الحمد لله أحمده حمدا يليق بذاته , وأصلي وأسلم على سيدنا رسول الله صلاة وسلاما تليقان بذاته الكريمة , أرحب بكم إخواني الأعزاء , وأدعو الله العلي القدير أن يفقهنا في ديننا , وأن يعلمنا ما ينفعنا , وأن ينفعنا بما علمنا , ... آمين .
في سنة 198 هـ بويع الخليفة المأمون بالخلافة عن عمر يناهز الثامنة والعشرون , والخليفة المأمون هو عبد الله ابن هارون الرشيد الخليفة المجاهد .
ظل المأمون في الخلافة مدة عشرين عاما حيث توفى في سنة 218 هـ .
ذكر له ابن جرير الطبري في تاريخه ترجمة طويلة , وكذلك ابن عساكر في تاريخ دمشق .
وسنتناول في حديثنا عن المأمون نقاطا معينة في شخصية الرجل لعل فيها العبرة والعظة .
فقد قال أهل العلم : إن الرجل كان يتميز بأمور ثلاث : أولها : غزارة العلم , وثانيها: العدل , وثالثها : الشجاعة والإقدام .
أما عن علم الرجل فقد ذكر أهل التاريخ-كما أسلفنا الذكر- مواقف كثيرة ووقائع وأحداث تشير إلى غزارة علم الرجـــــــل .
ومن هذه المواقف هذه القصة : كان المامون يجلس ومعه بعض أهل الفقه والحديث-وكانت مجالسه لا تخلو من ذلك- فدخلت عليه امرأة وقالت له : أشكو إليك ظلمي , قال : ومن ظلمكِ ؟ قالت: من ورثوني , قد مات أخ لي وترك ستمائة دينار-والدينار ما كان من ذهب- فما ورثوني منها إلا دينارا واحدا , في سرعة وبداهة ضحك المأمون وقال: حينما مات أخوكِ أعتقد أنه ترك بنتين , أليس كذلك ؟ قالت: بلى , قال: و أعتقد أنه ترك أمَّا , أليس كذلك ؟ قالت بلى , قال: وأعتقد أنه قد ترك زوجة , أليس كذلك ؟ قالت بلى , وأعتقد أنه ترك اثني عشر أخا ذكرا وأنتِ , أليس كذلك ؟ قالت بلى , قال: والله ما ظلموكِ فقد أعطوكِ حقكِ , قالت كيف ؟ قال قد قلتِ إن أخاكِ قد ترك بنتين , فلهما الثلثان بنص القرآن , أي ثلث الستمائة دينار أربعمائة دينار , وترك أمَّا لها السدس أي مائة دينار , وترك زوجة لها الثمن أي خمسة وسبعون دينارا, فيكون المجموع خمسة وسبعون وخمسمائة دينارا , ويتبقى خمس وعشرون دينارا , وترك اثني عشر أخا ذكرا وأنثى واحدة , فللذكر مثل حظ الأنثيين فيكون لكل أخٍ ديناران , وتبقى لكِ دينار واحد .
انظر يا رعاك الله إلى علم الرجل , وانظر إلى حكام هذه الحقبة من الزمن هل لهم أدنى علم بقرآن أو سنة , بل أكاد أجزم أن أحدهم لا يستطيع أن يفرق بين آية وحديث , وحينما يجلس أحدهم ليكون خطيبا في الناس ويتلوا بعضا من آيات القرآن الكريم فإنه لا يستطيع أن يقرآها قراءة صحيحة , فأصبحوا حكاما بلا علم .
إذا ما انتقلنا إلى الصفة الثانية التي تميز بها الخليفة المأمون فهي صفة العدل .
استأذنت عليه امرأة ذات يوم-وما كان المأمون يغلق بابه في وجه أحد , فإن العدل يقتضي ذلك , إذا كان حاكما أو أميرا أو خليفة لابد وأن يكون بابه مفتوحا للرعية , وإلا كيف يرد الظلم عن المظلومين , أما حكامنا فأن تصل إلى الواحد منهم فهذا حلم لا يتحقق لك مدى الحياة , إلا إذا كنت فنانا من أهل التمثيل أو الغناء , أو أن تكون منافقا ضلاليا-استأذنت المراة فأذن لها , فلما دخلت عليه إذا بها تشكو إليه ولده العباس , تقول إن ولدك العباس قد ظلمني , قال ماذا فعل ؟ قالت قد أخذ ضيعة لي عنوة وقصرا , فأرسل المأمون في طلب ولده العباس , فلما دخل عليه وأراد أن يجلس بجوار أبيه أبى , قال هذه المرأة قد جاءت تخاصمك فاجلس بجوارها , فجلس ابن الخليفة بجوار المرأة , والمرأة هي المدعية تتحدث فبدأ العباس يتكلم ويخاصمها , فعلى صوت المرأة فسكت العباس , فقال بعض الحاضرين للمرأة معاتبا إياها بقوله : كفى-لأن صوتها قد على على صوت ابن الأمير ابن الحاكم- فغضب الخليفة المأمون وكان لا يحب النفاق وقال دعها فإن الحق قد أعلى صوتها وإن الباطل قد أسكت ولدي , ثم قضى على ولده وأعطى المرأة حقها وغرم ولده عشرة آلاف درهم في مقابل أن آذاها وفزعها .
عدل لا نحلم به الآن في ظل الديمقراطية المزعومة , باسم الديمقراطية والعدل لا تستطيع أن تقول حقا , ولا أن تتكلم بقرآن ولا سنة , باسم الديمقراطية والعدل تضيع الحقوق ويظلم الملايين .
أما المأمون فكان رجلا عادلا , ابنه يظلم فيقتص منه , بل يكف أصحاب النفاق الذين يداهنون الحكام والأمراء بالباطل وبغير حق .
وأما الصفة الثالثة فكانت الشجاعة والإقدام , وما أحلى الحديث عن شجاعة هذا الخليفة وإقدامه في وقت لا شجاعة فيه ولا إقدام , عمّ الجبن وساد الذل ولبسنا ثوب العار .
في العام الذي توفى فيه المأمون في سنة مائتين وثمانية عشر خرج يريد أن يغزوَ بلاد الروم , بلاد الإفرنجة التي نتطلع إليها ونتمسح فيها , وأصبح جُلُّ توجهنا إلى حكامها .
خرج المأمون يريد أن يغزوَ بلاد الروم وفيها أسرى للمسلمين يريد أن يستخلصهم , فيها كفر بالله يريد أن يمحوَه , وهذا من أولى واجبات الحاكم المسلم التي سيسأل عنها بين يدي الله , فلما دنا من بلاد الروم أرسل إليه ملك الروم رسولا يحمل له رسالة يقول له أخيرك بين أن أرسل إليك مالا أعوضك به الطريق الذي قطعته من بلدك إلى هنا , أو أن أرسل إليك أسرى المسلمين كل أسير من المسلمين عندنا بلا مال ولا فداء , أو أن أُعَمِّر لك كل بلد مسلم خربه النصارى على أن تأخذ جيشك وتعود .
( إقرؤا هذه الواقعة يا رعاكم الله في مروج الذهب للمسعوديّ في الجزء الرابع وهو يتحدث عن خلافة المأمون , والوقائع التي حدثت في عصره ) , بالله عليك ماذا يريد القائد بعد هذه العروض المغرية , وقبل أن نورد رد المأمون على رسول ملك الروم نسرع بالزمن قرونا حتى نصل إلى حكام ورؤساء وملوك البلاد في هذا العصر , أصحاب الفخامة , أصحاب العظمة (والعظمة لله) , أصحاب السموّ ... الخ , ماذا فعلوا ونيتنياهو يخرب بيوتنا , ويحرق مساجدنا , ويقتل أبناءنا , وينتهك أعراضنا , ومع هذا فنحن الذين نساومه , سنطبع معك العلاقات , ونفتح لك السفارات , ونتبادل معك التجارة , ونعطيك كذا وكذا ولكن ارحمنا , أرأيت مثل هذا الذل والعار في حياتك ؟
مؤتمرات , إجتماعات , عشرات الدول , أصحاب الفخامة والعظمة والسموّ , يجتمعون باسم العروبة والإسلام , يجلسون ويقومون , ويا ليتهم ما جلسوا , فقد أورثونا وغل الصدر , ومزيدا من الذل والعار , وكأنهم يقولون لنتنياهو افعل ما يحلو لك , فنحن أموات غير أحياء , أقتل .. دمر .. اغتصب .. حرِّق .. اسجن .. نحن أموات غير أحياء , لو حرقت مساجدنا فلن نحارب , لو قتلت فلذات أكبادنا فلن نحارب , لو اغتصبت نساءنا فلن نحارب , لو اغتلت خيرة شبابنا فلن نحارب , نحن أموات غير أحياء , والموت أشرف لهم وأكرم .
ماذا كانت الإجابة ؟ يقدم له أمورا ميسرة يختار منها ما يشاء
فماذا كانت الإجابة ؟ ليتعلم حكام المسلمين , وليسمع كل مسلم , ليس من واجب الحاكم فقط توفير لقمة العيش , وإنما واجبه أن يرفع الأمة الإسلامية فوق عرش من عز وكرامة , أما الذل الذي نحن فيه فلا يعادله ذل , أبناؤنا يقتلون ويذبحون , وأعراضنا تنتهك , ونساؤنا تستغيث وتقول حسبنا الله ونعم الوكيل , وحكامنا أعمى الله أبصارهم وأصم آذانهم يجلس احدهم فيسأل عن إغلاق معبر رفح فيقول بوجه قبيح " لابد من استئذان إسرائيل قبل فتح المعبر " أَيُّ خيانة هذه ؟ .
ماذا كانت الإجابة ؟ قال المأمون لرسول ملك الروم انتظر , ثم دخل إلى خيمته وصلى ركعتين واستخار ربه-ما أرسل ليأخذ رأي أوباما ولا هيئة الأمم ولا مجلس الأمن حتى يملوا عليه التعليمات , بل دخل ليستخير ربه وخالقه , ثم خرج فقال له اذهب إلى مليككم وقل له قد عرضت عليّ مالا تعوضني ما أنفقته في الطريق وقد سمعت الله يقول على لسان بلقيس ملكة سبأ " وإني مرسلة إليهم بهدية فناظرة بمّ يرجع المرسلون , فلما جاء سليمان قال أتمدوننِ بمالٍ فما آتانيَ الله خير مما آتاكم بل أنتم بهديتكم تفرحون ... -فالخيار الأول مرفوض- ارجع إليهم فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم بها ولنخرجنهم منها أذلة وهم صاغرون "
أما قوله سأرسل إليك كل أسير من المسلمين فإن أسارى المسلمين بين رجلين رجل اشترى الله ورسوله والدار الآخرة فأصاب ما أراد , ورجل يريد الحياة الدنيا فهذا لا نريده لا فك الله أسره .
فالعرض الثاني أيضا مرفوض , بقى العرض الثالث أن يعمر له كل بلد خربه الصليبيون , فقال له وقل له والله لو أني اقتعلت أقصى حجر في بلاد الروم-أي دمرت بلاد الروم بلدا بلدا وخلعت حجرها حجرا حجرا حتى بلغت أقصى حجر فيها- فإن ذلك لا يعوض عثرة تعثرتها امرأة مسلمة وهي أسيرة في أيديكم فقالت وامحمداه , عد إليه فوالله ما بيننا وبينكم إلا القتال .
سمعت الرد يا رعاك الله .
نساء تغتصب أعراضهن , وتمزق أجسادهن , وتخرج أحشاؤهن , ما الذي نريده وما الذي يعوضنا عن هذا , والله لو اقتلعنا إسرائيل حجرا حجرا وقتلناهم فردا فردا ما عوضنا ذلك عن عرض امرأة قد انتهك عرضها فهي تقول وا غوثاه وا محمداه وا معتصماه , فهي تقول حسبي الله ونعم الوكيل في المسلمين وحكامهم .
قام المأمون وسار في طريقه واقتحم بلاد الروم واستولى على خمسة عشر حصنا , ثم وافته المنية فلاقى ربه , وجاء أخوه المعتصم بالله ليكمل طريقه , وأنتم تعلمون من المعتصم الذي نادته امرأة قالت وا معتصماه فقال لبيك أختاه , وانتقل وقطع بلادا ليصل إليها فينصرها .
واليوم تنادي أختنا المسلمة وا إسلاماه وا حكام المسلمين , ولكنهم
أموات غير أحياء .
وقف العالم يوما يشجع الأبطال في جنين , أبطال شرفونا وشباب رفعوا رؤوسنا , ولما نفذ سلاحهم ماذا يفعلون , تمكن منهم الكلب شارون ءانذاك فجزرهم وأحدث مذبحة من أبشع مذابح التاريخ , يا للعار , والحكام يشجبون ويستنكرون , إنهم
أموات غير أحياء .
اللهم إنا نشكو إليك ضعف قوتنا وقلة حيلتنا وهواننا على الناس , يا رب المستضعفين , أنت ربنا فانصرنا على القوم الكافرين
آميـــــــــــــــن
في الختام أستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه .
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
أخوكــــــــــم