انهيار شرفات الاستشراق على طريق السور المكية..الإضمار الجابري وآيات الله.
طارق منينة

تعليقاً على قوله تعالى " وَاللَّهُ أَنبَتَكُم مِّنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا" (سورة نوح:17)، قال الجابري من غير زيادة مرجوة او نفي لأي تهمة عن القرآن ، موحيا بإرتباط ماجاء في الآية الكريمة بإعتقادات وثنية: "كان القدماء يتمسكون بنظرية خلق الإنسان من طين على غرار نشوء الدود فيها. قالوا: يتخمر الطين بفعل اختلاط الماء والتراب فيتكون الدود فيصير كائناً حياً في أدنى درجات التكوين ثم يتطور الى ما هو أرقى الى الحيوان، ثم الى الإنسان" (القسم الثاني ص 190). وهنا أيضا لا نعدم للجابري استدعاءً محتالاً لموروثات الحضارات الوثنية البائدة، وكأنه يشير إلى أن الآية عكست أساطير القدماء عن خلق الإنسان، وقد تقدم عرض بقية أحجيته واتهاماته في ذلك، وهو يعتمد فيما أضمره هنا على فطانة القارئ، وهي حالة علمانية مستترة يوضحها خليل عبدالكريم في عرضه لمشروع محمد أحمد خلف الله الذي أرجع مصدر القَصَص القرآني إلى اعتقادات المخاطبين زمن التنزيل فيقول: "أثبت أنه باحث جريء فكرياً، طرح ما استطاع طرحه في شجاعة نادرة، وما لم يستطع فقد تركه لفطانة القارئ وذكائه ولقانته ولماحيته" (الفن القصصي في القرآن الكريم مع شرح وتعليق خليل عبد الكريم ص475، سينا للنشر، 1999، ط4)، وقال" أشرنا إلى ما أضمره المؤلف وما دسّه لا في السطور فحسب، بلما بينها وترك فهمه وإدراكه لفطانة القارئ" (ص498(.

والجابري يقوم بذلك الدس لأنه من مستلزمات مرحلة الـ"بين بين" الجابرية، اي بين "التلميح والتصريح" ومن المعلوم أن محاولة التسلل بفكرة "تاريخية النصوص" العلمانية الى آيات القرآن، لطمس الحقائق والتشويش عليها أمر معروف عن "الصنائع" المستترة!
نحن نفهم ان العلمانيين الذين ينكرون قصة الخلق الإلهي يرفضون تبعاً لذلك مقطع (خلق الإنسان من طين) والذي استعارته أساطير الأمم من الدعوات الربانية في الحضارات والمدن القديمة وخلطته فلاسفتها وكهنتها بتصوراتها، ومنها ماذكره الجابري ومثله قول "سبتينو موسكاني" عن الأسطورة البابلية:"..."مردك" يأخذ التراب ويمزجه بدم الإله "كنجو"..، ويصنع منه الانسان" (الحضارات السامية القديمة،دار الرقى بيروت 1986، ص85). ومع ذلك فالعلمانية ، هي، وليس الإسلام، سليلة الوثنية فهي تنتج أساطير عن الخلق الأول وأصل الكون وأصل الإنسان..إلخ ،وأساطير فرويد ـ كمثال ـ عن البشرية الأولى وعن النبي موسى لا تخفى على القارئ.(يمكنك الإطلاع عليها من خلال كتاب فرويد(النبي موسى والتوحيد) ترجمة جورج طرابيشي.

لكن لا علينا فثمة علماء غربيون آخرون أسلموا وأعلنوا أن حقائق الوحي القرآني تُناقض خرافات الأمم وأساطيرها. كما أن آيات القرآن عن خلق الإنسان من طين لا تنافي الاكتشافات العلمية فهناك تشابه واضح بين التركيب الكيميائي لكل من جسم الإنسان وتربة الأرض الزراعية" (تفسير الآيات الكونية للدكتور زغلول النجار،مكتبة الشروق الدولية "2157-158/" ط -1، 2007) وانظرالتفصيل في (2/445-446) فحتى ماصح مما قيل في الأساطير لايرفضه العلم ولايعارضه. وهو دليل قديم على وجود مصدر قبلي أو معاصر، وأصيل ، سرى أو انتقل، في ، وإلى، متن الأساطير وعناصرها، وهو مصدر خارج عن فعل الخيال البشري وانتاج عالم المادة، واذا علمنا أن الثقافات القديمة تأثرت بدرجة أو بأخرى بدعوات الأنبياء علمنا أن الحق الذي في الاساطير المختلفة له أصل سماوي ، وإن اختلط بخرافات الأمم تحت مؤثرات شتى، مادية وخيالية، وخرج بصورة ساذجة أو خاطئة.
وقدأثبت التحليل العلمي صدق هذه الحقيقة القرآنية المجردة والمرتبطة، في موضوعها، بحقائق قرآنية أخرى، لهاأهمية كبرى في العلم القرآني الشامل عن قضية خلق الإنسان، منها ما ذكرته السورة نفسها وأغفله الجابري وهي الآية "وقد خلقكم أطوارا" (نوح:14) وقد فُصّلت هذه الأطوار بدقة مدهشة في سورة المؤمنون)وفيها تفصيل الأطوار،الآية:14) سبحان الله! ، الآية في سورة نوح رقم 14، كما تقدم وفيها لفظ مجمل" "وقد خلقكم أطوارا" وفي المؤمنون رقم 14 أيضا، إنها آية، والخلق من تراب آية، و"الخلق" في (أطوار ومراحل) آية :"ومن آياته أن خلقكم من تراب) "الروم:20") .(ملاحظة: إن المستشرق المغرض يقول عن آية "وقد خلقكم أطوارا" وأمثالها من الآيات القصيرة، انها من نفثات وسجع الكهان! ، هذا فضلا عن أنه يغفل تفاصيل مراحل هذا الخبر العلمي الجامع التي ورد تفصيلها في سورة المؤمنون!، فإنغلق عليهم باب المعرفة!، وقد كشف الوحي القرآني هذه التلاعبات الاستشراقية الصبيانية بقوله :" انظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا فلايستطيعون سبيلا"(سورة الفرقان:9) نعم، سدوا على انفسهم الأبواب جميعا بالتعصب والإنغلاق المعرفي. فلايستطيعون سبيلا.

وكذلك يقولون عن التعبير القرآني عن "الإنبات" والوارد في سورة نوح، ويزيد الجابري على اتهامهم للقرآن ، موضوع"التاريخية" والأساطير لزوم الحداثة!

وأما قول الله " وَاللَّهُ أَنبَتَكُم مِّنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا" (سورة نوح:17) فهو يعبر عن عمليات الخلق والتكوين والإنشاء والنمو والتجدد والرعاية الدائمة، ومعلوم أن نمو النطفة والعلقة وتطور مراحلهما في القرار المكين يشبه الإنبات من جهة النمو والتغير والتخلق والعناية والتطور والتدرج والمشهد ، الأمر الذي نراه في عالم الإنبات وتعرضه الشاشات! فالعناية بالجنين في كل أطواره حتى نفخ الروح ومابعد ذلك فيه شبه بالإنبات الذي تراه الأعين في أنواع النبات ولو نظرت إلى هذه العملية المدهشة لنمو الجنين لحظة بلحظة لمادار بخيالك غير هذا اللفظ الدقيق "أنبتكم" او تذوق معناه وصورته من غير القدرة عن الاعراب عنه لفظا او الاعراب عنه بألفاظ قريبة.فاذا وقع نظرك على اللفظ القرآني وانت تنظر مباشرة للحدث الكبير وصوره فستجد التعبير عن مافي نفسك مسبوكا في القرآن بعناية ودقة وكمال.

والصورة المعروضة في القرآن في دقة عجيبة وتحديد حاسم وجرس نابض تُعرض في صياغة تعبيرية صادقة يندهش لها الإنسان العادي كما يندهش لها العالم في مختبره وخلف شاشاته الحديثة .. يندهش لها العالم وهو يتأمل ، بكيانه كله، نمو الجنين خطوة بخطوة، لحظة بلحظة، ثانية بثانية، تحت مجاهره واجهزته وشاشاته المتطورة فاذا اراد ان يعبر عما يرد في شعوره المتنبه لعملية الإنماء والتنامي ، وإذا أراد ان يعبر عن مايرد في وجدانه ويظهر اثره في نفسه ويحس بجرسه في قلبه وتندفع خواطره المتسارعة الى عقله مع استثارة حسية بالغة وايحاء عقلي لطيف عن كامل العملية من البداية حتى النهاية من زرع النطفة –والعلم يستخدم اليوم كلمة زرع!-وانبات العلقة وتنامي الجنين بمراحله او اذا اراد التعبير عما يقع في شعوره من الإيماء اليقظ ، والايحاء الجميل فانه لايبعد كثيرا وهو صاحب العقل ، وصاحب لغة الحقيقة والعبارة، عن لفظ القرآن لأنه يشهد أمامه ،فعلا، عملية إنبات حقيقية تتم في تنامي وتطور، وفي قرار مكين، تتصل به كامل اجهزة التغذية والحياة!

وعملية نحت المصطلحات في العلم عملية شائكة ليست سهلة كما يتصور من أول وهلة، فقد يدور المعني في النفس ولاينطلق اللسان بتعبير جامع معبر عن الحقيقة بكل صورها، وقد يكون للحقيقة الواحدة أكثر من تعبير ، فقد يكون التعبير عن شيء هو تعبير عن الإحاطة الخارجية به او تعبيرا عن صوره معينة من صوره، وقد يكون تعبير عن الإحاطة الداخلية به ، وقد يكون عن مجموعة من التفاصيل أو العمليات كما أطلق الله تعالى لفظ النطفة على نطفة الرجل ونطفة المرأة معا مع أن هذه غير تلك الا انه لما جمعهما عملية واحدة اختلطا فيها، في أمشاج مختلطة، صارت النطفة واحدة.. وقد حاول المسلمون عبر العصور التعبير عن لفظ "الآية" الواردة في القرآن، فالقرآن هو "الآية" وهو لفظ جامع، حاولوا التعبير عنها بصور شتى ، أوحى بأكثرها القرآن نفسه، والبعض الآخر كان يقترب احيانا من الحقيقة ويبعد احيانا(كالصرفة عند المعتزلة) ، وقد عُبر عنها بالتحدي، المحفوف، عند البعض، بلفظ" العجز" الذي اقترن فيما بعد بلفظي الإعجاز والمعجزة، كذلك لفظ " المعارضة" وقد سموا "طلب المعارضة"(تحديا)لأن القرآن تحدى الناس أن يأتوا بمثله أو بمثل عشر سور ثم بمثل سورة. وقد قام البعض بالمحاولة، أي الإتيان بمثل سورة من القرآن لكنهم أتوا بسخافات العقول ثم ظهر لفظ "المعجزة" وهي الآية الكاشفة عن عجز جميع الخلائق، المبطلة لجميع قدراتهم على مثلها كما قال الاستاذ محمود شاكر ثم تبلور معنى جامع ايضا وهو إعجاز القرآن، فلو نظرنا إلى نظم القرآن وتأليفه لعلمنا انه قطع أطماع البلغاء من إدراكه أو الإتيان بمثله (انظر مدخل إعجاز القرآن للعلامة محمود شاكر ص 23 وماقبلها، و66)، فلفظ الآية لفظ وافي، جامع لهذه المصطلحات جميعا –الا الخارج عن حقيقة الآية في القرآن- ففيها التحدي مع إعلامهم انه لم يصرف عنهم القدرة فعندهم اللغة ، هذا فيما يخص بلاغة القرآن وكمال صياغته!

والعالم في مختبره قد يحاول التعبير عن صورة متراكبة متداخلة بألفاظ شتى قد يقرب بعضها من الحقيقة الكلية، المكتشفة أو المتصورة أو المشاهدة. وقد يقصر لكن غالبا مايكون الشعور الداخلي جامع وموجود في النفس لكن لايستطيع التعبير عنه بلفظ جامع او التعبير عن صورة من صوره بلفظ رائق. أما القرآن فالفاظه رائقة دقيقة مبينة وجامعة وكل كلمة موضوعة في موقعها ومحفوفة بما يفوق قدرة البشر مثل الوعد بالنصر ، مثلا، والمصاغ بصياغة ،ايضا، دقيقة ومحددة ، وفي جملة وآية منظومة بأحسن نظم وأكمله وهكذا في كل القرآن فمن يقدر على هذا كله حتى لو كان معه الخلائق كلها ، من يقدر عليه من البشر ويعبر عنه بصور شتى وصياغات متعددة وكلها حق ومنها الوعد بالنصر والخطف والهزيمة وايقاع ذلك في وقته المحدد وزمنه المرتب فسبحان من أنزل القرآن وتحدى البشر به ، وفيه من العلوم التي ينبهر لاكتشافها علماء كل عصر ، كل بحسب ماظهر له من كنوزه ودرره وعلمه وعلومه.

ويأتي العلمانيون فيرمون ألفاظ القرآن بأنها امتداد للأساطير والخيال البدائي الساذج !! ويمضون على سنة الاستشراق فيزعمون كما زعم بعضهم انه سجع كهان وتنغيم وننفثات ! ، ولو ان أحدهم جلس أمام المجهر الحداثي العصري ، وأمام عينه الآيات القرآنية المعنية بخلق الجنين ومراحله، الآيات القصيرة والآيات الطويلة ، المجملة والمفصلة كما في آيات الخلق في أطوار، وراقب اللحظات كلها ، والمراحل، التي يمر فيها الجنين في تكونه لإندهش لدقة وروعة وجمال التعبير والصياغة القرآنية ، وعلم ان ليس الكهان وحدهم لايقدرون عليه بل عقلاء الأمم وفلاسفتها، هذا ان لم يندهش لنفس العملية المشاهدة تحت المجهر او خلف الشاشات الحديثة، التي يزعمون انها وجدت خبط عشواء او صدفة بلهاء أو تطور ذاتي !، ولكنهم وياللحسرة، يجلسون في معابد آلهة العلمانية الغربية –واغلب رجالاتها اما مات منتحرا (من ملاحدة العرب نذكر واحدا وهو اسماعيل أدهم صاحب الكتاب المشهور "لماذا أنا ملحد" وقد رد عليه الاستاذ محمد فريد وجدي بكتاب" لماذا أنا مسلم) أو حاول الإنتحار مرات(نيتشه وغيره كثير!!)، او أرسله أهله إلى المصحات العقلية للاستشفاء والتعافي من شبه الجنون وخبل الشخصية واضطرابها- فيتلون اساطيرهم الضالة عن الكون والحياة والإنسان ويخبتون ويخشعون لمواقفهم الجريئة من الوحي والمقدس الحق والعناية الربانية.

إن الآيات المختلفة المذكورة في القرآن عن خلق الإنسان لتختلف إختلافا بينا عن ماورد في اساطير الأمم وخرافات الأديان المنحرفة والوضعية. ويمكنك الكشف عن ذلك بنفسك فالأطوار المذكورة بتفصيل دقيق ومدهش في سورة" المؤمنون" وخلق "العلقة" وذكر "القرار المكين" الذي يتم فيه حفظ النطفة بعناية فائقة ،ومنطقة "الصلب والترائب" ومايجرى الله فيها من عمليات بالغة الأهمية في خلق الجنين وذكر "الأمشاج" والماء "الدافق" ، كل ذلك ، وغيره ، لم يرد بهذه الصورة الكاملة السابغة الشاملة التي لاخطأ فيها الا في القرآن الكريم وهو مايدل على أنه جاء مغايرا تماما لمافي الأساطير من حشو خرافي وأخطاء لفقها الخيال البشري. بل جاء مصححا لكل مافي الخيال او الاستنتاج الخاطي من مزاعم ساذجة (ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير)(سورة الملك:14)
ان الإنبات قي القرآن يعني العناية والحفظ والرعاية والتجدد والتكوين ، وقد قال الله عن مريم ورعايته لها "وأنبتها نباتا حسنا".
ونحن نقرأ هذا ولايذهب خيالنا بعيدا في عالم الأساطير الجابرية والعلمانية التي فتنت العلمانية أيما فتنة واربكت مذاهبها الفلسفية وجعلتها تنكر الوحي وتُرجعه كما اُرجعت انحرافات النصوص الكنسية إلى أصول وثنية واسطورية.

إن لفظ "الإنبات" ليس له صلة باسطورة أو خيال وثني ، وانما بربوبية وعناية ربانية واوضاع دقيقة المراحل، متنامية ، ويمكن مشاهدتها خلف احدث الاجهزة العصرية وهي مثل قوله تعالى عن موسى النبي :" و"لتصنع على عيني" فهي صناعة عناية وتنمية ، وحفظ وتربية ، وتكوينوانشاء وتجدد. والقرآن يراعي في الصياغة البالغة الكمال مخاطبة الشعور والقلب والعقل والوجدان معا ، يخاطب شعور الجمال والخيال في الإنسان لكن بصورة لاباطل فيها ابدا ولا بما يسمونه المجاز الرمزي الفارغ من الحقيقة التي يعرضها النص نفسه ويبطلونها بمجازات العلمانية الطائشة التي تخبط خبط عشواء.

يقول سيد قطب في "مقومات التصور الإسلامي" بعد أن ذكر آيات التفكر في الكون ومنها آيات سورة الرعد :"وفي الأرض قطع متجاورات، وجنات من أعناب وزرع، ونخيل ،صنوان وغير صنوان يسقى بماء واحد ، ونفضل بعضها على بعض في الأكل. إن في ذلك لآيات لقوم يعلمون":" وأمثال هذه التوجيهات كثير، لإيقاظ أجهزة الإستقبال والتلقي في الكيان الإنساني كله ، لتدبر آثار القدرة في الأنفس والآفاق ؛ لتقوم شهادة الإدراك الواعي إلى جانب شهادة الفطرة ولتقاوم النفس البشرية المؤثرات المضللة التي تنحرف إليها البيئات البشرية مرة بعد مرة على مدار التاريخ الإنساني ، ومع وضوح الدلائل ، وقوة البرهان ، ووثاقة الفطرة فان الله سبحانه ، رحمة بعباده ، لم يشأ أن يكلهم إلى فطرهم وحدها ، ولا إلى وعيهم وحدهم ، ولا إلى خطاب الدلائل الكونية لفطرهم ووعيهم ، ولم يشأ أن يجعل حسابهم مرتكنا إلى هذه الوثائق بذاتها ، فأرسل إليهم رسلا يذكرهم ، ويوقظون فطرتهم ، وينبهون وعيهم إلى تلك الشهادات والدلائل المبثوثة في شتى مجالي الكون والنفس"(مقومات التصور الإسلامي ، دار الشروق، الطبعة السادسة ، 2006م، ص 276)

إن الجابري لم يكتفي بالتلميح او التصريح في محاولته الأخيرة في نقد القرآن ، وإنما حاول ايضا تقديم "النقد اللاهوتي" ، كما هو لفظه، ولكن كما قال هو "من خلالالقدماء"! وفي مرحلته الحالية(صدر هذا المقال قبل موته) يقوم به من خلال "انتقاء قول ورد في التفسير" لجعلهيدور في فلك خطته. ومسرى فريته وكمثال فإنه علق على قوله : " إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَاالذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ" (سورة الحجر: 9) والذي هو ، كما هو معلوم، وعد بحفظ القرآن ، بقوله ان معنى الآية هو:""حفظ الرسول من الجنون الذي يتهمونه به" (فهم القرآن الكريم ،القسم الثاني ص33). ويقول محاولا جعل مايمكن أن نطلق عليه اجماعا للأمة "هذا ويتمسك بعض الناس برد "الحافظون" الى القرآن كدليل على أنه لم ولن يتغير" ( (القسم الثاني ص34) ذلك أن الوعد بعدم تغير القرآن يفسد خطة الجابري في هدم المرجعية الإلهية للقرآن، ,وحقيقة انها لاتخضع للتاريخية التي يحاول العلمانيون إخضاع القرآن لها!والعلماني يتمنى أن تُزال مثل هذه الوعود الإلهية كلها من القرآن فهي –وكافة معتقدات الاسلام وثوابت القرآن - عثرة أمام مشاريعهمالمادية. يقول الجابري داعماً لفكرته المسبقة عن الحفظ الوارد في الآية ، أن مقصده هو حفظ الرسول ، وليس حفظ القرآن، وأضاف :"وممن قال بهذا الفرّاء وابن الانباري (ذكره الرازي)" مع أن الرازي نفسه رفض هذا القول وقال بأن القول الأول الذي عليه أغلب أهلالتفسير هو الراجح ، قال الرازي: "إلا أن القول الأول أرجح القولين وأحسنهما مشابهة لظاهرالتنزيل والله أعلم (تفسير الرازي، ج19، ص 164، دار الفكر، ط1) بل إن الجابري أخفى قول الرازي عن تحقق الوعد بحفظ القرآن ولم يذكره!(العلمانيون يتكلمون دائما عن الحجب والحذف والاقصاء والتعمية ..إلخ) مع ان الرازي بعد ان رجح القول بحفظ القرآن قال:" "ثم إنه تعالى حقق قوله في هذه الآية" (انظرتفسير الرازي ج 19 ص 164( فالجابري ببساطة حجب حقيقة النص كما حجب الحقيقة التاريخية الملحوظة الى يومنا هذا، الا وهي حفظ النص القرآني من الضياع والتحريف.

ليس هذا فقط ولكنه وبعد أن جعل الآية "إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَوَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ" تعني : حفظ الرسول من الجنون (يثبته هنا لينفي به الحفظ الأشمل!)، ذهب الجابري لآية الوعد الرباني التي تشير ليس الى حفظ الرسول فقط وانما رده الى مكة منتصرا ،وهو قوله تعالى" إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَإِلَى مَعَادٍ" (سورة القصص:85 (وهي مكية!)) فاختار الجابري لتفريغ الآية –في ذهنه!- من محتواها- ، القول، ان مقصود ال" معاد" في الآية ليس بالعود إلى مكة منتصرا وإنما بالإعادة الى الآخرة!، وكأن الرسول وحده هو الذي سيعود للآخرة دون البشر!،أو كأن هناك من الناس من يشك بأنه سيعود إلى الله كما عاد من قبله . قال "أما نحن فنرى (!) أن المعنى الذي يفرضه السياق هو "المعاد" بمعنى يوم الحساب والجزاء، الشيء الذي يعني أن النبي (( سيجازى يوم القيامة كبقية البشر" (القسم الأول ص 338-339)، ومعلوم أن الوعد برده الى مكة ورد فى مكة في مرحلة الاستضعاف وهو ما يعني حفظ الله له في مكة الى الخروجثم تمكينه ونصره في المعارك القادمة ثم إرجاعه الى مكة فاتحا تحقيقا للوعدالقيومي. وهو ماتحقق فعلا كما تحقق الحفظ للقرآن الذي حاول الجابري التعطية عليه بذكر مالم يرد في الآية ، وهنا نفى حفظ الرسول بالقول انه يعني رده الى الآخرة!!!

كنت قد قدمت تحت عنوان" نفثات الجابري الفارغة" محاولة الجابري السخيفة الخطيرة إعطاء حقيقة قوله الله "علم بالقلم" معنى انه قلم الأسطورة اليونانية ونسب ذلك لابن عباس والمفسرين كما قال بأن مقصد قول الله تعالم "علم بالقلم" هو علم القرآن بالقلم وهو مايعني قصر التعليم بالقلم على القرآن وليس على ماجاء فيه من الدعوة الى دراسة أسباب الكون وسنن الأرض والسماء وقوانين التاريخ البشري التي عرض الله هيمنتها عليه، كما ليس على علوم المادة وسنن الكون التي يخوض فيها اليوم غير المسلمين بمناهج المسلمين انفسهم! وفي قصر الجابري التفسير على ان علم بالقلم على تعليم القرآن بالحفظ والتلاوة، وطبعا على التصور العلماني لمفهوم نصوص القرآن!، محاولة أخرى على حجب الحقيقة التاريخية المتعلقة بإنشاء حضارة من إضاءات القرآن المبثوثة في كل سوره الكريمة. وهنا نقول ان العلمانيين يستميتون في نفي حقائق الوحي والتاريخ معا، ذلك انهم –كما فعل الجابري أخيرا في استعجاله قبل موته للقيام بنقد لاهوتي للقرآن- ارادوا ويريدون تفريغ معطيات الوحي بل وحقائق التاريخ عن حفظ القرآن والرسول وإشاء حضارة تنطلق من أول دعوة قرآنية تلقاها الرسول محمد أول مرة ، ثم تتالت بياناتها واضاءاتها بصورة لافتة ومدهشة، بل ويقولون للمسلمين انه ليس عندكم الأدوات المنهجية والعلمية والقيمية والعقلية لخوض البحث الكوني ولذلك فليكن ايمانكم خبتا وسرا او جهرا في المساجد واتركوا الدنيا لمن هو أجدر بها او تعلموا منهم واتركوا دينكم!( وقد رأينا نصر حامد ابو زيد يقول ان علماء الأمة يستعيرون مفاهيم الغرب عن العلم والقيم العلمية والحرية والعدالة لينسبوها للإسلام، يمكن الإطلاع على ذلك من كتابه " النص، السلطة ، الحقيقة))

وهكذا فالعلمانيون يغطون على حقائق الاسلام جميعا ويقومون يتحريفها وقد ضربت هنا مثلا بالجابري وكيف انه حاول قلب معطيات آيات الحفظ للقرآن وآية إرجاع الرسول منتصرا بعد إخراجه من مكة ، وكذلك قصر التعليم بالقلم على القرآن بعد العمل على فتحه على قراءات علمانية مع زيادة اتهام للصحابة، بل للرسول ، كما أورت في المقال المشار اليه، بأنهم نقلوا عن مصادر هرمسية مع العلم ان الجابري يصف الفلسفة الدينية الهرمسية بالإنحطاط العقلي وانها سبب انحطاط العقل العربي والإسلامي!!(وقد ألف لذلك مشروعه عن العقل العربي!)

وهكذا نرى أن اختيارات او انتقاءات الجابري ليست عفوية كما قد يظن لأول وهلة فهي في الغالب تصب في خدمة مخططه وعملية نقده ، وكما ترى فانه نفى الحفظ عن القرآن لان القول بحفظه سيسبب له مشكلة منهجية وقعت فيها مناهج الحداثة العلمانية وهي محاولة تأكيد القول بأن "الوحي" الرباني لايختلف عن النصوص الأدبية التاريخية البشرية ولايتميز عنها الا بخضوعه لتاريخ الوضع والمناخ العالمي يوم نزوله، وكذلك بصياغة عربية ممتازة !، ومن هنا زعمهم بتاريخية القرآن وخروجه من واقعه ومشهورة مقولة نصر ابو زيد عن الواقع اولا والواقع ثانيا والواقع اخيرا! فلذلك نفى الجابرى ان يكون قصد الآية هو "حفظ القرآن" لان القول بحفظ القرآن العظيم ينتهي الى القول بأنه فوق التاريخ ، لايخضع له.. آياته وتشريعاته ووعوده وغيبه، وان رسوله مرسل من الله، ليس صناعة ظروف تاريخية او تحولات دولية وتهيئة داخلية!(ومعلوم أن الجابري حاول خلخلة ذلك كله في كتابه" مدخل إلى القرآن) ولذلك اختار الجابري ماهو أهون عليه من القول بحفظ القرآن- وهو تفسير الآية بالقول بأنها تعني "حفظ الرسول من الجنون" وهذا الحفظ لايعني له الشيء الكثير أو بالأحرى لم يتمعن الجابري في لوازمه التي تؤدي الى القول بعدم تاريخية القرآن الذي أُنزل عليه!! ، فاذا كان الرب نفسه قد حفظه من الجنون وحفظه في سائر شؤونه وحقق له وعوده فهذا يعني نفي التاريخية التي يحاول الجابري رمي القرآن بها! وعلى كل لقد قام الجابري بمحاولة تبين حجم عقله الذي يتفاخر به العلمانيون! ويبدو كما ترى انها فاشلة ولاتؤدي للغرض!! ، ومعلوم أن العلمانيين ينفون تهمة قريش للنبي بالجنون ليضعوا مايظنوا انه أوقع في الحجة و اقرب للعقل المادي! مثل أن الرسول خطط لعودة حزب هاشمي( فرضية سيد القمني الخيالية) أو خطط لإقامة امبراطورية قرشية( فرضية خليل عبد الكريم الواسعة اليائسة!) أو الزعم بفاعلية تاريخية فريدة استخدم لها محمد كل ماهو متاح في البيئة والفكر ، حتى الهندوسي منه والأرسطى(فرضية طيب تيزيني) أو انه كان اعقل قومه ولذلك سافر إلى الشام مرات كثيرة في هجرات متتالية للتعلم والدراسة في كنيسة القس إفرائيم أي على مذهب من مذاهب المسيحية السورية!( فرضية هشام جعيط المنسلخة من فرية القس السويدي تور أندري!) وكل هؤلاء اقطاب كبار للعلمانية العربية وليسوا شباب صغير السن ومغامر!

لقد كان الجابري يسابق الزمن فسبقه الزمن ويسابق الوقت فأرداه قتيلا من قال بقيومية كاملة وهو الله تعالى "الشمس والقمر بحسبان"(الرحمن الآية 5) فكل شيء عنده سبحانه بمقدار وحسبان حتى اخذ هؤلاء عافانا الله واياكم من ذلك الخزي، وذلك بعد ان ترك له اختياره الأخير وليرسم لعبته المحطمة وملهاته الخائبة المدبرة في اربعة اجزاء اخيرة ختم بها حياته ليحق قول الله تعالى فيه :" إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ ، وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ ، وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ ، إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ ، يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ ، قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ ، الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ"(سورة الذاريات:5-11)