ثانيًا: قواعد في التفسير:
القاعدة الأولى: ( ألفاظ الكتاب والسنّة إذا عُرف تفسيرها من جهة النبيّ ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ ؛ لم يُحتج إلى الاستدلال بأقوال أهل اللغة، ولا غيرهم )(2).
هذه القاعدة ذكرها الشيخ ـ ـ في معرض حديثه عن حقيقة الإيمان والإسلام ونزاع الناس واضطرابهم فيها.. فكان ممّا قاله:
_
(1) مجموع الفتاوى: 3/ 84.
(2) مجموع الفتاوى: 7/ 286.

(1/44)

--------------------------------------------------------------------------------

" وممّا ينبغي أن يعلم أنّ الألفاظ الموجودة في القرآن والحديث، إذا عُرف تفسيرها وما أريد بها من جهة النبيّ ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ؛ لم في ذلك إلى الاستدلال بأقوال أهل اللغة، ولا غيرهم، ولهذا قال الفقهاء: الأسماء ثلاثة أنواع: نوع يُعرف حدّه بالشرع، كالصلاة والزكاة. ونوع يُعرف باللغة كالشمس والقمر. ونوع يُرف حدّه بالعرف، كلفظ القبض ولفظ المعروف في قوله: وعاشروهنّ بالمعروف [ النساء: 19]، ونحو ذلك. وروي عن ابن عبّاس ـ ـ أنّه قال: ’’تفسير القرآن على أربعة أوجه؛ تفسير تعرفه العرب من كلامها، وتفسير لا يُعذر أحد بجهالته، وتفسير يعلمه العلماء،وتفسير لا يعلمه إلا الله، من ادّعى علمه فهو كاذب‘‘.
فاسم الصلاة والزكاة والصيام والحجّ ونحو ذلك، قد بيّن الرسول ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ ما يراد بها في كلام الله ورسوله، وكذلك لفظ الخمر وغيرها، ومن هناك يُعرف معناها، فلو أراد أحد أن يفسّرها بغير ما بيّنه النبيّ ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ؛ لم يُقبل منه. وأمّا الكلام في اشتقاقها ووجه دلالتها؛ فذاك من جنس علم البيان. وتعليل الأحكام هو زيادة في العلم، وبيان حكمة ألفاظ القرآن، لكن معرفة المراد بها لا يتوقّف على هذا، واسم الإيمان والإسلام، والنفاق والكفر، هي أعظم من هذا كلّه، فالنبيّ ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ قد بيّن المراد بهذه الألفاظ بياناً لا يحتاج معه إلى الاستدلال على ذلك بالاشتقاق وشواهد استعمال العرب ونحو ذلك، فلهذا يجب الرجوع في مسمّيات هذه الأسماء إلى بيان الله ورسوله، فإنّه شافٍ كافٍ.." إلى آخر ما ذكر.

القاعدة الثانية: ( من عادة السلف في تفسيرهم أن يذكروا بعض صفات المفسَّر من الأسماء أو بعض أنواعه، ولا ينافي ذلك ثبوت بقيّة الصفات للمسمّى، بل قد يكونان متلازمين، ولا دخول لبقيّة الأنواع فيه )(1).
_
(1) مجموع الفتاوى: 6/ 390.

(1/45)


--------------------------------------------------------------------------------

هذه القاعدة ذكرها الشيخ في معرض ردّه على بعض المئوّولة القائلين إنّ اسمه ( النور ) سبحانه يجب تأويله قطعاً بالهادي ونحوه، كما قال ذلك بعض المفسّرين..
قال الشيخ بعد كلام له: " ثمّ نقول: هذا الذي قاله بعض المفسّرين في قوله: الله نور السماوات والأرض [النور: 35] أي: هادي أهل السماوات والأرض؛ لا يضرّنا، ولا يخالف ما قلناه، فإنّهم قالوه في تفسير الآية التي ذُكر النور فيها مضافاً؛ لم يذكروه في تفسير مطلق النور كما ادّعيت أنت من ورود الحديث به، فأين هذا من هذا ؟!.
ثمّ قول من قال من السلف: هادي أهل السماوات والأرض. لا يمنع أن يكون في نفسه نوراً، فإنّ من عادة السلف في تفسيرهم أن يذكروا بعض صفات المفسَّر من الأسماء، أو بعض أنواعه، ولا ينافي ذلك ثبوت بقيّة الصفات للمسمّى، بل قد يكونان متلازمين، ولا دخول لبقيّة الأنواع فيه.
وهذا قد قرّرناه غير مرّة في القواعد المتقدّمة، ومن تدبّر علم أنّ أكثر أقوال السلف في التفسير متّفقة غير مختلفة. مثال ذلك: قول بعضهم في الصراط المستقيم إنّه الإسلام. وقول آخر: إنّه القرآن. وقول آخر: إنّه السنّة والجماعة. وقول آخر: إنّه طريق العبوديّة. فهذه كلّها صفات له متلازمة لا متباينة. وتسميته بهذه الأسماء بمنزلة تسمية القرآن والرسول بأسمائه، بل بمنزلة أسماء الله الحسنى ".
القاعدة الثالثة إلى الخامسة:
? ( ما دلّ عليه السياق هو ظاهر الخطاب؛ فلا يكون من موارد النزاع ).
? ( الصريح يقضي على الظاهر، ويبيّن معناه ).
? ( يجوز أن تفسَّر إحدى الآيتين بظاهر الأخرى، ويُصرف الكلام عن ظاهره،وإن سُمّي تأويلاً وصرفاً عن الظاهر،وذلك لدلالة القرآن عليه.. ).

(1/46)


--------------------------------------------------------------------------------

هذه القواعد الثلاث ذكرها الشيخ ـ ـ في موضع واحد، وذلك عند حديثه عن قرب الله ـ عزّ وجلّ ـ من عباده كما في قوله تعالى: ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد [ق: 16]، وهل هو قرب ذاتي لازم، أم يمكن تأويله بالعلم كما دلّ على ذلك سياق الآية ؟
قال ـ ـ: " وفيه القولان:
? أحدهما: إثبات ذلك، وهو قول طائفة من المتكلّمين والصوفيّة.
? والثاني: أنّ القرب هنا بعلمه، لأنّه قد قال: ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد ، فذكر لفظ العلم هنا دلّ على القرب بالعلم. ومثل هذه الآية: حديث أبي موسى: ( إنّكم لا تدعون أصمّ ولا غائباً، إنّما تدعون سميعاً قريباً. إنّ الذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته )(1)، فالآية لا تحتاج إلى تأويل القرب في الله تعالى إلا على هذا القول، وحينئذٍ فالسياق دلّ عليه، وما دلّ عليه السياق هو ظاهر الخطاب، فلا يكون من موارد النزاع. وقد تقدّم أنّا لا نذمّ كلّ ما يسمّى تأويلاً ممّا فيه كفاية، وإنّما نذمّ تحريف الكلم عن مواضعه، ومخالفة الكتاب والسنّة، والقول في القرآن بالرأي ".
_
(1) أخرجه البخاري مختصراً ( 3968 )، ومسلم كذلك ( 2704 ).

(1/47)


--------------------------------------------------------------------------------

ثمّ قال ـ ـ: " وتحقيق الجواب هو أن يُقال: إمّا أن يكون قربه بنفسه القرب اللازم ممكناً، أو لا يكون. فإن كان ممكناً لم تحتج الآية إلى تأويل. وإن لم يكن ممكناً؛ حُملت الآية على ما دلّ عليه سياقها، وهو قربه بعلمه. وعلى هذا القول؛ فإمّا أن يكون هذا هو ظاهر الخطاب، فلا كلام‘ إذ لا تأويل حينئذٍ. وإن لم يكن ظاهر الخطاب، فإنّما حُمل على ذلك لأنّ الله تعالى قد بيّن في غير موضع من كتابه أنّه على العرش، وأنّه فوق، فكان ما ذكره في كتابه في غير موضع أنّه فوق العرش، مع ما قرنه بهذه الآية من العلم، دليلاً على أنّه أراد قرب العلم، إذ مقتضى تلك الآيات ينافي ظاهر هذه الآية على هذا التقدير، والصريح يقضي على الظاهر، ويبيّن معناه.
ويجوز ـ باتّفاق المسلمين ـ أن تُفسَّر إحدى الآيتين بظاهر الأخرى، ويُصرف الكلام عن ظاهره، إذ لا محذور في ذلك عند أحد من أهل السنّة، وإن سُمّي تأويلاً وصرفاً عن الظاهر، فذلك لدلالة القرآن عليه، ولموافقة السنّة والسلف عليه، لأنّه تفسير للقرآن بالقرآن، ليس تفسيراً له بالرأي. والمحذور إنّما هو صرف القرآن عن فحواه بغير دلالة من الله ورسوله والسابقين كما تقدّم "(1).

القاعدة السادسة: ( استعمال القرآن لفظاً في معنى؛ لا يقتضي أنّ ذلك اللفظ لا يحتمل غير ذلك المعنى )(2).
وقد ضرب الشيخ لذلك مثلاً: لفظ السراح والفراق، وذكر قول من قال: إنّ هذين اللفظين صريحان في الطلاق، لأنّ القرآن ورد بذلك، وما ورد صريحاً في القرآن فلا يستعمل إلا فيه. ثم ذكر ـ ـ أنّ هذا القول "ضعيف لوجهين:
_
(1) مجموع الفتاوى: 6/ 20، 21.
(2) مجموع الفتاوى: 15/ 450.

(1/48)


--------------------------------------------------------------------------------

? أحدهما: أنّ هذا الأصل لا دليل عليه، بل هو فاسد، فإنّ الواقع أنّ الناس ينطقون بلغاتهم التي توافق لغة العرب أو تخالفها من عربية أخرى، عرباً مقرّرة أو مغيّرة لفظاً أو معنى، أو من عربيّة مولّدة، أو عربيّة معرّبة تُلقّيت عن العجم، أو من عجميّة، فإنّ الطلاق ونحوه يثبت بجميع هذه الأنواع من اللغات، إذ المدار على المعنى، ولم يحرَّم ذلك عليهم، أو حُرّم عليهم فلم يلتزموه، فإنّ ذلك لا يوجب وقوع ما لم يوقعوه. وأيضاً فاستعمال القرآن لفظاً في معنى؛ لا يقتضي أنّ ذلك اللفظ لا يحتمل غير ذلك المعنى.
? الوجه الثاني ـ وهو القاصم ـ: أنّ هذه الألفاظ أكثر ما جاءت في القرآن في غير الطلاق، مثل قوله: .. إذا نكحتم المؤمنات ثمّ طلّقتموهنّ من قبل أن تمسّوهنّ فما لكم عليهنّ من عدّة تعتدّونها فمتعوهنّ وسرّحوهنّ..[الأحزاب: 49]، فهذا بعد التطليق البائن الذي لا عدّة فيه؛ أمر بتسريحهنّ مع التمتيع، ولم يرد به إيقاع طلاق ثانٍ، فإنّه لا يقع، ولا يؤمر به وفاقاً، وإنّما أراد التخلية بالفعل، وهو رفع الحبس عنها، حيث كان النكاح فيه الجمع ملكاً وحكماً، والجمع حسّاً وفعلاً بالحبس، وكلاهما موجبه، وهما متلازمان، فإذا زال الملك؛ أمر بإزالة اليد، كما يقال في الأموال: الملك والحيازة. فالقبض في الموضعين تابع للعقد.. " إلى آخر ما ذكر الشيخ ـ ـ.
القاعدة السابعة: ( زيادة اللفظ في القرآن لزيادة المعنى، وقوّة اللفظ لقوّة المعنى )(1).
_
(1) مجموع الفتاوى: 16/ 537. وانظر: النبوّات: ص 381.

(1/49)


--------------------------------------------------------------------------------

هذه القاعدة ذكرها الشيخ ـ ـ عند حديثه عن وجه التكرار في سورة الكافرون، فذكر أنّ في ذلك قولين مشهورين، ثمّ قال بعد أن ذكرهما: " فإنّ القرآن له شأن اختصّ به، لا يشبهه كلام البشر ـ لا كلام نبيّ ولا غيره ـ وإن كان نزل بلغة العرب، فلا يقدر مخلوق أن يأتي بسورة، ولا ببعض سورة مثله. فليس في القرآن تكرار للفظ بعينه عقب الأوّل قطّ، وإنّما في سورة الرحمن خطابه بذلك بعد كلّ آية، لم يذكر متوالياً. وهذا النمط أرفع من الأوّل. وكذلك قصص القرآن ليس فيها تكراراً كما يظنّه بعضهم.. "
" وكذلك ما يقوله بعضهم إنّه قد يعطف الشيء لمجرّد تغاير اللفظ، كقوله:
فألفى قولها كذباً وميناً
فليس في القرآن من هذا شيء، ولا يذكر فيه لفظاً زائداً إلا لمعنى زائد، وإن كان في ضمن ذلك التوكيد. وما يجيء من زيادة اللفظ مثل قوله: فبما رحمة من الله لنت لهم [آل عمران: 159]، وقوله: عمّا قليل ليصبحنّ نادمين [المؤمنون: 40]، وقوله: قليلاً ما تذكّرون [النمل: 62]؛ فالمعنى مع هذا أزيد من المعنى بدونه، فزيادة اللفظ لزيادة المعنى، وقوّة اللفظ لقوّة المعنى، والضمّ أقوى من الكسر، والكسر أقوى من الفتح ... "(1).
القاعدة الثامنة: ( الكلام إذا اجتمع فيه شرط وقسم، وقُدّم القسم؛ سدّ جواب القسم مسدّ جواب الشرط )(2).
هذه القاعدة ذكرها الشيخ ـ ـ في معرض ردّه على النصارى المنكرين لرسالة نبيّنا محمّد ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ، وقد جاء ذكره لهذه القاعدة عرضياً، استطراداً منه ، فإنّه لما ذكر قوله تعالى: وإذ أخذ الله ميثاق النبييّن لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثمّ جاءكم رسول مصدّق لما معكم لتؤمننّ به ولتنصرنّه [ آل عمران: 81] قال:
_
(1) انظر: مجموع الفتاوى: 534- 538.
(2) الجواب الصحيح لمن بدّل دين المسيح: 2/ 120.

(1/50)


--------------------------------------------------------------------------------

" وهذه اللام الأولى تسمّى: اللام الموطّئة للقسم. واللام الثانية تسمّى: لام جواب القسم. والكلام إذا اجتمع فيه شرط وقسم، وقُدّم القسم؛ سدّ جواب القسم مسدّ جواب الشرط والقسم، كقوله تعالى: لئن أُخرجوا لا يخرجون معهم ولئن قوتلوا لا ينصرونهم ولئن نصروهم ليولنّ الأدبار ثمّ لا يُنصرون [الحشر: 12].. " وذكر آيات كثيرة من هذا النوع، ثمّ قال:
" ومثل هذا كثير، وحيث لم يُذكر القسم فهو محذوفٌ مرادٌ، تقدير الكلام: ( والله لئن أخرجوا لا يخرجون معهم، ووالله لئن قوتلوا لا ينصرونهم.. )، ومن محاسن لغة العرب أنّها تحذف من الكلام ما يدلّ المذكور عليه، اختصاراً وإيجازاً، لا سيما فيما يكثر استعماله، كالقسم..".

القاعدة التاسعة: ( الأصل إقرار الكلام على نظمه وترتيبه، لا تغيير ترتيبه )(1).
هذه القاعدة ذكرها الشيخ ـ ـ عند تفسيره لأوّل سورة الغاشية: هل أتاك حديث الغاشية * وجوه يومئذٍ خاشعة * عاملة ناصبة * تصلى ناراً حامية * تسقى من عين آنية [الغاشية: 1- 5]، فإنّه قال:
" فيها قولان، أحدهما: أنّ المعنى: وجوه في الدنيا خاشعة، عاملة، ناصبة، تصلى يوم القيامة ناراً حامية. ويعنى بها: عبّاد الكفار كالرهبان، وعبّاد اليهود، وربّما تؤوّلت في أهل البدع كالخوارج.
والقول الثاني أنّ المعنى: أنّها يوم القيامة، تخشع أي: تذلّ وتعمل وتنصب.. "
قال الشيخ ـ ـ: " قلت: هذا هو الحقّ لوجوه:
_
(1) مجموع الفتاوى: 16/ 218.

(1/51)


--------------------------------------------------------------------------------

? أحدها: أنّه على هذا التقدير يتعلّق الظرف بما يليه، أي: وجوه يوم الغاشية خاشعة عاملة ناصبة صالية. وعلى الأوّل لا يتعلّق إلا بقوله (تصلى )، ويكون قوله ( خاشعة ) صفة للوجوه، قد فصل بين الصفة والموصوف بأجنبيّ متعلّق بصفة أخرى متأخرة، والتقدير: ( وجوه خاشعة عاملة ناصبة يومئذٍ تصلى ناراً حامية )، والتقديم والتأخير على خلاف الأصل، فالأصل إقرار الكلام على نظمه وترتيبه، لا تغيير ترتيبه. ثمّ إنّما يجوز فيه التقديم والتأخير مع القرينة، أمّا مع اللبس فلا يجوز، لأنّه يلتبس على المخاطب، ومعلوم أنّه ليس هنا قرينة تدلّ على التقديم والتأخير، بل القرينة تدلّ على خلاف ذلك، فإرادة التقديم والتأخير بمثل هذا الخطاب خلاف البيان، وأمر المخاطب بفهمه تكليف لما لا يطاق..." إلى آخر ما ذكر الشيخ ـ ـ.

القاعدة العاشرة: ( " أَنْ " المفسّرة التي تأتي بعد فعل؛ من معنى القول، لا من لفظه)(1).
هذه القاعدة ذكرها الشيخ عند قوله تعالى: أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ.. [الشورى: 13]، قال ـ ـ:
( ثمّ قال: أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ..[الشورى: 13]، وهذا تفسير الوصيّة.
و" أَنْ " المفسّرة التي تأتي بعد فعل؛ من معنى القول، لا من لفظه، كما في قوله: ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ..[النحل: 123]، وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُواْ اللّهَ..[النساء:131]، والمعنى: قلنا لهم: اتّقوا الله. فكذلك قوله: ( أن أقيموا الدين )، في معنى: قال لكم: من الدين ما وصى به رسلاً، قلنا: أقيموا الدين ولا تتفرّقوا فيه. فالمشروع لنا هو الموصى به، والموحى، وهو أقيموا الدين. فأقيموا الدين مفسّر للمشروع لنا الموصى به الرسل، والموحى إلى محمّد.. ).
_
(1) مجموع الفتاوى: 1/ 12.

(1/52)


--------------------------------------------------------------------------------

القاعدة الحادية عشرة: ( حذف المضاف إليه يقارنه قرائن، فلا بدّ أن يكون مع الكلام قرينة تبيّن ذلك )(1).
هذه القاعدة ذكرها الشيخ عند قوله تعالى: فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَقِيلَ هَذَا الَّذِي كُنتُم بِهِ تَدَّعُونَ [الملك:27]، فذكر أنّ ( الضمير المفعول في ( رأوه ) عائد إلى الوعد، والمراد به الموعود، أي: فلمّا رأوا وُعدوا؛ سيئت وجوه الذين كفروا ).
ثمّ قال: ( ومن قال: إن الضمير عائد هنا إلى الله. فقوله ضعيف، وفساد قول الذين يجعلون المراد لقاء الجزاء دون لقاء الله معلوم بالاضطرار بعد تدبّر الكتاب والسنّة؛ يظهر فساده من وجوه:
o أحدها: أنّه خلاف التفاسير المأثورة عن الصحابة والتابعين.
o الثاني: أنّ حذف المضاف إليه يقارنه قرائن، فلا بدّ أن يكون مع الكلام قرينة تبيّن ذلك، كما قيل في قوله: وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا.. [يوسف:82]، ولو قال قائل: رأيت زيدًا، أو لقيته مطلقًا، وأراد بذلك: لقاء أبيه، أو غلامه؛ لم يجز ذلك في لغة العرب بلا نزاع. ولقاء الله قد ذُكر في كتاب الله وسنّة رسوله في مواضع كثيرة مطلقًا، غير مقترن بما يدلّ على أنّه أريد بلقاء الله لقاء بعض مخلوقاته من جزاء أو غيره ).
القاعدة الثانية عشرة: ( القراءة الشاذّة تجري مجرى خبر الواحد )(2).
هذه القاعدة ذكرها الشيخ عَرَضًا في موضوع قضاء رمضان، وهل يستحبّ التتابع في القضاء، فذكر الأثر المرويّ عن حميد بن قيس أنّه كان يطوف مع مجاهد، فجاءه إنسان يسأله عن صيام من أفطر في رمضان، أيتابع؟ فقال: لا. قال: فضرب مجاهد في صدري، ثمّ قال: إنّها قراءة أبيّ بن كعب: متتابعات .
لكن رجّح الشيخ أنّ هذا الحرف منسوخ تلاوته وحكمه.. وذكر الأدلّة على ذلك ...
_
(1) مجموع الفتاوى: 6/ 471.
(2) كتاب الصيام من شرح العمدة: 1/ 343.

(1/53)


--------------------------------------------------------------------------------

القاعدة الثالثة عشرة: ( العطف يقتضي مغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه، مع اشتراكهما في الحكم الذي ذُكر لهما )(1).
قال الشيخ ـ ـ:
( فصل: وعطف الشيء على الشيء في القرآن وسائر الكلام، يقتضي مغايرةً بين المعطوف والمعطوف عليه، مع اشتراك المعطوف والمعطوف عليه في الحكم الذي ذُكر لهما. والمغايرة على مراتب، أعلاها: أن يكونا متباينين ليس أحدهما هو الآخر، ولا جزأه، ولا يعرف لزومه له، كقوله: خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ..[الفرقان:59] ونحو ذلك، وقوله: وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ.. [البقرة:98]، وقوله: وَأَنزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ . مِن قَبْلُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَأَنزَلَ الْفُرْقَانَ.. [آل عمران: 3،4]، وهذا هو الغالب. ويليه: أن يكون بينهما لزوم، كقوله: وَلاَ تَلْبِسُواْ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُواْ الْحَقَّ.. [البقرة:42]، وقوله: وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ..[النساء:115]، وقوله: وَمَن يَكْفُرْ بِاللّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ..[النساء:136]، فإنّ من كفر بالله، فقد كفر بهذا كلّه، فالمعطوف لازم للمعطوف عليه. وفي الآية التي قبلها المعطوف عليه لازم، فإنّه من يشاقق الرسول من بعد ما تبيّن له الهدى، فقد اتّبع غير سبيل المؤمنين. وفي الثاني نزاع. وقوله: وَلاَ تَلْبِسُواْ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُواْ الْحَقَّ.. [البقرة:42] هما متلازمان، فإنّ من لبس الحق بالباطل، فجعله ملبوسًا به؛ خفي من الحقّ بقدر ما ظهر من الباطل، فصار ملبوسًا، ومن كتم الحقّ، احتاج أن يقيم موضعه باطلاً، فيلبس الحقّ بالباطل، ولهذا كان كلّ من كتم من أهل الكتاب ما أنزل الله، فلا بدّ أن يُظهر باطلاً ).
_
(1) مجموع الفتاوى: 7/ 172. وانظر: 16/ 127.

(1/54)


--------------------------------------------------------------------------------

القاعدة الرابعة عشرة: ( العطف تارة يكون لتغاير الذوات، وتارة لتغاير الصفات )(1).
هذه القاعدة ذكرها الشيخ في معرض ردّه على النصارى المحتجّين بما ورد في السفر الثاني من التوراة، أنّ الله كلّم موسى قائلاً: ( أنا إله إبراهيم، وإله إسحاق، وإله يعقوب )، قالوا: وتكرار ( إله ) لتحقّق مسألة الثلاث أقانيم في لاهوته..
قال الشيخ ـ ـ: ( والجواب: أنّ الاحتجاج بهذا على الأقانيم الثلاثة، من أفسد الأشياء، وذلك يظهر من وجوه.. ).
فذكر الوجهين الأوّلين، ثمّ قال:
(
_
(1) الجواب الصحيح: 3/ 459.

(1/55)


--------------------------------------------------------------------------------

الوجه الثالث: أنّ العطف يكون تارة لتغاير الذوات، وتارة لتغاير الصفات، كقوله تعالى: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى.الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى.وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى.وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى.فَجَعَلَهُ غُثَاء أَحْوَى [الأعلى: 1- 5]، وكذلك قوله: إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ..[البقرة: 133]، وهو هو سبحانه. وقال إبراهيم الخليل ـ صلوات الله عليه وسلامه ـ لقومه: قَالَ أَفَرَأَيْتُم مَّا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ. أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ. فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِّي إِلا رَبَّ الْعَالَمِينَ. الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ. وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ. وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ. وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ. وَالَّذِي أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ[الشعراء:75- 82]، والذي خلقه هو الذي يطعمه ويسقيه، وهو الذي يميته ثمّ يحييه. فقوله في التوراة: ( إله إبراهيم وإله إسحاق وإله يعقوب ) هو من هذا الباب، ولا يختصّ هذا بثلاثة، بل يقال في الاثنين، والأربعة، والخمسة، بحسب ما يقصد المتكلّم ذكره من الصفات، وفي هذا من الفائدة ما ليس في قوله: إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب. فإنّه لو قيل ذلك، لم يفد إلا أنّه معبود الثلاثة، لا يدلّ على أنّهم عبدوه مستقلّين، كلّ منهم عبده عبادة اختصّ بها، لم تكن هي نفس عبادة الأوّل ).

القاعدة الخامسة عشرة: ( المعطوف إذا تقدّم اسمًا، كان عطفه على القريب أولى، كما أنّ عود الضمير إلى الأقرب أولى، إلا إذا كان هناك دليل يقتضي العطف على البعيد )(1).
هذه القاعدة ذكرها الشيخ عند تفسير سورة الناس، فإنّه ذكر قول الزجّاج في قوله تعالى: مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ إلى آخر السورة، أنّ المعنى: من شرّ الوسواس الذي هو الجِنّة، ومن شرّ الناس. فضعّف الشيخ هذا القول لوجهين:
_
(1) مجموع الفتاوى: 17/ 512.

(1/56)


--------------------------------------------------------------------------------

? أحدهما: أنّ الوسواس الخنّاس إن لم يكن إلا من الجِنّة فلا حاجة إلى قوله: من الجِنّة ومن الناس، فلماذا يخصّ الاستعاذة من وسواس الجِنّة دون وسواس الناس؟.
? الثاني: أنّه إذا تقدّم المعطوف اسمًا، كان عطفه على القريب أولى، كما أنّ عود الضمير إلى الأقرب أولى، إلا إذا كان هناك دليل يقتضي العطف على البعيد، فعطف الناس هنا على الجِنّة المقرون به، أولى من عطفه على الوسواس ).

القاعدة السادسة عشرة: ( الضمير يعود إلى القريب إذا لم يكن هناك دليل على خلاف ذلك )(1).
هذه القاعدة ذكرها الشيخ عند قوله تعالى: .. اذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ فَأَنسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ [يوسف:42]، قال ـ ـ:
( قيل: أُنسي يوسف ذكر ربّه لمّا قال: ( اذكرني عند ربّك ).
وقيل: بل الشيطان أنسى الذي نجا منهما ذكر ربّه. وهذا هو الصواب، فأنّه مطابق لقوله: ( اذكرني عند ربّك )، قال تعالى: ( فأنساه الشيطان ذكر ربّه )، والضمير يعود إلى القريب إذا لم يكن هناك دليل على خلاف ذلك، ولأنّ يوسف لم ينس ذكر ربّه، بل كان ذاكرًا لربّه... )(2).

القاعدة السابعة عشرة: ( الضمير يجب عوده إلى جميع ما تقدّم ذكره، فإن تعذّر عوده إلى الجميع؛ أُعيد إلى أقرب المذكورين، أو إلى ما يدلّ دليل على تعيينه )(3).
_
(1) مجموع الفتاوى: 15/ 112.
(2) الراجح ـ والله تعالى أعلم ـ أنّ الآية محتملة للقولين جميعاً، وهذا من بلاغة القرآن وحسن بيانه، وقد فصّلت القول في ذلك في رسالتي للدكتوراه: ( اختيارات ابن تيمية وترجيحاته في التفسير/ جمعًا ودراسة.. ) فلتراجع.
(3) مجموع الفتاوى: 31/ 147.

(1/57)


--------------------------------------------------------------------------------

هذه القاعدة ذكرها الشيخ في باب الوقف، ولم يذكر لها مثالاً من القرآن الكريم، ولعلّ أوضح مثال لها، قوله تعالى: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ . إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ النور: 4، 5]،


الكتاب : القَوَاعِدُ الحِسَان من كلام شيخ الإسلام أحمد بن تيمية تعالى

جمعها ورتّبها واستخرج أمثلتها: د. محمّد بن عبد العزيز المسند