهم ما للمسلمين ، وعليهم ما عليهم ".
ورواه البخاري في صحيحه وأهل السنن إلا ابن ماجه، من حديث عبد الله بن المبارك ، به .



وفي الختام : أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يغفر ذنوبنا ، وأن يُصلح أمتنا ، وأن يُعيد لنا النصر والتمكين والعزة ، وأن يرزقنا فَهم كتابه ، والعمل بما فيه .. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .