الأخلاق لغة عالمية، يفهمها الجاهل والعالم، يفهمها الأحمق والنابغ، يفهمها العدو والصديق، يفهمها الرفيق والغشوم، يفهمها من يتحدث بلسانك ومن هو ذو لسان غريب، يفهمها قريبك الذي ألفك وعرف معالم شخصيتك ويفهمها البعيد الذي لم يتعامل معك من قبل

قد تستعصي هذه اللغة الراقية على بعضٍ ممن تحجرت منهم القلوب ، وقامت أمام أعينهم سدود الظلم والجبروت، ووُسمت أركانهم بميسم الغلظة والفظاظة إلى أن جعلتهم لا يعون أن في الدنيا شيئا من حسن خلق، ولكن بفضل الله عز وجل يبقى هؤلاء قلة، فهم شواذ في الكون خارجون عن طبائع أهله، بل لعل الله يجعل منهم من يراجع نفسه أمام تلك السلوكيات الغريبة عليه

فإن الأخلاق يذل أمامها أعتى الرجال، وتلين أصلب القلوب، وتخضع أظلم النفوس، قد لا تعترف بذلك صراحة ولكن .. تضيء تلك المواقف الأخلاقية نافذة نور في حياتها فيفكر فيها وينتعش بالتحليق في أجوائها حينا من الزمان إلى أن تكبر فتتحول إلى هالة قوية من النور تضيء القلب وتنعكس على الجوارح

وقد تكون الاستجابة لهذه اللغة العالمية سريعا، فيعجب من يستقبلها، ويدهش بل ينبهر ثم يخضع راضيا، ويسرع متراجعا وقد طرد شعاع الحق ظلمة الباطل الذي كان عليه

الأخلاق .. كم اجتذبت إلى ساحة الحق أرتالا من البشر ذوي النفوس الوضيئة تأثرا بها، بل كم جذبت من ذوي النفوس الشديدة المستكبرة أو الشاردة عن الهدى

الأخلاق أسر للقلوب وأجمِلْ به من أسر! وزيغ للقلوب وأعظِم به من زيغ عن الضلال إلى الهدى! وصرف لها وأكرِم به من صرف عن الباطل إلى الحق!

ونتأكد بهذا من صدق مقولة (الدين المعاملة)، وماذا يكون الدين إن لم يكن تهذيبا للنفس وصيانة للقلب وتقويما للسلوك ؟ ماذا يكون الدين إن لم يعلم أبناءه حسن التعامل مع غيرهم؟

وكيف أسلمت قرى بل أمم بأكملها؟ وما خبر أندونسيا وشرق آسيا عنا ببعيد، فالصين مثلا لم تطأها قدم فاتح من المسلمين، ولكن نور القرآن أعظم أثرا ولغة الأخلاق أسرع انتشارا، فلما بلغت أسماع أهلها أنباءُ هذا الدين ورأوا وسمعوا عنه ما ترجف له الأفئدة إعجابا وإجلالا سارعوا إلى دين الله زرافات ووحدانا، وما زالت أعداد المسلمين في تزايد كبير في هذه البلاد

وفي عصر الفتوحات الإسلامية كان المسلمون يفتحون البلاد ، ثم يقوم الإسلام بعمله التلقائي في التأثير في القلوب، فما هي إلا برهة من الزمن إلا ويسارع أهلها إلى ساحة الحق ويصيرون من أخلص العباد وأكثرهم استماتة في سبيل دينهم الجديد، وهم الذين كانوا قبلا يقدمون الغالي والنفيس من أجل عقائدهم السابقة


ألم تكن الأخلاق ذلك النور الذي قذف في القلوب المظلمة فبدد ظلمتها؟ وتحولت رفقة النور إلى شمس ساطعة تضيء تلك النفوس رويدا رويدا إلى أن يعمها ضوء النهار في أصفى حالاته وأجلاها، فتغدو نفس المسلم شمسا تشع نورا وهدى وحسن خلق

وما تلك النفوس التي لا تتأثر بخلق حسن أو معاملة طيبة ولا تأسرها خصلة خير أو سماحة نفس أو رفعة جوارح أو سمو شمائل؟

وقد قال عليه الصلاة والسلام مخلدا سوء أثر الخلق الطالح : لكل ذنب توبة إلا سوء الخلق فإن صاحبه كلما خرج من ذنب دخل في ذنب

وهذه مواقف من دروس الأخلاق العملية التي كانت أعظم أثرا في النفوس: كان ثمامة بن أثال ملكَ اليمامة، جاءه كتاب من الرسول يعرض عليه الإسلام فألقاه باحتقار وازدراء، ثم أعلن العداوة للدين، وقتل عددا من الصحابة، وعزم على قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم. أسره المسلمون يوما ولم يكونوا قد عرفوه، وربطوه في سارية المسجد ، فجاء الرسول وعرفه وأمر بإكرامه وجمع ما في بيوت أزواجه من طعام وأمر أصحابه بتقديمه إليه، كما أمر أن تحلب ناقته ويسقى ثمامة من لبنها غدوة وعشية. ثم جاءه وسأله: ما عندك يا ثمامة؟ فقال: عندي يا محمد خير، فإن تَقْتُلْ تَقْتُلْ ذَا دمٍ، وإن تُنعِم تُنعِم على شاكر، وإن كنت تريد المال فسل تُعْطَ منه ما شئت. أعادها الرسول عليه ثلاثة أيام، وهو يعيد الجواب نفسه، وفي اليوم الثالث أطلقه دون فداء ولم يسئ إليه، أو يقتص لمن قتل من أصحابه.

خرج ثمامة إنسانا جديدا فقد رأى معاملة لم ير مثلها وشاهد حسن خلق في تعاملهم مع بعضهم بعضا، عاش ثلاثة أيام في رحاب المسجد يتلقى قلبه أنوار الهدى ويسمع الكلام الحق.

ويلين القلب القاسي لرقة ما يشاهد ويسمع من تآلف واجتماع وحسن تعامل، فتطهر وعاد إليهم رافعا صوته بالشهادتين، ولما سئل : لم لم تسلم وأنت بين أيدينا؟ قال: خشيت أن يقال أسلم خوفا في الأسر. وقال للرسول : والله ما كان على ظهر الأرض وجهٌ أبغض إليّ، من وجهك، وقد أصبح وجهك أحب الوجوه كلها إليّ، ووالله ما كان دين أبغض إليّ، من دينك، فأصبح دينك أحبَّ الدين كله إليَّ، ووالله ما كان بلد أبغض إليّ من بلدك، فأصبح بلدك أحب البلاد كلها إليّ

ثم كان قويا في الحق، شديدا على قريش والمشركين حتى إنه قطع عنهم ما كانوا يشترونه من اليمامة متبعا سياسة المقاطعة التي أضرت بهم إلى أن لجؤوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمره أن يرفع حصاره عنهم، ويعود إلى ما كانوا عليه

ورسولنا عليه السلام حين دخل مكة فاتحا دخلها مطأطئا شكرا لله، ثم أطلق كلمته الشهيرة بالعفو العام عن قريش كلها على ما فعلته فيه وفي أصحابه من شرور: اذهبوا فأنتم الطلقاء. وسجل التاريخ تلك الكلمة بأحرف العزة والسماحة في أعظم صفحات فصول العفو عند المقدرة

وزين العابدين علي بن الحسين قابله رجل فتكلم فيه بسوء فما كان منه إلا أن قال له بهدوء: (يا عبد الله ..ما أظهر الله لك من عيوبنا أكثر مما ستر علينا) رد صاعق من حفيد المصطفى مقابل من أساء إليه أبلغ الإساءة، فارتجف القلب الخاطئ عندما لا مسد دفء نور الحق ثم أفاء إلى ظل ظليل نادما على ما قدم، مؤكدا أن حسن الخلق لغة عالمية لا يحدها سور ولا يمنعها باب ولا يعوقها اختلاف لسان


http://www.alanwaar.net/aalamy.htm