بسم الله الرحمن الرحيم



الفوائد الدعوية


من


سورة الشعراء


من آية 38- 51

إعداد: عبدالرحمن جويل
تمهيد: عرض الآيات :

بسم الله الرحمن الرحيم

ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ [الشعراء: ٣٨ – ٥١].

الوقفة الأولى


اجتماع المناوئين لدين الله على محاربة الدعوة

قال تعالى: ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ وكما في سورة الأعراف:ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ [الأعراف: ١١١ - ١١٢ ]، وفي يونس:ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ [يونس: ٧٩ ]، وفي طه: ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ [طه: ٦٠]، وفي الشعراء: ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ [الشعراء: ٣٦ – ٣٧].
قال ابن كثير: "جاء السحرة، وقد جمعوهم من أقاليم بلاد مصر، وكانوا إذ ذاك أسحر الناس وأصنعهم وأشدهم تخييلا في ذلك، وكان السحرة جمعًا كثيرًا، وجمًا غفيرًا، قيل: كانوا اثني عشر ألفًا. وقيل: خمسة عشر ألفًا. وقيل: سبعة عشر ألفًا وقيل: تسعة عشر ألفًا. وقيل: بضعة وثلاثين ألفًا. وقيل: ثمانين ألفًا. وقيل غير ذلك، والله أعلم بعدتهم"([1]).
وجاؤوا مرتبين باستعلاء واستكبار ليواجهوا دعوة موسى فقد قالوا لبغضهم:ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ [طه: ٦٤].
فهذا الجمع كله لمحاربة دين الله ولكن الله تعالى بشر بهزيمتهم بقوله: ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ [القمر: ٤١– ٤٥ ]، وهي سنة باقية إلى قيام الساعة.

الوقفة الثانية


ضرورة مخاطبة كل الناس بالدعوة

قال تعالى: ﭽ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ أي: استحثوا الناس على الحضور من كافة أنحاء البلاد ([2])، فنودي بعموم الناس بالاجتماع في ذلك اليوم الموعود([3]).
"فقوله: ﰉ ﰊ ﰋ فالاستفهام مستعمل في طلب الإسراع بالاجتماع بحيث نزلوا منزلة من يسأل سؤال تحقيق عن عزمه على الاجتماع، والتعريف في للاستغراق العرفي، وهم ناس بلدة فرعون"([4]).
وهذا الجمع بهذا العدد الكبير يمكن مخاطبته في هذا العصر بوسائل كثيرة كالفضائيات والمذياع والمجلات والجرائد، وهذه الوسائل يستخدمها أعداء الله، فالواجب على المسلمين أن يستخدموها بضوابطها الشرعية ليقوموا بإيصال الدعوة لكل الناس.




الوقفة الثالثة


لا بد من اختيار الوقت المناسب للدعوة وإقامة الحجة

قال تعالى: ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ "والميقات : ما وُقت به ، أي : حُدّ من زمان ومكان . ومنه : مواقيت الحج"([5]).
وهذا الوقت هو المذكور في قوله تعالى: ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ [طه: ٥٨ – ٥٩]."وهو يوم الزينة، الذي يتفرغون فيه من أشغالهم"([6]).
فهذا الوقت هو يوم إجازتهم فالكل سيحضر ولن يتخلف أحد سواء من السحرة أو من الناس.




الوقفة الرابعة


لا بد لكل اجتماع من هدف

قال تعالى عنه قول قوم فرعون:ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗﭘ
ذكر العلماء أهداف كثيرة لهذا الجمع الكبير، تتنوع من حيث الآتي:
أولاً: أهداف فرعون في جمع السحرة كلهم: جمع فرعون وملأه السحرة للمكر والحيلةلموسى ، فليس غرضهم إتباع السحرة، وإنما الغرض الكلي ألا يتبعوا موسى، فكلامهم حمل لهم على الاهتمام والجد في المغالبة ([7])، لأن قوم فرعون كانوا على دين فرعون، فغير معقول أن يقول من كان على دين: أنظر إلى حجة من هو على خلافي لعلي اتبع ديني، وإنما يقال: أنظر إليها كي ازداد بصيرة بديني، فأقيم عليه ([8]).
فقد نادوا الناس أن اجتمعوا لتنظروا غلبة السحرة لموسى، وأنهم ماهرون في صناعتهم، فنتبعهم، ونعظمهم، ونعرف فضيلة علم السحر([9]).
ثانياً: أهداف جمع الناس عند موسى :
كان هدف جمع الناس عند موسى ليظهر حجته عليهم عند الخلق العظيم ([10]). لأنه يعلم أن حجة الله هي الغالبة، وحجة الكافرين هي الداحضة، وفي ظهور حجة الله بمجمع من الناس زيادة في الاستظهار للمحقين ، والانقهار للمبطلين ([11]).
يقول الشيخ السعدي:"وهذا من لطف الله أن يري العباد، بطلان ما موه به فرعون الجاهل الضال، المضل أن ما جاء به موسى سحر، فجمعوا ليظهر الحق على الباطل، ويقر أهل العلم وأهل الصناعة، بصحة ما جاء به موسى، وأنه ليس بسحر([12]).
ثالثاً: أهداف جمع الناس عند السحرة أنفسهم:
قال تعالى: ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ [الشعراء: 41- 42].
"ابتدءُوا بطلب الجزاء، وهو إما المال وإما الجاه فلبا لهم ذلك وأكّده بقوله: ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ فنهاية مطلوبهم البذل ورفع المنزلة"([13])، "وفي هذا إغراء كبير لهم على أن يبذلوا أقصى جهدهم في الانتصار على موسى "([14]).
"وسؤالهم عن استحقاق الأجر إدلال بخبرتهم وبالحاجة إليهم إذ علموا أن فرعون شديد الحرص على أن يكونوا غالبين وخافوا أن يسخرهم فرعون بدون أجر فشرطوا أجرهم من قبل الشروع في العمل ليقيدوه بوعده"([15])..
"وهكذا ينكشف الموقف عن جماعة مأجورة يستعين بها فرعون؛ تبذل مهارتها في مقابل الأجر الذي تنتظره؛ ولا علاقة لها بعقيدة ولا صلة لها بقضية، ولا شيء سوى الأجر والمصلحة . وهؤلاء هم الذين يستخدمهم أعداء الإسلام دائماً في كل مكان وفي كل زمان .
فها هم أولاء يستوثقون من الجزاء على تعبهم ولعبهم وبراعتهم في الخداع، وها هو ذا فرعون يعدهم بما هو أكثر من الأجر . يعدهم أن يكونوا من المقربين إليه " ([16]).
فيجب أن يكون عند الداعية بصيرة بما يجمع وبما يجمع له، ويعرف أهداف أعدائه وطرقهم، وأن يخلص نيته وأهدافه الدعوية كلها لله .




الوقفة الخامسة


غرور أهل الباطل بباطلهم وعدم طلبهم الحق

قال تعالى عن قول ملأ فرعون: ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗﭘ
"فلم يكن لفرعون وملأه شك في أن السحرة غالبون. وهذا شأن المغرورين بهواهم عن النظر في تقلبات الأحوال أنهم لا يفرضون من الاحتمالات إلا ما يوافق هواهم"([17])،"وكان ذلك ثقة من فرعون بالظهور، وطلباً أن يكون بمجمع من الناس حتى لا يؤمن بموسى أحد منهم"([18]).
"وقال قائلهم: ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗﭘ ولم يقولوا: نتبع الحق سواء كان من السحرة أو من موسى، بل الرعية على دين ملكهم"([19]).
"فلو وفقوا للحق، لقالوا: لعلنا نتبع المحق منهم، ولنعرف الصواب ([20]).

الوقفة السادسة


إقامة الحجة

قال تعالى: ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ [الشعراء: 43].
وإقامة الحجة كانت بعدد من الأمور:
أولاً: الوعظ قبل المناظرة:
"لما اجتمع السحرة للموعد، هم وموسى، وأهل مصر، وعظهم موسى وذكرهم وقال: ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ [طه: ٦١ ].فتنازعوا وتخاصموا ثم شجعهم فرعون، وشجع بعضهم بعضا، قال تعالى: ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ [طه: ٦٢ – ٦٣].
ثانياً: اطمئنان موسى لما معه من الحق:
فـ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ أي: ألقوا كل ما في خواطركم إلقاؤه، ولم يقيده بشيء دون شيء، لجزمه ببطلان ما جاءوا به من معارضة الحق" ([21]).
فيشير قول موسى "منذ البدء إلى اطمئنان موسى إلى الحق الذي معه؛ وقلة اكتراثه لجموع السحرة المحشودين من المدائن، المستعدين لعرض أقصى ما يملكون من براعة، ووراءهم فرعون وملؤه ، وحولهم تلك اللأمم المضللة المخدوعة. يتجلى هذا الاطمئنان في تركه إياهم يبدؤون "([22]).
قال ابن عاشور: "وفي كلام موسى استخفاف بما سيلقونه لأنه عبر عنه بصيغة العموم، أي ما تستطيعوه إلقاءه"([23]).
ثالثاً: أمره السحرة بإظهار كيدهم ليفسده:
قال تعالى في مواضع أخرى: ﭝ ﭞ ﭟﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ [طه: ٦٦]، وكذلك: ﯝ ﯞﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ [الأعراف: ١١٦]، وكذلك ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ [يونس: ٨٠].
" قَصْدُ موسى بذلك قَصْدٌ حسن يستوجبه المقام، لأن إلقاءهم قبله يستلزم إبراز ما معهم من مكائد السحر، واستنفاد أقصى طرقهم ومجهودهم. فإذا فعلوا ذلك كان في إلقائه عصاه بعد ذلك وابتلاعها لجميع ما ألقوا من إظهار الحق وإبطال الباطل ما لا جدال بعده في الحق لأدنى عاقل. ولأجل هذا قال لهم: ، فلو ألقى قبلهم وألقوا بعده لم يحصل ما ذكرنا، والعلم عند الله تعالى"([24]).
"فلم يبادر موسى بإلقاء عصاه أولاً لأن المسألة مسألة علم لا مسألة حرب ففي الحرب تنفع المبادرة بافتكاك زمام المعركة، وأما في العلم فيحسن تقديم الخصم، فإذا أظهر ما عنده كر عليه بالحجج والبراهين فأبطله وظهر الحق وانتصر على الباطل، وهذا الأسلوب الذي اتبع موسى بإلهام من ربه تعالى"([25]) .
قال الشوكاني: " ولم يكن ذلك من موسى أمراً لهم بفعل السحر ، بل أراد أن يقهرهم بالحجة ، ويظهر لهم أن الذي جاء به ليس هو من الجنس الذي أرادوا معارضته "([26]).




الوقفة السابعة


الشرك بالله والاغترار بالنفس سبب الهزيمة

قال تعالى عن السحرة:ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ
قال السحرة بعد إلقائهم لعصيهم، لما رأوها تتحرك وتقبل وتُدبر : ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ، قالوا ذلك؛ لفرط اعتقادهم في أنفسهم، وإتيانهم بأقصى ما يمكن أن يؤتى به من السحر، أقسموا بعزته وقوته ، وهو من أيمان الجاهلية([27]).
"أقسموا بعزة فرعون على أنهم يغلبون ثقة منهم باعتقاد ضلالهم أن إرادة فرعون لا يغلبها أحد لأنها إرادة آلهتهم"([28])..
"فاستعانوا بعزة عبد ضعيف، عاجز من كل وجه، إلا أنه قد تجبر، وحصل له صورة ملك وجنود، فغرتهم تلك الأبهة، ولم تنفذ بصائرهم إلى حقيقة الأمر، أو أن هذا قسم منهم بعزة فرعون والمقسم عليه، أنهم غالبون"([29]).
"وأرادوا بذلك إلقاء الخوف في نفس موسى ليكون ما سيلقيه في نوبته عن خور نفس لأنهم يعلمون أن العزيمة من أكبر أسباب نجاح السحر وتأثيره على الناظرين" ([30]).




الوقفة الثامنة


تأييد الله تعالى الحق بالمعجزات الحقيقية

قال تعالى: ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ [الشعراء: ٣٨ – ٥١].
"وقعت المفاجأة المذهلة التي لم يكن يتوقعها كبار السحرة؛ فلقد بذلوا غاية الجهد في فنهم الذي عاشوا به وأتقنوه؛ وجاءوا بأقصى ما يملك السحرة أن يصنعوه . وهم جمع كثير . محشود من كل مكان . وموسى وحده ، وليس معه إلا عصاه . ثم إذا هي تلقف ما يأفكون؛ واللقف أسرع حركة للأكل . وعهدهم بالسحر أن يكون تخييلاً ، ولكن هذه العصا تلقف حبالهم وعصيهم حقاً . فلا تبقي لها أثراً . ولو كان ما جاء به موسى سحراً، لبقيت حبالهم وعصيهم بعد أن خيل لهم وللناس أن حية موسى ابتلعتها. ولكنهم ينظرون فلا يجدونها فعلاً"([31]).




الوقفة التاسعة


الإسلام دين الحق ودين الفطرة

قال تعالى: ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ
فقوله تعالىﮈ ﮉ ﮊ أي "أنهم لاندهاشهم وما بهرهم من الحق ألقوا بأنفسهم على الأرض ساجدين لله تعالى مؤمنين به ، فسئلوا عن حالهم تلك فقالوا: ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ "([32])، إنهم سجدوا لله تعالى " من غير تلعْثم ولا تردد، غير متمالكين لأنفسهم؛ لعلمهم بأن ذلك خارج عن حدود السحر، وأنه أمر إلهي، يدل على تصديق موسى . فلما خروا سجوداً ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ : فدفع توهم إرادة فرعون؛ لأنه كان يدعي الربوبية ، فأرادوا أن يعزلوه منها "([33]).
"وكان هذا أمرا عظيما جدًا، وبرهانًا قاطعًا للعذر وحجة دامغة، وذلك أن الذين استنصر بهم وطلب منهم أن يغلبوا، قد غلبوا وخضعوا وآمنوا بموسى في الساعة الراهنة، وسجدوا لله رب العالمين، الذي أرسل موسى وهارون بالحق وبالمعجزة الباهرة، فَغُلِبَ فرعون غَلبًا لم يشاهد العالم مثله..فالقبط أرادوا أن يطفئوا نور الله بأفواههم، فأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون. وهذا شأن الكفر والإيمان، ما تواجها وتقابلا إلا غلبه الإيمان، ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚﮛ [الأنبياء:18]، ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ [الإسراء:81]" ([34]).




الوقفة العاشرة


الهداية بيد الله تعالى والله تعالى لا يعجزه شيء

قال تعالى: ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ [الشعراء: ٣٨ – ٥١].
إن القلب البشري لعجيب غاية العجب إذ أن السحرة "في أول النهار كانوا سحرة كفرة وفي آخره مؤمنون بررة"([35])، فصدق رسول الله إذ يقول: (إن قلوب بني آدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرفه حيث يشاء.. اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك)([36]).
"فهم قد كانوا منذ لحظة مأجورين ينتظرون الجزاء من فرعون على مهارتهم، ولم يكونوا أصحاب عقيدة ولا قضية. ولكن الحق الذي مس قلوبهم قد حولهم تحويلاً . لقد كانت هزة رجتهم رجاً، ووصلت إلى أعماق نفوسهم وقرارة قلوبهم، فأزالت عنها ركام الضلال، وجعلتها صافية حية خاشعة للحق، عامرة بالإيمان.
في لحظات قصار إذا هم يجدون أنفسهم ملقين سجداً تتحرك ألسنتهم، فتنطلق بكلمة الإيمان على مرأى ومسمع من الجماهير الحاشدة ومن فرعون وملئه، لا يفكرون فيما يعقب جهرهم بالإيمان في وجه فرعون من عواقب ونتائج، ولا يعنيهم ماذا يفعل أو ماذا يقول"([37]).




الوقفة الحادي عشر


عناد الكافرين

قال تعالى: ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ وقال في الأعراف: ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫﭬ ﭭ ﭮ ﭯ [الأعراف:123] .
"لا بد أن كان لهذا الانقلاب المفاجئ وقع الصاعقة على فرعون وملئه. فالجماهير حاشدة. ثم هاهم أولاء يرون السحرة يلقون ما يلقون باسم فرعون وعزته، ثم يغلبون حتى ليقرون بصدق موسى في رسالته، ويؤمنون برب العالمين، ويخلعون عنهم عبادة فرعون، وهم كانوا منذ لحظة جنوده الذين جاءوا لخدمته، وانتظروا أجره، واستفتحوا بعزته..ها هم أولاء يؤمنون والجماهير في ذلك الوقت تسير وراء الكهنة في معتقداتهم التي يلهونهم بها، فماذا يبقى لفرعون من سند "([38]).
"وهنا خاف فرعون تَفَلُتَ الزمام من يده وأن يؤمن الناس بموسى وهارون ويكفرون به فقال للسحرة: ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛﮜ أي كيف تؤمنون بدون إذني؟"([39]).
" فلم يأمن فرعون أن يقول قومه : إن هؤلاء السحرة على كثرتهم وبصيرتهم لم يؤمنوا إلا عن معرفة بصحة أمر موسى - - فيسلكون طريقهم ، فلبَّس على القوم وبالغ في التنفير عن موسى فقال لهم ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ أي أنه لما كان أستاذكم تواطأتم معه على الغلب فأظهرتم أنه غلبكم، تمويهاً وتضليلاً للناس "([40]).
" فهذا تعريض منه بأنهم فعلوا ذلك عن مواطأة بينهم وبين موسى، ليظهروا أمر موسى، وإلا ففي قوة السحر أن يفعلوا مثل ما فعل، وهذا شبهة قوية في تنفير من قَبِلَ"([41]).
قال ابن كثير: "وهذه مكابرة يعلم كل أحد بُطلانها، فإنهم لم يجتمعوا بموسى قبل ذلك اليوم، فكيف يكون كبيرهم الذي أفادهم صناعة السحر؟ هذا لا يقوله عاقل([42]).
قال الشوكاني" وإنما اعترف له بكونه كبيرهم مع كونه لا يحبّ الاعتراف بشيء يرتفع به شأن موسى؛ لأنه قد علم كل من حضر أن ما جاء به موسى أبهر مما جاء به السحرة، فأراد أن يشكك على الناس بأن هذا الذي شاهدتم، وإن كان قد فاق على ما فعله هؤلاء السحرة، فهو فعل كبيرهم، ومن هو أستاذهم الذي أخذوا عنه هذه الصناعة، فلا تظنوا أنه فعل لا يقدر عليه البشر، وأنه من فعل الربّ"([43]).




الوقفة الثانية عشر


سنة الابتلاء وثبات المؤمنين

قال تعالى عن قول فرعون للسحرة: ﮢ ﮣﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ
"فقد جن جنون فرعون، فلجأ إلى التهديد البغيض بالعذاب والنكال، بعد أن حاول أن يتهم السحرة بالتآمر عليه وعلى الشعب مع موسى!
يقول: ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ قال ابن جرير: أي: "مخالفا في قطع ذلك منكم بين قطع الأيدي والأرجل، وذلك أن أقطع اليد اليمنى والرجل اليسرى، ثم اليد اليسرى والرجل اليمنى([44])، ثم قال: ﮪ ﮫ أي: "فلا أبقي منكم أحداً إلا أشده على خشبة حتى يموت مصلوباً "([45])، ووكد ذلك بـ إعلاما منه أنه غير مُسْتَبْقٍ منهم أحدا"([46]).
ولكن ماذا كان من أهل الإيمان من هذا التهديد:
قال تعالى: ﮭ ﮮ ﮯﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ
وقال تعالى في سورة طه: ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ [طه: ٧٢].
قال ابن كثير:" ﮮ ﮯﮰ أي: لا حرج ولا يضرنا ذلك ولا نبالي به ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ أي: المرجع إلى الله، وهو لا يضيع أجر مَنْ أحسن عملا ولا يخفى عليه ما فعلت بنا، وسيجزينا على ذلك أتم الجزاء؛ ولهذا قالوا: ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝأي: ما قارفناه من الذنوب، وما أكرهتنا عليه من السحر، ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ أي: بسبب أنا بادرنا قومنا من القبط إلى الإيمان" ([47]).
قال ابن جرير:" إنا نرجو أن يصفح لنا ربنا عن خطايانا التي سلفت منا قبل إيماننا به، فلا يعاقبنا بها، لأن كنا أوّل من آمن بموسى وصدقه بما جاء به من توحيد الله وتكذيب فرعون في ادعائه الربوبية في دهرنا هذا وزماننا"([48]).






قائمة المراجع

- أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن- محمد الأمين بن محمد المختار بن عبد القادر الجكني الشنقيطي -دار الفكر للطباعة و النشر و التوزيع بيروت – لبنان- الطبعة : 1415 هـ- 1995 مـ
- البحر المحيط- محمد بن يوسف الشهير بأبي حيان الأندلسي دار النشر : دار الكتب العلمية - لبنان/ بيروت - 1422 هـ - 2001 م- الطبعة : الأولى.
- البحر المديد - أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الإدريسي الشاذلي الفاسي أبو العباس- دار الكتب العلمية ـ بيروت - الطبعة الثانية / 2002 م ـ 1423 هـ
- التحرير والتنوير- محمد الطاهر بن عاشور - دار سحنون للنشر والتوزيع - تونس - 1997 م.
- تفسير السراج المنير- محمد بن أحمد الشربيني, شمس الدين- دار الكتب العلمية ـ بيروت.
- تفسير القرآن العظيم- أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي تحقق :سامي بن محمد سلامة- دار طيبة للنشر والتوزيع- الطبعة : الثانية 1420هـ - 1999 م.
- تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان- عبد الرحمن بن ناصر بن عبد الله السعدي - عبد الرحمن بن معلا اللويحق- مؤسسة الرسالة - الطبعة : الأولى 1420هـ -2000 م.
- جامع البيان في تأويل القرآن- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى : 310هـ)- تحقيق: أحمد محمد شاكر- مؤسسة الرسالة- الطبعة الأولى ، 1420 هـ - 2000 م.
- الجامع الصحيح المسمى صحيح مسلم- أبو الحسين مسلم بن الحجاج بن مسلم القشيري النيسابوري- دار الجيل بيروت + دار الأفاق الجديدة ـ بيروت.
- روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني- محمود الألوسي أبو الفضل- دار إحياء التراث العربي – بيروت.
- فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير- محمد بن علي الشوكاني.
- في ظلال القرآن- سيد قطب- دار الشروق- القاهرة- ط35(1425هـ- 2005م).
- اللباب في علوم الكتاب- أبو حفص عمر بن علي ابن عادل الدمشقي الحنبلي- دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان - 1419 هـ -1998 م- الطبعة : الأولى.

([1]) تفسير القرآن العظيم 6/140

([2]) أيسر التفاسير3/104.

([3]) تيسير الكريم الرحمن ص590.

([4]) التحرر والتنوير19/125.

([5]) البحر المديد5/247.

([6]) تيسير الكريم الرحمن ص590.

([7]) البحر المديد5/248 بتصرف.

([8]) جامع البيان19/347.

([9]) تيسير الكريم الرحمن591.

([10]) اللباب لابن عادل15/24.

([11]) فتح القدير5/307.

([12]) تيسير الكريم الرحمن ص590.

([13]) اللباب لابن عادل15/24.

([14]) أيسر التفاسير3/104.

([15]) التحرر والتنوير19/126.

([16]) في ظلال القرآن

([17]) التحرر والتنوير19/126.

([18]) فتح القدير4/142.

([19]) تفسير القرآن العظيم6/140.

([20]) تيسير الكريم الرحمن ص591.

([21]) تيسير الكريم الرحمن ص591.

([22]) في ظلال القرآن

([23]) التحرر والتنوير19/127.

([24]) أضواء البيان4/34.

([25]) أيسر التفاسير3/105.

([26]) فتح القدير4/143.

([27]) روح المعاني 19/78.

([28]) التحرر والتنوير19/127.

([29]) تيسير الكريم الرحمن ص519.

([30]) التحرر والتنوير19/ 127.

([31]) أيسر التفاسير3/105.

([32]) المصدر السابق.

([33]) البحر المديد5/249.

([34]) تفسير القرآن العظيم 6/140- 141 باختصار وتصرف.

([35]) السراج المنير3/43.

([36]) صحيح مسلم كتاب القدر باب تصريف الله تعالى القلوب كيف شاء برقم( 6921).

([37]) في ظلال القرآن5/347.

([38]) نفس المرجع السابق.

([39]) أيسر التفاسير3/105.

([40]) البحر المحيط 7/ 16.

([41]) السراج المنير3/35.

([42]) تفسير القرآن العظيم6/140.

([43]) فتح القدير5/308.

([44]) جامع البيان19/ 349.

([45]) أيسر التفاسير3/105.

([46]) جامع البيان19/ 349.

([47]) تفسير القرآن العظيم6/141.

([48]) جامع البيان 19/ 349.