الاستطراد في القرآن الكريم
هذا موضوع دقيق ومهم جداً وذو شجون ، ويحتاج إلى دراسة مستقلة ومستفيضة لأهميته ، وقد قلَّ الاعتناء به حقاً من المنتمين للدراسات القرآنية ، وحري بنا أن نعتني به ، وسأشير بعض الإشارات اللطيفة في هذا الموضوع لعلها تكون سبباً لإثراء الموضوع .
الاستطراد هو: المضي في المعنى السابق والزيادة عليه ، ومنه قوله تعالى : يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَىَ ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (26) سورة الأعراف ، وهذه الآية واردة على سبيل الاستطراد تذكر قصة إغواء الشيطان لآدم وزوجه فأكلا من الشجرة فبدت لهما سوءاتهما ، عقب ذكر بدوّ السوءات وخصف الورق عليهما إظهاراً للمنة فيما خلق من اللباس ، ولما في العري وكشف العورة من المهانة والفضيحة والصفة البهيمية ، وإشعاراً بأن الستر باب عظيم من أبواب التقوى.
وخرَّج السيوطي في كتابه معترك الأقران قوله تعالى : لَّن يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْداً لِّلّهِ وَلاَ الْمَلآئِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَن يَسْتَنكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيهِ جَمِيعًا (172) سورة النساء ، على أنه استطراد لأول الكلام الذي فيه الرد على النصارى الزاعمين بنوَّة المسيح ، والعرب الزاعمين بنوَّ الملائكة .
وهناك أسباب تكون سبباً في الربط التي تكون من الآيات وحدة موضوعية ظاهرة أو خفية لفظية أو معنوية ، وقد يتبادر إلى الذهن أنَّ هذه الروابط إذا اطَّردت في كل الآيات فإنَّ ذلك يعني أنَّ كلَّ سورة مسوقة لموضوع واحد يبدأ الكلام فيه ببداية السورة ولا ينقطع إلا بتمامه وهو ما يلاحظ خلافه في القرآن الكريم .
وجواب ذلك أنَّ في القرآن الكريم حسن التخلُّص وهو التدرج في الانتقال من موضوع إلى آخر حتى لا يشعر السامع بتغير الموضوع إلا بعدَ أن يجد نفسه في موضوع جديد ، وله في ذلك سلاسة وبراعة حتى قيل إنَّ حسن التخلُّص من الاستطراد أو هما متلازمان لا يكادان يفترقان وذلك لدقة التمييز بينهما ، والفرق بين التخلص والاستطراد أنك في الأول تترك الموضوع الذي كنت فيه نهائياً ، أما الثاني فإنك تعود إليه بعد أن تذكر ذكراً خاطفاً ما استطردت فيه وكأنك لم تقصده .
وفى الاستطراد تمرّ بذكر الأمر الذى استطردت إليه مروراً كالبرق الخاطف ، ثم تتركه وتعود إلى ما كنت فيه كأنك لم تقصده ، وإنما عرض عروضاً.
وقد قالوا إن في قوله تعالى : اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاء وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (35) سورة النــور ، خمس تخلُّصات عجيبة كما أشار إلى ذلك الزركشي في البرهان ، وقد يكون الانتقال من موضوع إلى آخر تنشيطاً للسامع وتجديداً للحديث ، وقد يفصل بينهما بـ (هذا) كقوله تعالى في سور ص :هَذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ بعدَ ذكر الأنبياء أراد سبحانه أن يذكر الجنة ففصل بينهما بـ(هذا) ، وبعدها أراد تعالى ذكر النار فقال تعالى بعد ذكر الجنة هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ ثم ذكر النار وأهلها أعاذنا الله منها .
وقد قيل إن (هذا) من الفصل الذي هو أحسن من الوصل وهي علاقة وكيدة بين الخروج من الكلام إلى آخر .
والاستطراد له صلة وثيقة في معرفة مناسبات الآيات وهو أن تنظر في الغرض الذي سيقت له السورة وما يلزم ذلك من مقدمات تتدرج في قربها من الموضوع حتى تدخل فيه وما يلزم تلك المقدمات من متممات ومعانٍ تستشرف نفس السامع والقارىء إليها بحيث يكون إيرادها شفاء لغليل ذلك الاستشراف لأنَّ ذلك أوكد في التأثير على السامع والقارىء ، وأخذاً لطيفاً لعقله ووجدانه وكذلك النظر فيما يستلزم الخروج من الموضوع من حسن التخلص والتدرج بينه وبين الموضوع الذي من خلاله يتوصل إلى سر ذلك الاستطراد ووجه المناسبة ، وكما قلت إنَّ هذا الموضوع ذو شجون وعلينا أن نعتني به جيداً ، والله أعلم .