أهمية هذا التفسيرالمبارك وشدة الحاجة إليه

الحمد لله الذي علم القرآن ، خلق الإنسان علمه البيان، وصلى الله وسلم على المبعوث إلينا بأوضح حجة وأكمل برهان،وأستعين وأتوكل على ربي وإلهي ومولاي الرحمن.

أما بعد:
قال الإمام المؤرخ عماد الدين بن كثير صاحب التفسير المشهور:
"في يوم الاثنين ثاني المحرم درس الشيخ الامام تقي الدين بن تيمية الحراني بدارالحديث وكان درسا هائلا، وقد كتبه الشيخ تاج الدين الفزاري بخطه لكثرة فوائده، وكثرة ما استحسنه الحاضرون. وقد أطنب الحاضرون في شكره على حداثة سنه وصغره، فإنه كان عمره إذ ذاك عشرين سنة وسنتين، ثم جلس الشيخ تقي الدين يوم الجمعة عاشر صفر بالجامع الاموي بعد صلاة الجمعة على منبر قد هيئ له لتفسير القرآن العزيز، فابتدأ من أوله في تفسيره".
وفي هذا قال مؤرخ الإسلام الذهبي : "وخضع العلماء لحسن درسه،وحضره قاضي القضاة بهاء الدين، والشيخ تاج الدين،ووكيل بيت المال زين الدين،وزين الدين المنجا، وجماعة، وجلس بجامع دمشق على كرسي أبيه، يوم الجمعة عاشر صفر، وشرع في تفسير القرآن من الفاتحة".
قال ابن كثير:"وكان يجتمع عنده الخلق الكثير، والجم الغفير،من كثرة ما كان يورد من العلوم المتنوعةالمحررة، مع الديانة والزهادة والعبادة،سارت بذكره الركبان في سائرالأقاليم والبلدان،واستمرعلى ذلك مدة سنين متطاولة!".
ولقد قال ابن رجب :" فكان يورد من حفظه في المجلس نحو كراسين أو أكثر، وبقي يفسر في سورة نوح عدة سنين"..
لقد كان الشيخ الجليل بحق، آية من آيات الله في التفسير!. قال ابن سيد الناس :" لم تر عين من رآ مثله، ولا رأت عينه مثل نفسه، كان يتكلم في التفسير،فيحضر مجلسه الجم الغفير،ويردون من بحر علمه العذب النمير، ويرتعون من ربيع فضله في روضة وغدير".
ولقد كان هذا هو الهدف المنشود بإذن الله ،من هذا التفسير المبارك: وهو أن أرتوي منه ويرتوي معي كل ظامىء إلى علم هذا الحبر البحر؛ وإلى علم تلميذه العلامة المفيد ابن القيم، الذي كان أيضا بحق مفسرا فذا، قل نظيره..
ولذلك عزمت،مستعينا بالله، وعليه توكلت،أن أجمع ما تفرق في ثنايا كتبهما من التفاسير القيمة، مع العلم أن هذا العمل يحتاج، ولا شك،الى جهد ووقت كبيرين، ولكن يهونه علينا إن شاءالله ،أن أحب العمل الى الله أدومه وإن قل..
ولذلك فلن يفت في عضدنا ضخامة هذا العمل،ما دمنا في ما يحبه الله،وسنقوم مرة بعد مرة،بإذن الله تعالى،بعرض مايسره الله من تفاسيرهما،ولواستمر الأمر على ذلك مدة سنين متطاولة! كما كان يعرضه صاحبه وأرضاه على محبيه ومريديه..
وقد رأيت أن يكون أول ما أخطه في هذا العمل هو تفسير فاتحة الكتاب وأم القرآن تبركا بهذه السورة المباركة، مع العلم أن ذلك مسبوق بحديث الإمامين عن فضائلها ،كما لهما مباحث قيمة حول هذه السورة، سندرجها بإذن الله في الوقت المناسب، كما أنه لابد أن نتعرف على مكانة هذين المفسرين في هذا العلم،كما بينها العارفون المعتمد على كلامهم، والمرجوع الى أقوالهم في هذاالشأن،وهو نقد الرجال،سواء منهم من كان معاصرا لهما، أو قريبا من عصرهما،أوكان بعيدا.
ولإن علم التفسير-وإن كان علما قائما بنفسه- هو يرتبط بالعلوم الأخرى، لحاجة المفسر إليها،فهي أدوات له، فكلما غاص فيها المفسر،وتمكن منها،كلما علا قدره في هذا العلم،وسما فيه شأنه،فإننا سنذكر من ذلك مايعيننا على بلوغ المقصود بإذن الله
والله أسأل أن يعين على إخراجه على الوجه الأكمل ويجعله خالصا لوجه .. وإني لأرجو من ساداتنا العلماء أولي الرأي السديد وأساتذتنا الأجلاء وعموم القراء الأفاضل أن يمدونا بما لديهم من رأي سديد وقول حكيم يفيد في إتمامه على الوجه الذي يليق به فإنه لمطلب عزيز وغاية حميدة وأمنية غالية أن يكون لدينا تفسير شامل لكتاب الله لهذين الإمامين الجليلين والله المستعان..


( ملحوظة: من طبيعة هذا الموضوع أنه متجدد باستمرار وستنضاف اليه المزيد من المباحث والتفسيرات القيمة بإذن الله! )



مكانة هذين الإمامين الجليلين في علم التفسير:

شيخ الإسلام ابن تيمية:

قال عنه مؤرخ الإسلام،الحافظ أبو عبدالله الذهبي في المعجم المختص:" الإمام العلامة الحافظ الحجة فريد العصر بحر العلوم كان إماما متبحرا في علوم الديانة صحيح الذهن سريع الإدراك سيال الفهم كثير المحاسن".
وترجمه في معجم شيوخه بترجمة طويلة منها قوله:" شيخنا وشيخ الإسلام،وفريد العصر علما ومعرفة وذكاء وتنويرا إلهيا ونصحا للأمة.. سمع الحديث، وأكثر بنفسه من طلبه وكتابته،وخرج ونظر في الرجال والطبقات فقل من يحفظ ما يحفظ من الحديث معزوا إلى أصوله وصحابته مع شدة استحضاره له وقت إقامة الدليل. وفاق الناس في معرفة الفقه واختلاف المذاهب و فتاوى الصحابة والتابعين ".
ومثل هذا المعنى ذكره أيضا ابن عبد الهادي عن الذهبي قال:"وأما نقله للفقه ومذاهب الصحابة والتابعين فضلا عن المذاهب الأربعة فليس له فيه نظير".
وذكره ابن سيد الناس فقال:"كاد يستوعب السنن والآثار حفظا".
وقال الذهبي أيضا في معجم شيوخه:"أتقن العربية أصولا وفروعا وتعليلا واختلافا ونظر في العقليات وعرف أقوال المتكلمين ورد عليهم ونبه على خطأهم وحذر ونصر السنة بأوضح حجج وأبهر براهين وهو أكبر من أن ينبه على سيرته مثلى فلو حلفت بين الركن والمقام لحلفت أني ما رأيت بعيني مثله وأنه ما رأى مثل نفسه"
وقال الحافظ أبو الحجاج المزي : "ما رأيت مثله ولا رأى هو مثل نفسه وما رأيت أحدا أعلم بكتاب الله وسنة رسوله ولا أتبع لهما منه".
وقال له ابن دقيق العيد وقد اجتمع به:" ما كنت أظن أن الله بقى يخلق مثلك".
وقال عنه الإمام السيوطي :"المجتهد،المفسرالبارع، برع في الرجال، وعلل الحديث، وفقهه، وفي علوم الإسلام، وكان من بحورالعلم، ومن الأذكياء المعدودين".
ونظرا لبراعته في هذه العلوم كلها،ومهارته فيها، قال عنه المؤرخ الذهبي :"أعجوبة الزمان، بحر العلوم، حبر القرآن".
كيف لايكون كذلك؟ وهو الذي: " قرأ القرآن، والفقه، وناظر، واستدل، وهو دون البلوغ. وبرع في العلم، والتفسير، وأفتى،ودرس، وهو دون العشرين!!"، كما أورد ذلك الحافظ ابن حجر عن الذهبي.
وقال الذهبي أيضا في موضع آخر:" كان يحضر المدارس والمحافل في صغره ويناظر ويفحم الكبار ويأتي بما يتحير منه أعيان البلد في العلم فأفتى وله تسع عشرة سنة بل أقل وشرع في الجمع والتأليف من ذلك الوقت".
لاعجب إذن،إن تحير فيه أعيان بلده،وعلماء عصره،وقد رأو نبوغه منذ صغره. قال العلامة كمال الدين بن الزملكاني:" كان إذا سئل عن فن من العلم،ظن الرائي والسامع أنه لا يعرف غير ذلك الفن،وحكم أن أحدا لا يعرفه مثله،ولا يعرف أنه تكلم في علم من العلوم سواءأكان من علوم الشرع أم غيرها إلا فاق فيه أهله والمنسوبين إليه!!".
وقال الذهبي :"ولفرط إمامته في التفسير، وعظم اطلاعه،يبين خطأ كثير من أقوال المفسرين،ويوهي أقوالا عديدة،وينصر قولا واحدا،موافقا لما دل عليه القرآن والحديث".
وقال أيضا:" وله من استحضار الآيات من القرآن - وقت إقامة الدليل بها على المسألة - قوة عجيبة.وإذا رآه المقرئ تحير فيه".
وقال أيضا :" وما رأيت أسرع انتزاعا للآيات الدالة على المسألة التي يوردها منه؛وكان آية من آيات الله في التفسير والتوسع فيه".
وقال عنه الحافظ ابن رجب :"كان ،فريد دهره في فهم القرآن".
وتحدث عنه الذهبي أيضا فقال:"حصل ما لم يحصله غيره،وبرع في تفسير القرآن،وغاص في دقيق معانيه،بطبع سيال،وخاطر وقاد،إلى مواضع الإشكال ميال،واستنبط منه أشياء لم يسبق إليها".
وفي هذا يقول عن نفسه :"قد فتح الله علي في هذا الحصن، في هذه المرة من معاني القرآن، ومن أصول العلم بأشياء، كان كثير من العلماء يتمنونها، وندمت على تضييع أكثر أوقاتي في غير معاني القرآن!".
وخلاصة القول فيه ،أنه كان كما ذكر ابن سيد الناس:" إن تكلم في التفسير فهو حامل رايته"، أو كما ذكر المؤرخ الذهبي الذي قال:
"وأما التفسير فمسلم إليه"وقال:"ومعرفته بالتفسير إليها المنتهى".

لاشك إذن أن ما تركه لنا هذا الإمام الكبير من التفسير كنز لا يقدر بثمن!

العلامة الإمام ابن القيم:

أما الإمام العلامة ابن القيم ، فقد كان تلميذ شيخ الإسلام، ولزمه منذ مرجعه الى الشام وحتى وفاته، أي مدة ستة عشر عام. وكان كثير اقتفاء أثره، شديد الإقتداء به،"حتى كان لا يخرج عن شيءمن أقواله" كما قال الحافظ بن حجر حينما ذكرهما معا وأثنى عليهما أثناء حديثه عن تصانيف الإمام ابن القيم، التي تدل على علو منزلته العلمية فقال:"ولو لم يكن للشيخ تقي الدين من المناقب إلا تلميذه الشهير الشيخ شمس الدين بن قيم الجوزية،صاحب التصانيف النافعة السائرة التي انتفع بها الموافق والمخالف، لكان غاية في الدلالة على عظيم منزلته".
ولم يقل هذا الحافظ الكبير هذه الكلمة في العلامة ابن القيم ، إلا لعظم مكانته العلمية، والتي شهد له بها أكابر العلماء.
قال القاضي برهان الدين الزرعي عنه:"ما تحت أديم السماء أوسع علما منه".
وقال ابن كثير:"برع في العلوم المتعددة،لا سيما علم التفسير،والحديث،والأصلين، ولما عاد الشيخ تقي الدين بن تيمية من الديار المصرية لازمه إلى أن مات الشيخ،فأخذ عنه علما جما، فصار فريدا في بابه في فنون كثيرة".
وقال عنه الإمام السيوطي: " العلامة، صنف وناظر ، واجتهد ، وصار من الأئمة الكبار في التفسير، والحديث، والفروع، والأصلين، والعربية".
وقال عنه الحافظ ابن حجر : "صاحب التصانيف النافعة السائرة التي انتفع بها الموافق والمخالف"... "كان واسع العلم، عارفا بالخلاف ومذاهب السلف".
وقال ابن ناصر الدين الدمشقي:"الشيخ،الامام،العلامة،ش س الدين،أحد المحققين، علم المصنفين،نادرة المفسرين، له التصانيف الانيقة، والتآليف التي في علوم الشريعة والحقيقة. لازم الشيخ تقي الدين،وأخذ عنه علما جما، وكان ذا فنون من العلوم، وخاصة التفسير والاصول من المنطوق والمفهوم".
وقال الذهبي في المختصر:"عنى بالحديث ومتونه،وبعض رجاله.وكان يشتغل في الفقه ويجيد تقريره وتدريسه،وفي الأصلين".
وقال عنه ابن رجب:"الفقيه،الأصولي،المفسر،الن حوي،العارف،برع وأفتى،ولازم الشيخ تقي الدين وأخذ عنه.وتفنن في علوم الإسلام، وكان عارفا بالتفسير لا يجارى فيه، وبأصول الدين، وإليه فيهما المنتهى، والحديث ومعانيه وفقهه، ودقائق الاستنباط منه،لا يلحق في ذلك،وبالفقه وأصوله، وبالعربية، وتعلم الكلام،والنحو، وغير ذلك،له في كل فن من هذه الفنون اليد الطولى،ولا رأيت أوسع منه علما، ولا أعرف بمعاني القرآن والسنة وحقائق الإيمان منه".
فتأمل معي كيف شهد له هؤلاء العلماء بالنبوغ والرسوخ في سائر العلوم ولاسيما علم التفسير الذي أتقنه وبرع فيه.. فما أشد حاجتنا الى النهل والإستفادة من تفسيراته القيمة لكتاب الله تعالى.. وتأمل معي وفقك الله وجعلك من الراسخين في علم الكتاب والسنة عند تفسير الإمامين الجليلين لأم القرآن كيف كان الإمام ابن القيم كثير اقتفاء أثرشيخ الإسلام، شديد الإقتداء به،"حتى كان لا يخرج عن شيء من أقواله" كما قال الحافظ بن حجر ،وسنعمل بإذن الله تعالى على ملاحظة ذلك في سائر ما بقي من كتاب الله الى آخر سورة منه..
ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم.

انتقل الى هذا الرابط:
تفسير سورة الفاتحة وحديث الإمامين عن فضائلها.