د/ عبد القادر مغدير

مقدمة:
إن اللفظة القرآنية كائن حي؛ تستمد حياتها وهويتها وقوتها من الأصوات التي تتألف منها، ومن السياق الذي ترد فيه. إن العلاقة بين اللفظة وأصواتها، ومن ثم بين اللفظة والسياق علاقة جدلية؛ ذلك أن الدلالة الكلية للسياق لا تتحدد إلا بدلالة الألفاظ المكونة له، فاللفظة بدلالاتها السياقية المتنوعة تضفي على السياق ظلالا مختلفة تكسبه تنوعا دلاليا.
إن الإعجاز اللغوي في النص القرآني حقيقة لا مراء فيها؛ يلمسها كل من جال بين دفتيه، وأعمل الفكر في آياته، إن إعجازه غير محدود، فالقرآن بحر زاخر، بل محيط واسع لا تنقضي أسراره، ولا تنتهي عجائبه، ولقد أراد الله له أن يكون صالحا لكل زمان ومكان، وهذا يقتضي أن يقع أهل كل عصر على خبايا وخفايا لم ينتبه إليها من سبقهم، ويجدوا فيه حلولا لمشاكلهم الآنية، فالقرآن الكريم كلي في آياته، مرن في أحكامه، خصب في دلالاته، عجيب في بنائه، مبدع في تناغمه، معجز في تناسقه.
لقد طرقه قدماء علماء التفسير من زوايا شتى، وجوانب مختلفة، وحاولوا أن يسبروا غوره ليصلوا إلى عمقه، فشغلهم ترامي أطرافه عن بلوغ كنهه، فلم يظفروا منه إلا بالشيء القليل، والنزر اليسير، وسيبقى جهدهم متواصلا، وعملهم متواليا، ولا يزال القرآن معينا لا ينضب، وسيلا لا ينقطع، وكنزا لا يفنى، كلما تقدم في دراسته الدارسون شعروا أنهم لم يأخذوا منه إلا ما يأخذه المخيط إذا أغمس في البحر.
مفهوم المناسبة الصوتية:
الأصل في اللغة أن المناسبة تعني : "المشاكلة والمقاربة"، وإن العلماء المهتمين بالدراسات القرآنية تناولوا هذا المصطلح للدلالة على ما يأتي :
ـ مناسبة الآي والسور: علم يكشف عن الترابط اللفظي والمعنوي بين آي القرآن و سوره[1]، للوصول إلى أن القرآن الكريم بناء فكري و لغوي متكامل وشامل، وأنه يشكل وحدة نسقية، وهو علم من أجل علوم القرآن، وقد كتب فيه نزر يسير، وذلك لصعوبة خوضه ودقة مسلكه[2]، ويرى الزركشي أن المناسبة بين آي القرآن متوفرة : "ومرجعها ـ والله أعلم ـ إلى معنى رابط بينهما عام وخاص، عقلي أو حسي أو خيالي، وغير ذلك من أنواع العلاقات أو التلازم الذهني، كالسبب بالمسبب، والعلة بالمعلول، والنظيرين والضدين ونحوه، أو التلازم الخارجي كالمرتب على ترتيب الوجود الواقع في باب الخبر"[3]. ولعل أول من تكلم في هذا العلم هو أبو بكر النيسابوري المتوفى سنة 324 هـ/935 م، أما أول من ألف فيه فهو أبو جعفر بن الزبير صاحب كتاب : "البرهان في مناسبة ترتيب سور القرآن"[4] ، والمتوفى سنة 807 هـ، ويعد فخر الدين الرازي ممن أكثر منه[5]، وقال في تفسيره : "أكثر لطائف القرآن مودعة في الترتيبات والروابط"[6].
ـ مناسبة الصوت للمعنى : أي أن اللفظة تتألف من أصوات تدل على معناها، وهو ما يعرف عند المحدثين بالقيمة الدلالية للصوت[7]، وقد عرف عند الأقدمين بالمشاكلة، أو الحكاية الصوتية، وقد أشار ابن جني إلى هذه الظاهرة في مواطن عدة من كتابه الخصائص، وأفرد لها بابين:
ـ بابا أسماه (تصاقب الألفاظ لتصاقب المعاني) ، أي تعاقب الألفاظ لتعاقب المعاني، وقال فيه: "هذا غَوْرٌ من العربية لا ينتصف منه، ولا يكاد يحاط به، وأكثر كلام العربعليه، وإن كان غُفلاً مسهواً عنه" ، ثم قال: "أما مقابلة الألفاظ بما يشاكل أصواتها من الأحداث فباب عظيم واسع، ونهج ملتئب عند عارفيه مأموم، وذلك أنهم كثيراً ما يجعلون أصوات الحروف على سمت الأحداث المعبَّر بها عنها، فيعدلونها بها ويحتذون عليها، وهذا أكثر مما نقدره، وأضعاف ما نستشعره، فمن ذلك قولهم: (خَضَمَ ، وقَضَمَ) ، فالخضم لأكل الرَّطِب ...، والقضم لأكل الصلب اليابس ...، فاختاروا (الخاء) لرخاوتها للرطب، و(القاف) لصلابتها لليابس، حذواً لمسموع الأصوات على محسوس الأحداث "[8].
ـ بابا أسماه (إمساس الألفاظ أشباه المعاني)، وقد عنوَن الشراح أمامه : (مناسبة الألفاظ للمعاني )، ومما ورد تحت هذا العنوان بعض الأمثلةكالخنن في الكلام أشدّ من الغنن ، والخنة أشد من الغنة..."[9] ، وقال فيه: "اعلم أن هذا موضع شريف لطيف، وقد نبه عليه الخليل وسيبويه، وتلقته الجماعةبالقبول". وقدأدرج ابن جني والسيوطي في هذا الباب حكاية الأصوات .والخلاصة : أن المراد بالمناسبة الصوتية إحدى المعاني الآتية :
1-مقاربة الصيغ اللفظية للمعاني الموضوعة لها.
2-تصوير الألفاظ على هيئة معانيها.
3-مقابلة الأصوات بما يشاكل أصواتها من الأحداث.
لقد اعتنيَ القرآن بالجرس والإيقاع اعتناءه بالمعنى، وهو لذلكيتخير الألفاظ تخيراً يقوم على أساس من تحقيق الموسيقى المتسقة مع جو الآية وجو السياق، بل جو السورة كلها في كثير من الأحيان، وبخاصة تلك السور القصار التي حفل بها العهد المكي لتأكيدها أصول العقيدة. وهذه السور التي ما أن سَمع بعضها الوليد بن المغيرة (وهو رأس الشرك والكفر) حتى قال قولته المشهورة: "والله لقد سمعت منه كلاماً ما هو من كلام الإنس ولا من كلام الجن، وإن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وإنه ليعلو وما يعلى عليه، وما يقول هذا بشر"[10].
إذا كانت حلاوته هي دلالاته ومعانيه، فما هي طلاوته ؟! إنها أصواته ذات الأثرٌ الموسيقي الخاص الموحي إلى السمع بتأثيرات مستقلة تمام الاستقلال عن تأثيرات المعنى وعن مجرد كون اللفظ رقيقاًوغيررقيق.
إن اللفظة القرآنية تقوم على الدقة والانتقائية، فكل مفردة في القرآن مختارة لتؤدي وظيفتها بدقة متناهية، مع مراعاة دلالتها الإيحائية الفردية والسياقية، وجرسها الموسيقي القائم على أصواتها، ولذلك يستحيل زحزحتها عن مكانها أو استبدالها بغيرها، فاللفظة كائن مستقل له بصمته الخاصة به، والمختلفة عن غيره.
إن العامل الأساسفي اختيار اللفظة دون غيرها هو ما تعطيه من معانٍودلالاتٍ إلى جنب الدلالة الأساسية التي قد تشترك فيها مع غيرها من الألفاظ.
نماذج المناسبة الصوتية:
لقد توافرت ألفاظ كثيرة دلت عند إطلاقها في القرآن على مناسبتها للصوت، ومناسبة الصوت لها بشكل دقيق وجميل، وهذا من باب مصاقبة الألفاظ للمعاني بما يشاكل أصواتها، أو مقاربتها ، أو حكايتها لها، فجاءت الألفاظ متلبسة بأصوات الحروف على سمت الأحداث المعبَّر عنها، قال سيد قطب[11]: " تجد الإعجاز في اختيار الألفاظ لمواضعها ونهوض هذه الألفاظ برسم الصور على اختلافها"، وقال الرافعي[12]: "لا جرم أن المعنى الواحد يعبَّر عنه بألفاظ لا يجزي واحد منها في موضعه عن الآخر؛ لأن لكل لفظ صوتا بما أشبه موقعه من الكلام ومن طبيعة المعنى الذي هو فيه، والذي تساق فيه الجملة.." . ومن أمثلة ذلك ما يأتي:
- قوله تعالى : " كَلَّا لَيُنْبَذَنَّفي الْحُطَمَةِ " [ الهمزة : 4 ]
سنقف في هذه الآية على التناسب بين المفردات باحتلال كل لفظة مكانها، وتلاؤمها مع السياق والمعطيات من : مبنى ومعنى وصورة وظل وإيحاء، بحيث تتداعى الألفاظ، وتتناسق لترسم صورة حية، وتحدث حركة قوية، وتنشئ تجاوبا عميقا، ورجة نفسية، وهزة وقشعريرة.
وليكن البدء بـ"كلا" التي تفيد الردع والزجر[13] ، وتحمل في طياتها الرهبة والخوف، وتجبر متلقيها على الوجوم والسكون، بل على الشرود والذهول انتظارا لما بعدها، وهو الحكم الصادر من الله سبحانه، قال القرطبي :" لَا يُوقَف عَلَى " كَلَّا " جَمِيع الْقُرْآن؛ لِأَنَّهَا جَوَاب، وَالْفَائِدَة تَقَع فِيمَا بَعْدهَا"[14].
نصُّ هذا الحكم الإلهي هو : " لَيُنْبَذَنَّفي الْحُطَمَةِ" . اشتمل هذا الحكم على كلمتين قويتين شديدتين على النفس البشرية.
الأولى : لفظة "لينبذن" وتفيد في التفسير: " لَيُطْرَحَنَّ وَلَيُلْقَيَنَّ "[15]، وهي في اللغة مأخوذة من مادة (نبذ) وتعني: الطرد والطرح والنفي والإهمال لكل ما هو هين وحقير، وطبعا الكافر الذي أهان نفسه في هذا الدنيا بكفره وجحوده سيكون أهون على الله يوم القيامة، ولذلك جاز في حقه النبذ بكل ما تحمله الكلمة من معاني الهوان والضياع.
وردت هذه الكلمة بمشتقاتها في القرآن اثنتي عشرة مرة، فجاءت فعلا مجردا ومزيدا، وماضيا ومضارعا وأمرا، ومعلوما ومجهولا، ودلت في جميع سياقاتها على الأصل اللغوي الذي ذكرناه، وإنها وإن اتفقت في دلالتها العامة، إلا أنها قد لبست في كل سياق لبوسا خاصا ومميزا يطبعها بطابع دقيق يمنحها لونا وحركة وعبقا مختلفا، ويهبها جرسا وإيقاعا مؤثرا، ويعطيها إيحاء رائعا.
إن صيغة (لينبذنَّ) وما فيها من تشديد، وتأكيد باللام والنون، وما تحدثه من جرس، وضغط وثقل في النطق على النفس، تؤكد دقة الاختيار، وإن بناء الصيغة للمجهول يزيد الإيحاء شدة، والوقع قوة بما ينشره من ظلال حول القوة الخفية ، وهم زبانية جهنم الشداد.
والثانية: (الحطمة) لفظة على وزن (الفعلة)، وهي مأخوذة من الحَطْم، ومن مشتقاتها: الحَطوم، والحاطوم، والحُطمة، والحَطِم، والحُطَم، وقد أطلقت على : الأسد لأنه يحطم كل شيء، والريح لأنها تهشم البناء وتقوضه، والأكول؛ لأنه يلتهم كل شيء ولا يشبع، والراعي؛ لأنه يحطم الغنم عندما يسوقها إلى مرعاها، والسنة المشؤومة اليابسة ؛ لأنها يتحطم فيها كل شيء. والملاحظ أنها كلها تشترك في معنى واحد وهو : التهشيم لكل ما هو يابس كالعظم وغيره. وهي وإن وردت في القرآن في ستة مواضع: مرة وحيدة بصيغة الفعل المضارع في آية النمل، وثلاث مرات بصيغة (حُطام) في الزمر والواقعة والحديد، ومرتين بصيغة (الحطمة) في الهمزة، إلا أنها لم تتخلف عن الملحظ الدلالي الأصيل، بل لم تستعمل إلا للدلالة عليه، قال القرطبي[16] : "وَهِيَ نَار اللَّه. سُمِّيَتْ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا تَكْسِر كُلّ مَا يُلْقَى فِيهَا وَتُحَطِّمهُ وَتُهَشِّمهُ "، وقال أبو حيان[17]: "وهي النار التي من شلأنها أن تحطم كُلّ مَا يُلْقِيَ إليها".
إن الألفاظ (كلا، لينبذن، الحطمة) مختارة بدقة متناهية، وإنها متناسبة في دلالاتها الفردية والسياقية، مما أهلها لأن تبرز المعنى بدقة وأمانة، وتعطي صورة تعبيرية موحية وناطقة، وتضفي على النص جرسا موسيقيا مدويا ومروعا يجعل المتلقي خائفا وحزينا.
إن هذا التناسب منح هذه الألفاظ جاذبيتها، واستحواذها على النفس، وإن الدقة في اختيارها في هذا الاستعمال يتناسب مع سياقها العام، فبعد (كلا) الرادعة جاء الجواب بكلمة (لينبذن) التي تشعرك وكأنها صورة حسية ترى بالعين، وتبعث فيك القلق والخوف، والاحتقار والمهانة، ثم جاءت كلمة (الحطمة) المطابقة في وزنها لـ(همزة لمزة) لتمس الأسماع وتقرع الآذان بدويها الهادر، وصوتها المجلجل. وهكذا تحقق الكلمات الثلاث تناسبا متكاملا وشاملا؛ فيه دقة في الوضع والاختيار، وفيه جمال التصوير والوصف، وفيه روعة التعبير والإيحاء، وفيه قوة الجرس والنغم والموسيقى. وهكذا غدت الآية وحدة متوازية متناسقة ، بل لوحة فنية تحمل صورة كلية مؤثرة ذات لون وحركة وصوت.
قوله تعالى : "فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّك سَوْطَ عَذَابٍ " [ الفجر : 13 ]
أصل (صب) في اللغة سكب الماء ونحوه صبا أي: أراقه مع تدفق، وانصب في الوادي صبيبا انحدر. وردت (صب) في القرآن فعلا ومصدرا خمس مرات : في سورة عبس مرتين وجاءت على الأصل اللغوي في الماء "أنا صببنا الماء صبا " ، وفي الدخان (48)، والحج (19) في صب الحميم بجهنم، في الفجر (13) صب سوط العذاب. والسوط في اللغة ما يضرب به، والقرآن شبه عذاب النار به، قال أبو حيان الأندلسي[18]: "ويقال: صب عليه السوط وغشاه وقنعه واستعمل الصب لاقتضائه السرعة في النزول على المضروب.. وخص السوط فاستعير للعذاب؛ لأنه يقتضى من التكرار والترداد ما لا يقتضيه السيف ولا غيره "، وقالت بنت الشاطئ: "وصل (صب سوط العذاب) بالتعذيب والعقاب إلى أقصى المدى بما يعني من تدفق وغمر، مع إسناده إلى الخالق الجبار"[19]، وقال سيد قطب : "وهو تعبير يوحي بلذع العذاب حين يذكر السوط، وبفيضه وغمره حين يذكر الصب حيث يجتمع الألم اللاذع والغمرة الطاغية"[20].
إن التناسب في الآية بين (صب وسوط) واضح وجلي، وإنه يرسم صورة مجسدة متحركة بشتى أنواعها، والتصوير أداة مهمة يستخدمها القرآن في ألفاظه لعرض صورة المشهد، ولتقريب الصور إلى الأذهان، وتجسيدها في صور حسية، وإعطائها صفة الحياة، إن "التصوير هي الأداة المفضلة في أسلوب القرآن، فهو يعبر بالصورة المحسة المتخيلة عن المعنى الذهني والحالة النفسية، وعن الحادث المحسوس، والمشهد المنظور؛ وعن النموذج الإنساني والطبيعة البشرية، ثم يرتقي بالصورة التي يرسمها نحوها فيمنحها الحياة الشاخصة والحركة المتجددة فإذا المعنى الذهني هيئة أو حركة وإذا اللوحة النفسية لوحة أو مشهد وإذا النموذج الإنساني شاخص حي وإذا الطبيعة البشرية مجسمة مرئية فأما الحوادث والمشاهد والقصص والمناظر فيردها شاخصة حاضرة فيها الحياة وفيها الحركة فإذا أضاف إليها الحوار فقد استوت لها كل عناصر التخييل "[21].
إن وجه الدلالة في (صب) تجسيد الكثرة والتتالي والسرعة، وفي اجتماع هذه المعاني قوة، فإذا أسندنا (صب) إلى (السوط) وقع تناسب دلالي، وانسجام معنوي دقيق وجميل، ذلك أن السوط يستخدم في العذاب، ويقتضي استعماله التكرار والسرعة والقوة بخلاف السيف وغيره.
إن هاتين اللفظتين (صب وسوط) تعطيان صورة حية لعذاب يوم القيامة مما يجعل المخيلة تهتز لتدرك دقة هذا التصوير الحركي وأبعاده وآثاره على نفس المتلقي.
– قوله تعالى : "وأنزلنا من المعصرات ماءً ثجاجاً" [ النبأ : 14 ]
(المعصرات) من عصر، وجاءت في التفسير بالمعاني[22] الآتية: أولها: الرياح، وكأنها تعصر السحاب، وثانيها: السحب، أي السَّحَائِب التي تَنْعَصِر بالماء ولمَّا تمطر بَعْد، وثالثها: السحب؛ لأنها تمطر، ورابعها: السماء، وآخرها : الْمُعْصِر للجارية التي قد قربت من البلوغ يقال لها: مُعْصِر؛ لأنها تُحْبَس في البيت، فيكون البيت لها عَصْرًا.
والمختار من هذه الأقوال أن المراد بالمعصرات السحب التي تعتصر بالمطر،أي: تصب، ولو أراد الرياح؛ لقال: (بِالْمُعْصِرَاتِ )[23] ، ففي الصحاح[24]: "والمعصرات: السحائب تعتصر المطر، وأُعْصر القوم، أي: أُمْطروا"، وقال القرطبي[25]: "والسحب أيضا تسمى المعصرات؛ لأنها تمطر". وفسرها ابن عباس[26] بـ "السحاب يعصُرُ بعضهبعضاً فيخرج الماء من بين السحابتين ..".
وما من شك في أن هذه اللفظة تصف السحب وصفا دقيقا ومعبرا، وتصورها أجمل وأصدق تصوير، ولطالما تلمس (صاحب الظلال ) هذاالأمر وقد كان "أفضل من فصل ما بين جرس اللفظ وظله، والذي كثيراً ما تصوّر أنه واحد؛لأن الجرس خاص بالصوت والموسيقى، أما الظلّ فهو استدعاء صورة المدلول الحسي " [27].
- قوله تعالى : "فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ" [ الرحمن : 66 ]
لقد استخدم كلمة ( نضخ ) بدلاً من ( نضح )، وكلتاهما تعني خروج الماء، فـ (النضخ والنضح) واحد إلا أن لفظة (تنضخ) تدل على اشتداد فورانه من ينبوعه[28]، ولفظة (تنضح ) تدلّ على تسرب السائل في بطء، قال القرطبي[29]: " أَيْ فَوَّارَتَانِ بِالْمَاءِ، عَنْ اِبْن عَبَّاس . وَالنَّضْخ بِالْخَاءِ أَكْثَر مِنْ النَّضْح بِالْحَاءِ ". إن هذا التوضيح يعطي اللفظة معناها الدقيق، وصورتها المحسوسة، وصوتها المسموع، وعلى رأي ابن جني فإن اختيار (تنضخ) أدق في هذا السياق؛ لأن الخاء من الأصوات الفخمة القوية التي تواتي المواقفالقوية.
إن الحرف مؤثر صوتي فعال، يؤدي في كثير من الأحيان دورا حاسما في إظهار الفرق الدلالي بين المفردات المتشابهة أو المتقاربة كما هو الحال بين (نضح) و(نضخ)، وهذا عين ما ذهب إليه ابن جني وغيره من القدماء، وأكدته الكثير من الدراسات الحديثة.
الخاتمـــة
إن هذا البحث غيض من فيض، وما ذكرته لا أدعي فيه السبق، فقد سبقني إلى هذا الباب كثر قديما وحديثا، وحسبي أنني حاولت أن أقدم صورة مصغرة لحقيقة التناسب في اللفظة القرآنية.
إن القرآن في تناسب آياته ومفرداته وعباراته، وروعة أسلوبه ، وجمال صوره، وعذوبة موسيقاه يغدو أرقى نص أدبي وأخلده يجتمع فيه : "التصوير باللون، وتصوير بالحركة، وتصوير بالإيقاع، وكثيرا ما يشترك الوصف، والحوار، وجرس الكلمات، ونغم العبرات، وموسيقى السياق، في إبراز صورة من الصور، تتملاها العين والأذن والحس والخيال، والفكر والوجدان، وهو تصوير حي منتزع من عالم الأحياء لا ألوان مجردة وخطوط جامدة، تصوير تقاس الأبعاد فيه والمسافات بالمشاعر والوجدانات. فالمعاني ترسم، وهي تتفاعل في نفوس آدمية حية أو مشاهد من الطبيعة تخلع عليها الحياة "[30].
المراجع
1-إعجاز القرآن لمصطفى صادق الرافعي . دار الكتاب العربي. بيروت- لبنان . 1410 هـ - 1990 م .
2-البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي. دار إحياء التراث العربي. بيروت- لبنان. ط2. 1411 هـ - 1990 م .
3-البرهان في علوم القرآن لبدر الدين محمد بن عبدالله الزركشي. ت: محمد أبوالفضل إبراهيم. دار إحياء الكتب العربية. القاهرة. 1957 م .
4-البيان في إعجاز القرآن لصلاح عبد الفتاح الخالدي. دار عمار للنشر والتوزيع . 1992 م .
5-التصوير الفني في القرآن لسيد قطب. دار المعارف. القاهرة. ط10.
6-التفسير البياني للقرآن الكريم لعائشة بنت الشاطئ. دار المعارف بمصر. 1973 م.
7-تفسير الطبري . ت: د/ عبد الله التركي. دار هجر. مصر. 2001 م .
8-الجامع لأحكام القرآن للقرطبي. ت: د/عبد الله التركي. مؤسسة الرسالة. بيروت- لبنان. ط1 . 1427 هـ- 2006 م.
9-الخصائص لابن جني. ت: محمد علي النجار. دار الكتب المصرية. 1952 .
10-الصحاح للجوهري. ت: أحمد عبد الغفور عطار. دار العلمللملايين . ط 4. 1990 م .
11-صفوة التفاسير لمحمد علي الصابوني . دار الفكر. بيروت – لبنان. 1421 هـ - 2001 م .
12-الصوت والدلالة في ضوء التراث وعلم اللغة الحديث للدكتور محمد بوعمامة ، مجلة التراث العربي ، دمشق ، ع 85 ، يناير 1985 .
13-في ظلال القرآن لسيد قطب. دار الشروق. ط 30 . 1422 هـ ـ 2001 م.
14-لسان العرب لابن منظور . دار صادر. 1997 م.
15-من أسرار التعبير القرآني للدكتور محمد موسى. دار الفكر العربي. 1396 هـ - 1976 م.
16-المزهر في علوم اللغة للسيوطي . شرحه وضبطه وصححه وعنون مواضيعه : محمد أحمد جاد المولى بك، محمد أبو الفضل إبراهيم، وعلي البيجاوي. ط3. دار التراث. القاهرة.




الهوامش :
[1] البرهان في علوم القرآن للزركشي: 1/62 ، ومناهل العرفان للزرقاني : 1/53.

[2]من أسرار التعبير القرآني : ص 1 .

[3]المصدر نفسه : 1/35.

[4] المصدر نفسه.

[5] المصدر نفسه : 1/36 .

[6] المصدر نفسه .

[7] الصوت والدلالة في ضوء التراث وعلم اللغة الحديث للدكتور محمد بوعمامة ، مجلة التراث العربي ، دمشق ، ع 85 ، يناير 1985 : ص 83 .

[8] الخصائص لابن جني : 2 / 157 .

[9] المزهر للسيوطي : 1/48 ( تحت عنوان : مناسبة الألفاظ للمعاني ) .

[10] صفوة التفاسير : 3/452 .

[11]التصويرالفني : ص 78 – 79 .

[12] إعجاز القرآن لمصطفى صادق الرافعي: ص 226.

[13] الجامع لأحكام القرآن للقرطبي : 13/508 – 509

[14]المصدر نفسه : 13/509 .

[15]المصدر نفسه : 22/472 .

[16]المصدر نفسه : 22/473 .

[17] البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي : 8/510 .

[18]المصدر نفسه: 8/470.

[19] التفسير البياني للقرآن الكريم لعائشة بنت الشاطئ : ص 149 -150 .

[20] في ظلال القرآن لسيد قطب: ص 13 .

[21] التصوير الفني في القرآن: ص 34.

[22]الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: 22/9 .

[23]المصدر نفسه .

[24]الصحاح للجوهري : مادة (عصر).

[25] الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: 22/9 .

[26] تفسير الطبري : 24/12 .

[27]البيان في إعجاز القرآن : ص 195 .

[28] لسان العرب لابن منظور : مادة (نضخ).

[29] الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: 20/161.

[30] التصوير الفني في القرآن: ص 34.