قراءة في كتاب:
الشورى في حمى الديمقراطية للشيخ المفضل الفلواتي تعالى
بقلم: محمد البويسفي
لقد عرف الشيخ الفقيد المفضل الفلواتي تعالى بغزارة إنتاجاته الفكرية والثقافية، وعرف بحيويته ونشاطه الدعوي المتميز، فقد كانت له حرقة كبيرة على أمته وعلى الحال الذي وصلت إليه من التردي والضعف والتبعية، لذلك كان لا يفتر – - عن الدعوة والجهاد بالكلمة والقلم، سواء في جريدة المحجة الغراء أو في مجلة الهدى أو في إصداراته وكتبه التي تميزت بالعمق والتنوع، فقد شملت مجالات شتى: تربوية دعوية، ثقافية اجتماعية، فكرية وإعلامية، وقد تميز ، تعالى، بروح شبابية حماسية حتى آخر لحظة في حياته، وهذا تجلى في كتاباته وأنشطته الدعوية. كما تميز بدروسه وكتاباته في السيرة النبوية وحياة الصحابة، فكان من المتخصصين فيها بل مرجعا فيها على المستوى الوطني.
ومن الكتب التي كتبها كتاب: " الشورى في حمَى الديمقراطية" وهو الحلقة الثانية من سلسلة: نظرات في فقه الدعوة، طبع سنة 2002م، بمطبعة آنفو برانت بفاس.
أما سبب تأليفه لهذا الكتاب فهي الغيرة على حال المسلمين مع الشورى واستبدالها بالديمقراطية حتى صار البعض يؤصل ويقعد للديمقراطية على أنها بديل عن الشورى أو هي الشورى نفسها، كما فعل المنهزمون فكريا عندما تحدثوا عن الشيوعية الإسلامية أو الرأسمالية لإسلامية والتعددية الحزبية الإسلامية، إلى غير ذلك من المصطلحات التي تخلط بين المفاهيم البشرية وبين شرع الله القويم. ومن شأن هذا الخلط المفاهيمي أن يٌحدث خللا في الفكر الإسلامي ويشله ويعجزه عن التميز، وهذا الخلل إن استوطن الأفكار وتمكن من النفوس فأنه يصيب الأمة في الصميم وتحتاج لسنوات للشفاء منه، وسبب هذا الخلط المفاهيمي هو العجز عن الاستقلال بالذات الإسلامية في كل شيء، والاستعداد للذوبان في الآخر، مما ينتج عنه محو الشخصية والهوية الإسلامية ويكون ذلك بيد المسلمين أنفسهم.
ونبه تعالى على أن:
الالتقاء الحاصل بين الشورى والديمقراطية في بعض النقاط لا يجعل أبدا الشورى أبدا هي الديمقراطية، لأن الشورى دين يتعبد الله بها الحاكم عند الاستشارة، وعند الخضوع لنتائجها ويتعبد الله بها المحكوم عندما يعطي الرأي لله وحده.[1]
وفرق بين أن يقبل المسلمون الدخول في مشروع الآخر كمرحلة انتقالية، وبين التأصيل للديمقراطية، ويعطي مثالا على ذلك: نظام الإجارة والحماية أو ما يسمى حاليا باللجوء السياسي كان معمولا به في النظام الجاهلي قبل البعثة، مثال حماية وإجارة ابن الدغنة لأبي بكر الصديق ، وصار يمارس حقه الديني بكل حرية، ولكن عندما أراد ابن الدغنة أن يقيد حريته التعبدية ويشترط عليه أداء الصلاة وقراءة القرآن سرا داخل بيته رفض أبو بكر، وقال رددت عليك جوارك ورضيت بجوار الله، فأبو بكر دخل في مشروع الآخر ونظامه برؤيته وتصوره هو، ر برؤية وتصور المجير[2].
مفهوم الشورى :
في تعريفه للشورى يقول تعالى بأنها طلب أهل الرأي والمشورة لأخذ لرأيهم في المسائل التي فيها وجوه الصواب ، وهذا يقتضي أن المبادرة اكون من المسؤولين والقياديين على أي مستوى كانوا، وفي أي موضوع كان، لا فرق في ذلك بين المواضيع السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية.. فهي بصفة عامة: حركة العقل الإنساني في تعرٌف المصالح سواء بطلب من الأفراد أو من الأمة أو من الحاكم[3]
حكم الشورى:
يرى بأنها واجبة على المسلمين بالكتاب والسنة وعمل الخلفاء الراشدون، مما يدل على وجوبها وعدم الترخص فيها.
موضوع الشورى:
يؤكد أن الشورى لا تشمل المواضيع الآتية:
- العقيدة وعلى رأسها الإيمان بوجود الله تعالى مشرعا وحاكما، وعلى هذا فلا مجال لجعل تطبيق شريعة الله محل للشورى
- العبادة فلا يمكن التشاور في عدد الصلوات وأوقاتها أو غير ذلك مما هو معلوم من الدين يالضرورة
- الأخلاق: فلا مشاورة في التزام الصدق والعدل والوفاء بالعهد والإحسان والحياء..
- المناكر والمفاسد: التي لا شبهة في تحريمها، فلا مشاورة في تحريم الكذب والظلم والزنا والخمر والربا والاستبداد والرشوة واستغلال النفوذ والإلحاد والردة[4]
مجالات الشورى :
- مجال التسخير للكون واكتشاف ما أودعه الله تعالى فيه من خيرات وكنوز.. وهذا مجال واسع يستغرق كل العلوم التي أوكل الله لعقل الإنسان التكفل بها، التي تحتاج إلى تخطيط وتوجيه، ولا يتم ذلك إلا بالشورى الكفيلة بتكييف التوجه العلمي في هذه الميادين نحو الوجهة الصحيحة المحققة لروح المصلحة العام للإنسان[5].
- مجال الوسائل: حيث مجال العقل والرأي والشورى للتفكير في تلك الوسائل والتخطيط لها عن طريق الشورى والاجتهاد الجماعي للنهوض للأمة المتميزة بأهدافها ووسائها.
- مجال تقنين التعزير والتأديب: حيث إن هناك مجالا مفتوحا للاجتهاد في تحديد كثير من العقوبات التي لا نص فيها، حسب تقدير المجتهد، وهنا دور الشورى في التخطيط لكيفية تكوين المجتهدين والخبراء والفقهاء والقضاة واختيار أصلح البرامج وأفضل الوسائل لحماية الأمة[6].
بين الشورى والديمقراطية:
في هذا الفصل يبين تعالى ظروف نشأة الديمقراطية الغربية، وخلفياتها الإيديولوجية ونظرتها الكونية والإنسانية وخطرها على الدين والعقل والمجتمع مثل قبولها للشذوذ الجنسي والقمار..، ويبين وسبب انبهار المفكرين العرب بها، ويعتبر أن الشورى أعم من الديمقراطية لأنها تشمل على مزايا الديمقراطية ومكاسبها، وتزيد عليها بالعصمة من مزالقها، لأن التشريع الرباني يتصف بالكمال ويتصف التشريع البشري بالقصور.
فيؤكد على أن الشورى تشريع رباني، وأنها بصفتها هذه نزلت وحيا من السماء لها مجالاتها وحدودها وقيودها، فلا شورى في القطعي الدلالة من الكتاب والسنة، وإنما مجالاها الظني الدلالة وجميع الوسائل المحققة للمقاصد الإسلامية. ثم أن مكاسب الديمقراطية جاءت في الإسلام على شكل أوامر بالمعروف ونواه عن المنكر، لا يصح إسلام المرء إلا بالتزامها، مثل تحريم دم المسلم وماله وعرضه، وتحريم الربا والاحتكار والتبذير لحفظ الأموال والأخلاق، وتحريم الظلم في المجال السياسي وتحريم الفاحشة بكل أنواعها في المجال الاجتماعي[7]..
وهكذا نجد الشيخ تعالى يحدد مجال الديمقراطية فيما هو غير منصوص عليه شرعا وما هو ظني الدلالة، ويضع لها ضوابط تتلخص في التقيد بمقاصد الشريعة لحفظ الكليات الخمس للإنسان: دينه ونفسه وعقله وعرضه وماله، يجعل لها غايات هي إحسان التعبد لله تعالى بإعطاء الرأي وتقبله وتنفيذه.
ليخلص في النهاية إلى الأمة ليست في حاجة إلى الكفاح من أجل تحقيق الديمقراطية، بل إلى الجهاد النفسي والسياسي والأدبي والعلمي والإعلامي والفكري لتطبيق الإسلام عن اقتناع، وعلى رأس ذلك الشورى في مجالاتها المتعددة.
الكتاب رغم صغر حجمه فهو عميق في أفكاره، وهو لبنة في البناء وشحذ الهمم أكثر منه كتاب في الرد على الخصوم، ينطلق المؤلف تعالى من غيرته على أمته وعلى دينه وشريعته التي كان يتوق لرؤيتها مطبقة على أرض الواقع، فطبع الكتاب بروح تأصيلية للمفاهيم حتى يبقى الفكر الإسلامي صافيا خلوا من كل دخيل، مع رفضه لأنصاف الحلول أو المداهنة في شرع الله تعالى، وهذا ما يتجلى أكثر في خاتمة الكتاب حيث يوصي تعالى المسلمين بقوله:
- أرجو من المتحمسين للديمقراطية أن يتعاملوا معها خارجيا، تعامل المضطر الذي أباح الله تعالى له أكل الميتة، فتلك رخصة للمضطر وحده في زمن محدد هو زمن الاضطرار، وأن الرخصة لا يمكن أن تنقلب إلى عزيمة، كما أن الميتة لا يمكن أن تصبح حلالا.
- أرجو من المشتغلين بالدعوة أن يشطبوا نهائيا على الديمقراطية في التعامل الداخلي لمختلف التنظيمات والجمعيات المنتمية للإسلام، لأن ذلك لا عذر فيه لأحد عند الله تعالى، زيادة على أن تلك الميادين هي مجالات تدريب على اختيار الرجل الصالح في المكان المناسب بالمقاييس الإسلامية التي لا تراعي فيها إلا وجه الله تعالى[8].
رحم الله تعالى الفقيد وجعل كتاباته ودروسه في ميزان حسناته يوم القيامة، وأسأل الله تعالى أن يجعلنا نسير على دربه لا مبدلين ولا مغيرين حتى نلقى الله تعالى وهو راض عنها. والحمد لله رب العالمين.
[1] نفس المصدر ص 3

[2] نفسه ص5

[3] ص 8-9

[4] نفسه ص 13 -14

[5] ص 15

[6] ص 16

[7] ص 35

[8] ص 55