الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين
وبعد؛ فإن علم تناسب سور وآيات وكلمات القرآن العظيم ومن أجل العلوم شأنا وأعظمها قدرا؛ إذ من خلاله يتبين أكثر فأكثر حسن تناسق وترابط هذا النص الوحيي والكلام الرباني وخروجه بالكلية عن الكلام البشري، وقد زادت عناية العلماء المتأخرين بهذا العلم الجليل بما فتح الله تعالى عليهم من خزائن علمه التي لا حد لها، فوجهوا أنظارهم إلى استنباط وجوه التناسب بين كلمات وآيات القرآن العظيم، فأحببت أن أقلدهم ـ وإن لم أساوي حثالة تراب أقدامهم ـ واقتفي أثرهم، وعزمت على استقراء جملة من التفاسير المخطوطة والمطبوعة واصطفاء المناسبات وسبكها مع الكلمات القرآنية لنفع نفسي ثم من شاء الله من بعدي، والمشروع يتضمن تتبع كل المناسبات في جميع السور والآيات بحسب تيسير الله تعالى وتوفيقه، لكني هنا أعرض ما استخرجته من وجوه التناسب في سيدة آي القرآن وأعظمها، وبالله تعالى التوفيق.

تَنَاسُبُ كَلِمَاتِ
آيَةِ الكُرْسِيِّ
جمعه من التفاسير الفقير إلى ربه الهادي
نزار بن علي حمادي

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَانِ الرَّحِيم

لَـمَّا جرت عادته في كريم النظم بذكر عِلْمِ التوحيد وهو المقصود الأعظم، وعلم الأحكام ليُتوَسَّل به إلى صالح العمل، وعلم القصص للمبالغة في إلزام الأحكام والتكاليف وتقرير دلائل التوحيد، وكانت هذه الطريقة أحسن الطرق وأكملها وأقومها؛ لأن الاستمرار على نوع واحد يفضي إلى الملالة، فذكر جملة من عِلْم الأحكام والقصص، وأمر بالإنفاق قبل إتيان اليوم الموعود الذي لا تنفع فيه خلة ولا شفاعة، التفتت النفس إلى معرفة من هو المالك لذلك اليوم الخالي عن نفع شفاعة فيه إلا بإذنه، فذكر آية الكرسي سيدة آي القرآن التي ما اشتمل القرآن على مثلها، مفتتحا لها بالاسم العَلَم الفرد الجامع لصفات الجلال والإكرام، فقال : ﴿الذي هو الملك الحقّ في ذلك اليوم، لا ملك غيره حقيقةً ولا حكمًا.

وَلَـمَّا ميّز ذاته بالاسم العلَم تخصيصًا، وعرّف عبادَه بعنوانه تنصيصًا، أثبت له صفات الكمال، منزَّها عن شوائب النقص، مفتتحًا لها بالتفرد والتنزه والتوحد، فقال: ﴿ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ مقرِّرا لكمال التوحيد؛ فإنه المقصود الأعظم من جميع الشرائع.

وَلَـمَّا أثبت توحيد ذاته المقدَّسة، أثبت استحقاقَه لذلك لحياتِه، إشارة إلى نفي إلهية الأصنام والكواكب وغيرها، فقال : ﴿ومعناه الباقي أبدًا، كما هو القديمُ أزَلا، الدائمُ وجودُه، الذي لا سبيل عليه بوجهٍ ولا طريق إليه بحال للموتِ الـمُذْهِب للحياة والـمُقتَضِي للعدَم، ولا هو قابل لعروض الفناء والزوال؛ لاستحالة ذلك عليه عقلا؛ إذ لو أمكن أن يلحقه العدَمُ لانْتَفى عنه القِدَمُ، والقدمُ واجِبٌ له، فاستحال منافيه؛ لأنّ ما ثبت قِدَمُه استحال عدمهُ.

وَلَـمَّا أثبت الحياة لذاته، ترقى لوصف القيومية فقال : ﴿ ﮩﮪ ومعناه القائم بذاته، الـمُستَغْنِي عن الـمَحلِّ والمخصِّصِ، المقيمُ لغيره بما يُصلِحُه ويَحفَظُ عليه أحوالَه اللائقة به وأعرِاضه الـمُمدَّة له في جميع آنات وجودِه، فقيامه بذاته مستلزم لجميع الكمالات والتنزهِ عن سائر وجوه النقص، وتقويمُه لغيره يتضمَّنُ جميع الصفات الفعلية، وافتقارَ كل ما سواه إليه ، فمن ثم قيل: إنه الاسم الأعظم.

ولَـمَّا وصف الحقُّ نفسَه القدسية بحياته الأزلية المتعالي بها عن الموت الأكبر، وقيوميته السرمدية المتعالي بها عن العجز والافتقار، عقب ذلك بتنزيهها عن الغفلة بنفي سببها النومي الذي هو الموت الأصغر، فقال : ﴿ ﮫ ﮬ بوَجْهٍ ولا تنالُه بحالٍ﴿وهو ما يتقدم النومَ ويَسبِقُه من الفتور المقتضي رخوًا في البدن وغيبةً ما للمشاعر، ﴿ ﮮ ﮯوهو الحالة العرَضية الفتورية التي تعرض للحيوان العاقل وغيره المقتضية له توقُّفَ مشاعره الإدراكية الظاهرة ـ كالسمع والبصر ـ عن الإحساس وتعطلَّها بالكلية.
وبرهان استحالة اعتراء شيء منهما له أنهما ليسا من شأن ذاته العلية وصفاته القدسية؛ وذلك لقِدَمِها وتعاليها عن النقص والتغيُّرِ والحدوث، ولكون السِّنَة والنوم آفَةٌ، والحقُّ متعال عن الآفات؛ وقد قال ﷺ: «إِنَّ الـلَّهَ لَا يَنَامُ، وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنَامَ.» ولو نام نقص، ولو نقص افتقر، ولو افتقر وجب حدوثُه، وكل ذلك محال في حقه لأنه الكامل القيوم الغنيُّ بإطلاق.

وَلَـمَّا احتاج المقام لمزيد تقرير، وإيضاحٍ للدليل وتحرير، قال زيادةً في تقرير القيُّومية، واحتجاجًا على تفرُّدِه في الألوهية، واختصاصِه بعموم التصرُّف في العوالم العلوية والسفلية: ﴿ لا لغيره ﴿ ﯓ ﯔ ﯕ بالمعنى الشامل للعلويات كلها من عَرْشٍ وكرسِيٍّ وغيرهما، ﴿ ﯖ ﯗ ﯘﯙ بالمعنى الشامل لكل السفليات بما فيها من العقلاء وغيرهم من حيوان وجماد، فهو تقريرٌ على أكمل الوجوه وأبلغها لقيوميته وتدبيره تعالى للكل، واحتجاج منه على تفرُّدِه في الألوهية المشار إليها في أوَّل الآية الكريمة بالنفي عن غيره وقصرها عليه .

وَلَـمَّا كان المشركون يزعمون أنّ الأصنام تشفع لهم عند الله، فيقولون: (ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ)([1]) ، (ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ) ([2])، رَدَّ عليهم بأن الأصنام لا تملك ذلك، بل ولا مَلَكٌ مقرَّب ولا نبِيٌّ مُرسَل إلا بأمره، فقال : ﴿ﯚ ﯛ ﯜ أي: لا أحد ﴿ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠﯡ وفي هذا بيان منه لكبرياء شأنه وعظيم ملكوته وجلاله، فلا يدانيه أحد ـ فضلا عن أن يساويه ـ في ألوهيته وعظيم كبريائه، ولا يقدر غيرُه على تغيير الأمر الذي يريدُه بمن استوجبَ العذاب والإذلال والخزي والنكال، ولا يستطيعه بحال، فضلا من أن يدافعه أو يمنعه من إنزاله به.

وَلَـمَّا استلزم ذلك كله حيطة عِلْمِه تعالى بكل معلوم، صرَّح بما يدل على ذلك مطابقةً فقال : ﴿ أزَلا وأبدًا﴿ﯣ ﯤ ﯥ أي: ما قبلهم﴿ ﯦ ﯧﯨ أي: وما يأتي بعدهم، ويعلم أمور الدينا كلها وأمور الآخرة بأسرها، وفي هذا إشارة باهرة إلى إحاطة عِلْمِه بسائر المخلوقات من جميع الجهات.

وَلَـمَّا بيّن قَهْرَه لهم بعِلْمِه، بيَّن عَجْزَهم عن إدراك شيء من معلومِه، إلا ما أفاض عليهم بحِلْمِه، فقال : ﴿ﯩ ﯪتجدُّدًا واستمرارًا ﴿ قليل ولا كثير﴿ ﯬ ﯭ بمعنى من معلوماته، سواء الوجودية أو العدمية، التي أحاط بها كلها علمُه الأزلي ﴿ﯮ ﯯ ﯰﯱ أن يعلموه ويَقِفُوا على حقيقته، فإنهم يعلمونه ويحيطون به بإحداثِه لهم علمَ ذلك فيهم، وإيقافِهم على حقيقته وفْقَ نافذ مشيئته.

وَلَـمَّا أعجزهم عما ذُكِرَ دون مشيئته، وبيّن انفراده بالوَحدة، وتفرُّدَه بالألوهية، بيَّن ما في هذه الجملة من إحاطة عِلْمه وتمام قدرته بِقَوْلَهٍ مُصَوِّرًا لعظمته وتمام عِلْمِه وكبريائه وقدرته بما اعتادَه الناس في ملوكهم فقال : ﴿ﯲ ﯳ الشامل، وكشفه العلمي الإحاطي الكامل﴿بأسرها ﴿ﯵﯶ كلها، بحيث لا يشذ شيء منها عنه، ولا يعزب عن كشفه الأزلي جزء منها ولو قلّ، ﴿ﯷ ﯸ ولا يثقله ولا يعجزه﴿ﯹﯺ أي حفظ ورعاية السموات والأرض وما انطوتا عليه وما أودع فيهما؛ إذ لو أثقله ذلك لاختل أمرهما ولم يستقم نظامهما فلا يتم إحكامهما، وهو خلاف المشاهدة.

وَلَـمَّا كان علوُّه تعالى وعظمته بالقهر والسلطان والإحاطة العلمية بالكمال غير منحصر فيما مرّ، بين أنّ ذلك أمر ذاتيٌّ له حاصل أزلا قبل وجود سائر المخلوقات، ومستمر أبدًا بعد فنائهم، وليس علوُّه عارِضًا مستمَدًّا من قَهْرِه لجميع الكائنات، فقال : ﴿مع ذلك كله ﴿الذي لا رتبة إلا وهي منحطة عن رتبته، المتعالي أزلا وأبدًا تعاليا ذاتيا، المرتفع عن مدراك العقول ونهايتها في ذاته وصفاته وأفعاله، فليس كذاته ذات، ولا كصفاته صفات، ولا كفعله فِعْلٌ، وهو ﴿ ﯽ ﯾالذي كل ما سواه بالنسبة إليه مستحقَر، لا رتبة له قياسا إلى عظمته، إذ عظمته ذاتية، وغيرها عارِضَة زائلة فانية.

([1]) يونس: ١٨

([2]) الزمر: ٣