اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة عبد الباسط بن يوسف الغريب مشاهدة المشاركة
الإمكان الذهني والإمكان الخارجي
إن الحمد لله, نحمده ونستعينه ونستغفره, ونعوذ بالله من شرور أنفسنا, وسيئات أعمالنا, من يهده الله فلا مضل له, ومن يضلل الله فلا هادي له, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له؛ وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أما بعد:
قال شيخ الإسلام : فإن الإمكان يستعمل على وجهين :
1- إمكان ذهني
2- وإمكان خارجي
فالإمكان الذهني أن يعرض الشيء على الذهن فلا يعلم امتناعه بل يقول يمكن هذا لا لعلمه بإمكانه بل لعدم علمه بامتناعه مع أن ذاك الشيء قد يكون ممتنعا في الخارج .
وأما الإمكان الخارجي فأن يعلم إمكان الشيء في الخارج وهذا يكون بأن يعلم وجوده في الخارج أو وجود نظيره أو وجود ما هو أبعد عن الوجود منه فإذا كان الأبعد عن قبول الوجود موجودا ممكن الوجود فالأقرب إلى الوجود منه أولى .
الرد على المنطقيين (318)
فملخص الفرق بين الإمكان الذهني و الإمكان الخارجي هو:أن الإمكان الذهني عدمي، حقيقته عدم العلم بالاستحالة و أما الإمكان الخارجي فهو وجودي راجع إلى وقوع عين الشيء أو وجود نظيره أو وجود ما هو أولى منه .
فساد إثبات الإمكان الخارجي بمجرد عدم العلم بالامتناع
قال شيخ الإسلام : والمقصود هنا أن الإمكان الخارجي يعرف بالوجود لا بمجرد عدم العلم بالامتناع كما يقوله طائفة منهم الآمدى إذا أرادوا واثبات إمكان أمر قالوا لو قدرنا هذا لم يلزم منه ممتنع فأن هذه القضية الشرطية غير معلومة فإن كونه لا يلزم منه محذور ليس معلوما بالبديهة ولا أقام عليه دليلا نظريا .
وأبعد من إثباته الإمكان الخارجي بالإمكان الذهني ما يسلكه طائفة من المتفلسفة والمتكلمة كابن سينا والرازي وغيرهما في إثبات الإمكان الخارجي بمجرد إمكان تصوره في الذهن كما أن ابن سينا وأتباعه لما أداروا إثبات موجود في الخارج معقول لا يكون محسوسا بحال استدلوا على ذلك بتصور الإنسان الكلي المطلق المتناول للأفراد الموجودة في الخارج وهذا إنما يفيد إمكان وجود هذه المعقولات في الذهن فإن الكلي لا يوجد كليا إلا في الذهن وهذا ليس مورد النزاع وإنما النزاع في إمكان وجود مثل هذا المعقول في الخارج وليس كل ما تصوره الذهن يكون موجودا في الخارج كما يتصور الذهن فأن الذهن يتصور ما يمتنع وجوده في الخارج كما يتصور الجمع بين النقيضين والضدين .
وقد تبعه الرازي على الاستدلال بهذا واستدل هو غيره على إمكان ذلك بأن قال يمكن أن يقال الموجود إما أن يكون مجانبا لغيره و إما أن يكون مباينا لغيره و إما أن لا يكون لا مجانبا لا مباينا فظنوا أنه بإمكان هذا التقسيم العقلى يستدل على إمكان وجود كل من الأقسام في الخارج وهذا غلط ؛ فإن هذا التقسيم كقول القائل الموجود إما أن يكون واجبا و إما أن يكون ممكنا وإما أن لا يكون واجبا ولا ممكنا وإما أن يكون قديما وإما أن يكون محدثا وإما أن لا يكون قديما ولا محدثا وإما أن يكون قائما بنفسه وإما أن يكون قائما بغيره وإما أن لا يكون قائما بنفسه ولا بغيره ,وأمثال ذلك من التقسيمات التي يقدرها الذهن ومعلوم أن هذا لا يدل على إمكان وجود موجود لا واجب ولا ممكن ولا قديم ولا حادث ولا قائم بنفسه ولا بغيره وكذلك ما تقدم فأين طرق هؤلاء في إثبات الإمكان الخارجي من طريقة القران .
الرد على المنطقيين (322)
وقال شيخ الإسلام : ومن قال إن الشيء ممكن فهذا يعنى به شيئان يعني به الإمكان الذهني والإمكان الخارجي فالإمكان الذهني هو عدم العلم بالامتناع وهذا ليس فيه إلا عدم العلم بالامتناع وعدم العلم بالامتناع غير العلم بالإمكان فكل من لم يعلم امتناع شيء كان عنده ممكنا بهذا الاعتبار لكن هذا ليس بعلم بإمكانه ومن استدل على إمكان الشيء بأنه لو قدر لم يلزم منه محال من غير بيان انتفاء لزوم كل محال كما يفعله طائفة من أهل الكلام كالآمدي ونحوه لم يكن فيما ذكره إلا مجرد الدعوى وأما الثاني وهو العلم بإمكان الشيء في الخارج فهذا يعلم بأن يعلم وجوده أو وجود نظيره أو وجود ما هو أقرب إلى الامتناع منه فإذا كان حمل البعير للقنطار ممكنا كان حمله لتسعين رطلا أولى بالإمكان وبهذه الطريقة يبين الله في القرآن إمكان ما يريد بيان إمكانه كإحياء الموتى والمعاد فإنه يبين ذلك تارة ببيان وقوعه كما أخبر أن قوم موسى قالوا لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتهم الصاعقة وهم ينظرون ثم بعثهم الله من بعد موتهم لعلهم يشكرون وكما أخبر عن المقتول الذي ضربوه بالبقرة فأحياه الله كما قال ...
والمقصود أن قول القائل هذا ممكن لا يحتاج إلى دليل لا يكفي في العلم بإمكانه عدم العلم بامتناعه والله سبحانه على كل شيء قدير والممتنع ليس بشيء باتفاق العقلاء وكل ما خلقه الله فلا بد أن يخلق لوازمه ويمتنع أضداده وإلا فيمتنع وجود الملزوم دون اللازم ويمتنع اجتماع الضدين وليس للعباد اطلاع على لوازم كل مخلوق ولا أضداده المنافية لوجوده فالجزم بإمكان وجوده بدون العلم بلوازمه وإمكانها وأضدادها وانتفائها جهل والله سبحانه قادر على تغيير ما شاءه من العالم وهو يشق السموات ويسير الجبال ويبسها بسا فيجعلها هباء منبثا إلى أمثال ذلك مما أخبر الله به كما يخلق سائر ما يخلقه بما ييسره من الأسباب .
الجواب الصحيح (6|404)
من المسائل التي ترتبت على الخلط بين الإمكان الذهني والخارجي
1- القول بإمكان وجود موجود خال عن أي وصف ثبوتي أو سلبي ؛ وهذا عند التحقيق لا يتعدى الذهن ولا حقيقة له في الخارج .
قال شيخ الإسلام : وقد علم بالاضطرار امتناع خلو الجواهر عن الأعراض وهو امتناع خلو الأعيان والذات من الصفات وذلك بمنزلة أن يقدر المقدر جسما لا متحركا ولا ساكنا ولا حيا ولا ميتا ولا مستديرا ولا ذا جوانب ولهذا أطبق العقلاء من أهل الكلام والفلسفة وغيرهم على إنكار زعم تجويز وجود جوهر خال عن جميع الأعراض وهو الذي يحكي عن قدماء الفلاسفة من تجويز وجود مادة خالية عن جميع الصور ويذكر هذا عن شيعة أفلاطون وقد رد ذلك عليهم أرسطو وأتباعه وقد بسطنا الكلام في الرد على هؤلاء في غير هذا الموضع وبينا أن ما يدعيه شيعة أفلاطون من إثبات مادة في الخارج خالية عن جميع الصور ومن إثبات خلاء موجود غير الأجسام وصفاتها من إثبات المثل الأفلاطونية وهو إثبات حقائق كلية خارجة عن الذهن غير مقارنة للأعيان الموجودة المعينة فظنوها ثابتة في الخارج عن أذهانهم كما ظن قدماؤهم الفيثاغورية أن العدد أمر موجود في الخارج بل وما ظنه أرسطو وشيعته من إثبات مادة في الخارج مغايرة للجسم المحسوس وصفاته وإثبات ماهيات كلية للأعيان مقارنة لأشخاصها في الخارج هو أيضا من باب الخيال حيث اشتبه عليه ما في الذهن بما في الخارج وفرق بين الوجود والماهية في الخارج .
الأصفهانية (104)
2- أن المعدوم شيء وهذا خلاف المحسوس والمعلوم إذ المعدوم في الحقيقة لاشيء .
قال شيخ الإسلام : وهؤلاء بنوا قولهم على أصلين فاسدين :
أحدهما أن أعيان الممكنات ثابتة في العدم كقول من يقول من أهل الكلام إن المعدوم شيء ثابت في العدم وهذا القول فاسد عند جماهير العقلاء .
وإنما حقيقة الأمر أن المعدوم يراد إيجاده ويتصور ويخبر به ويكتب قبل وجوده فله وجود في العلم والقول والخط وأما في الخارج فلا وجود له .
الجواب الصحيح (4|300)
----------------------

اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة محمد براء مشاهدة المشاركة
أحسن الله إليك .
ولدي مثال آخر :
وهو الممكنات التي جوزها الأشعرية على رب البرية في أفعاله ، فلو نظرنا فيها وجدنا أنها في الخارج ممتنعة مستحيلة عليه تعالى .
فقالوا : يجوز لله تعالى أن لا يخلق الخلق ، وإذا خلق فلم يكن ذلك واجباً عليه، وإذا خلقهم فله أن لا يكلفهم، وإذا كلفهم فلم يكن ذلك واجباً عليه ! .
وقالوا : ندعي أن الله تعالى إذا كلف العباد فأطاعوه لم يجب عليه الثواب، بل إن شاء أثابهم وإن شاء عاقبهم وإن شاء أعدمهم ولم يحشرهم، ولا يبالي لو غفر لجميع الكافرين وعاقب جميع المؤمنين، ولا يستحيل ذلك في نفسه ولا يناقض صفة من صفات الإلهية !.
وقالوا : إن لله تعالى أن يكلف العباد ما يطيقونه وما لا يطيقونه !
وقالوا : بعثة الأنبياء جائز، وليس بمحال ولا واجب !
قال شيخ الإسلام في النبوات (2/911-915) : " والتحقيق أن الرب يخلق بمشيئته وقدرته ، وهو موجب لكل ما يخلقه بمشيئته وقدرته ، ليس مُوجباً بمجرد الذات ، ولا موجباً بمعنى أن موجبه يقارنه ، فإن هذا ممتنع ، فهذان معنيان باطلان .
وهو قادر يفعل بمشيئته ، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن ، فما شاءه وجب كونه ، وما لم يشأه امتنع كونه ، ولهذا قال كثير من النظار : إن الارادة موجبة للمراد .
وعلى هذا : فقولنا : يجوز أن يكون ، ويجوز أن لا يكون ؛ إنما هو جواز الشيء بمعنى الشكِّ في أيهما هو الواقع ، وإلا ففي نفس الأمرِ أحدُهُما هو الواقع ، ليس في نفس الأمر ظنياً مُتردِّداً بين الوقوع وعدم الوقوع .
والإمكانُ الذِّهنيُّ قد يرادُ به عدم العلم بالامتناع ، وقد يراد به الشكُّ في الواقع ، وكلا النوعين عدمُ علمٍ .
والإمكان الخارجي يراد به أن وجوده في الخارج ممكنٌ لا ممتنع ،كولادة النساء ونبات الارض .
وأما الجزم بالوقوع وعدمه فيحتاج الى دليل ، وفي نفس الأمر ما ثم إلا ما يقع أو لا يقع ، والواقع لا بد من وقوعه ، ووقوعه واجبٌ لازم ، وما لا يقع فوقوعه ممتنعٌ ، لكن واجب بغيره ، وممتنع لغيره .
وهو واجب من جهات :
من جهة علم الرب من وجهين ، ومن جهة إرادته من وجهين ، ومن جهة كلامه من وجهين ، ومن جهة كتابته من وجهين ، ومن جهة رحمته ، ومن جهة عدله .
أما علمه : فما علم أنَّهُ سيكون فلا بد أن يكون ، وما علم أنه لا يكون فلا يكون .
وهذا مما يعترف به جميع الطوائف ، إلا من ينكر العلم السابق كغلاة القدرية الذين تبرأ منهم الصحابة .
ومن جهة أنه يعلم ما في ذلك الفعل من الحكمة ، فيدعوه علمه إلى فعله ، أو ما فيه من الفساد ؛ فيدعوه إلى تركه ، وهذا يعرفه من يُقرُّ بأنَّ العلم داع ، ومن يقر بالحكمة .
ومن جهة إرادته : فإنه ما شاء كان ، وما لم يشأ لم يكن .
ومن جهة حكمته : وهي الغاية المرادة لنفسها ، التي يفعل لأجلها ، فإذا كان مُريداً للغاية المطلوبة لزم أن يريد ما يُوجِبُ حصولها .
ومن جهة كلامه من وجهين : من جهة أنه اخبر به ، وخبره مطابق لعلمه .
ومن جهة أنه أوجبه على نفسه ، وأقسم ليفعلنه ، وهذا من جهة إيجابه على نفسه والتزامه أن يفعله .
ومن جهة كتابته إياه في اللوح ، وهو يكتب ما علم أن سيكون وقد يكتب إيجابه والتزامه ، كما قال : كتب الله لأغلبن أنا ورسلي وقال كتب ربكم على نفسه الرحمة
فهذه عشرة أوجه تقتضي الجزم بوقوع ما سيكون ، وأن ذلك واجب حتم لا بد منه .
فما في نفس الأمر جواز يستوي فيه الطرفان ؛ الوجود والعدم ، وإنما هذا في ذهن الإنسان لعدم علمه بما هو الواقع .
ثم من علم بعض تلك الأسباب علم الواقع ، فتارة يعلم لأنه أخبر بعلمه ، وهو ما أخبرت الأنبياء بوقوعه كالقيامة والجزاء ، وتارة يعلم من جهة المشيئة ، لأنه جرت به سنته الشاملة التي لا تتبدل ، وتارة يعلم من جهة حكمته ، كما قد بسط في غير هذا الموضع .
والحكمة والعدل والرحمة والعادة تعلم بالعقل ، كما قد عرف من حكمة الرب وعدله وسنته ،ويستدل بذلك على العلم والخبر والكتاب ، كما أن العلم والخبر والكتاب ، يُعلم بإخبار الأنبياء ويستدل بذلك على العدل والحكمة والرحمة .
والجهمية المجبرة لا تجزم بثبوت ولا انتفاء إلا من جهة الخبر أو العادة ، إذ كانوا لا يثبتون الحكمة والعدل والرحمة في الحقيقة ، كما قد بسط في غير موضع .
وحكي عن الجهم أنه كان يخرج فينظر الجذمي ثم يقول : " أرحم الراحمين يفعل هذا ! " يقول : " إنه يفعل لمحض المشيئة ، ولو كان يفعل بالرحمة لما فعل هذا ! " .
وهذا من جهله ، لم يعرف ما في الابتلاء من الحكمة والرحمة والمصلحة " .

لكن ينبغي أيضاً أن لا يغلط على الأشعرية ، ويعلم أن هذه الممكنات عندهم ليست إلا ممكنات ذهنية غير واقعة .
--------------
المصدر :
http://www.ahlalhdeeth.com/vb/showthread.php?t=167390