ملاحظات منهجية حول إنتاج المعرفة القرآنية*
محمد بن جماعة



لئن كان القرآن الكريم يمثل كتاب هداية للمؤمنين به، فإنه يعتبر أيضا كتاب الزمن كله والإنسانية كلها، يعكف عليه الباحثون المتخصصون وعامة المسلمين تفسيرا وتعليلا وتنزيلا في الواقع.
وتحتوي المكتبة الإسلامية على آلاف الكتب التي تجعل من القرآن الكريم محورا لها، إما لبيان معانيه أو لتوفير المادة العلمية المساعدة على فهم معانيه. وقد تشعبت المعارف القرآنية وكثرت تفاصيلها نتيجة لهذا العدد الهائل من المؤلفات، والمتكاثر باستمرار، بحيث أصبح من الصعوبة بمكان على الباحث المتخصص، فضلا عن غير المتخصص، أن يحيط بجزئيات فن واحد من فنون العلم فضلا عن أن يحيط بمختلف المعارف القرآنية.
ومن خلال نظرة سريعة وشاملة على هذه المكتبة، يمكن الخروج بثلاث ملاحظات منهجية:

1- الملاحظة الأولى:

وتتمثل في أن التعاملَ مع القرآن الكريم يتنازعه اتجاهان خاطئان (1)، يرى أحدهما الاكتفاء بدلالة النص زمن نزوله، وأن كتاب الله قد فسره العلماء الراسخون في العلم تفسيرات استغرقت جميع معانيه، وما على المسلم المعاصر إذا أراد فهمه سوى أن يعود إلى أقوال السلف الصالح، ولا مجال بعدها لمستزيد. ويقوم هذا الاتجاه على أن للقرآن معنى تاريخيا فقط، يتمثل في جملة المعاني التي استنبطها المفسرون الأوائل كالصحابة والتابعين وعلماء القرون الأولى، والتي مثلت إطارًا دلاليًّا للغة القرآنية. ويكمن خطأ هذا الاتجاه في كونه يؤدي إلى:
* السقوط في تعارض بين الإطار التاريخي للمعنى القرآني وبين صلاحيته لكل زمان ومكان،
* وإلى الوقوع في وهم المطابقة بين الكلام المفسِّر والكلام المفسَّر في التنزيه والقدسية.
أما الاتجاه الثاني فيرى أن النص القرآني نص لغوي مفتوح يخضع، كأي نص من النصوص، لتطور الدرس اللغوي والأدبي والتاريخي، ويبقى ميدان تجربة للقارئ يقرأ فيه ما يشاء. ويرى هذا الاتجاه أن معنى النص يمكن أن تتعدد وتتنوع قراءاته، وبالتالي فما يهم هو دلالة النص "زمن قراءته". ويتمثل انحراف هذا الاتجاه في كونه يجعل النص تابعاً للمتلقي المزوّد برؤى قبلية ومعانٍ جاهزة، بدل أن يتجه المعنى من النص إلى القارئ.

2- الملاحظة الثانية:


وتتمحور حول طبيعة الدراسات القرآنية وكيفية توليد المعارف القرآنية، حيث توجد مقاربتان مختلفتان في توليد هذه المعارف:
إحداهما يمكن تسميتها بالمقاربة التجزيئية أو التحليلية (Analytical Approach)، وتقوم على اعتبار المواضيع الضخمة والمتشعبة غير قابلة للدراسة بدون تجزئتها وفصل أجزائها بعضها عن بعض، بما يسمح بالتعمق في تفاصيل كل جانب من الجوانب على حدة. وبالتالي فهي تقوم على الخطوات التالية (2):
* تقسيم كل واحدة من المعضلات المختبرة إلى أجزاء على قدر المستطاع، وعلى قدر ما تدعو الحاجة إلى حلها على خير الوجوه،
* تسيير الأفكار بنظام، بدءا بأبسط الأمور وأسهلها معرفة، للوصول بخطوات تدريجية إلى معرفة أكثر ترتيبا، بل وفرض ترتيب بين الأمور التي لا يسبق بعضها الآخر،
* القيام بالإحصاءات الكاملة والمراجعات الشاملة بما يضمن عدم إغفال أي شيء.
ومن خصائص هذه المقاربة: الدقة في الجزئيات، والتفصيل في القواعد، والاكتفاء بتحديد طبيعة العلاقات والتفاعلات بين الجزء المدروس والأجزاء الأخرى المحيطة به.
وقد شاعت هذه المقاربة في حقل البحث الفقهي، ثم انتقلت إلى حقل البحث القرآني، فأدت إلى ظهور ما اصطلح عليه بعلوم القرآن. ونتج عن تطبيقها:
- تفريع علوم القرآن إلى عدد كبير، فظهرت كتب متخصصة في أسباب النزول، أو المحكم والمتشابه، أو الناسخ والمنسوخ... وذهب بعضهم في التفريع إلى حد الإغراق في الجزئيات، فجعل علوم القرآن –مثلا- أكثر من 120 علما،
- تكريس الاستقلالية بين العلوم المتفرعة، فأصبحت علوم القرآن والتفسير وأحكام القرآن والأصول، مثلا، تخصصات مستقلة بعضها عن بعض،
- ظهور التفاسير الترتيبية التي تفسر القرآن آيةً آية، ولفظًا لفظا.
وتكمن أوجه القصور في المقاربة التحليلية في النقاط التالية:
- الاضطرار إلى تحديد الإشكاليات المدروسة بشكل ضيق وفرعي،
- عزل التخصصات بعضها عن بعض (وكذلك المباحث العلمية)، من جهة، وعزلها عن الواقع الحقيقي، من جهة أخرى، وتكريس التخصص المفرط والمبالغ فيه،
- الصعوبة المتنامية في التواصل بين المتخصصين في مختلف الميادين، نتيجة اعتماد هذه المقاربة،
- النزوع نحو رؤية كل جزء على حدة ثم تعميم نتائج هذه النظرة على الأجزاء الأخرى، مما يؤدي إلى الشك في نجاعتها في مواجهة حل المشكلات المعقدة.
وحين ننظر إلى أثر اعتماد هذه المقاربة في التفاسير الترتيبية للقرآن، مثلا، نجد أن من مزاياها أنها تسمح بمعرفة أغراض الآية من خلال سياق النزول الزماني والمكاني، مع ضمها إلى ما قبلها وما بعدها من الآيات، من خلال القرائن الداخلية والخارجية، وهو ما يسمح بالنظر الدقيق إلى كل آية في موضعها الذي نزلت من أجله. غير أنها لا تسمح بإدراك المناسبات والروابط وشبكات العلاقات بين الكلمات في إطار الآية، ولا بين الآيات في إطار السورة، ولا بين السور في إطار القرآن كله، خصوصا عند النظر إلى المواضيع ذات الأبعاد المتعددة، والمتناثرة في مواطن مختلفة من السور.
أما المقاربة الثانية فيمكن تسميتها بالمقاربة النظامية (Systemic Approach) (3)، وقد نشأت كمنهجية مخالفة للمقاربة التحليلية، معتمَدة على أساس أن النظام المركّب من مجموعة وحدات له من الخصائص العامة التي قد تكون أولى بالدراسة من خصائص كل وحدة من وحداته منفردةً عن باقي وحدات النظام.
وترى هذه المقاربة أنه لا يمكن فهم النظم المعقدة فهما دقيقا من خلال الاكتفاء بدراسة وحداته مستقلة بعضها عن بعض كل على حدة. وتؤكد، من ناحية أخرى، على أن معرفة النظام لا بد أن تمر عبر دراسة علاقاته وتفاعلاته مع المحيط والبيئة التي يتواجد فيها، نظرا لتأثر النظم والبيئات المختلفة بعضها ببعض، بحيث أن أي ظاهرة تظل غير قابلة للفهم ما لم يتم توسيع دائرة الملاحظة لتشمل كل الظروف والسياقات والعوامل المحيطة بها.
ولذلك تعتبر المقاربة النظامية متناقضة مع المقاربة التحليلية. إذ خلافا لهذه الأخيرة التي تدعو إلى التجزيء والتفكيك وعزل الوحدات والعوامل بعضها عن بعض، تقوم المقاربة النظامية على دراسة النظام الواحد بأبعاده المختلفة، من زوايا متعددة، اعتمادا على عدد من الهياكل والنظم المعرفية، ومن خلال فهم العلاقات والمؤثرات الداخلية والخارجية. وهذا ما يجعل المقاربة النظامية قادرة على تجاوز النقائص والأخطاء التي تنجر عن المقاربة التحليلية.
ويرى لومواني (Le Moigne) (4) أن المقاربة النظامية تسعى لتحقيق أهداف أربعة:
- وضع نظرية تفسر الكون على أساس أنه نظام،
- محاولة وضع نماذج لفهم التعقيد،
- البحث عن المفاهيم والقوانين والنماذج المتشابهة والتي يمكن تطبيقها على مجموعات ونظم مختلفة،
- وضع تصورات للأدوات والوسائل المستخدمة.
وقد مرّ تعريف مفهوم (النظام) بتطورات مختلفة لخّصها لابوانت (Lapointe) (5) كما يلي:
- النظام: "مجموعة منظمة"
- النظام: "مجموعة مركّبة من وحدات متفاعلة فيما بينها"
- النظام: "مجموعة مركّبة من وحدات في تفاعل دائم بينها، لخدمة هدف مشترك"
- النظام: "كيان -حين يكون موجودا في سياق معين، وتكون له غايات محددة- يقوم بممارسة نشاط معين فيجد تركيبته الداخلية تتطور عبر الزمن، بدون أن يفقده ذلك هويته الأصلية والمستقلة"
- النظام: "وحدة بنائية تتسم بهيكلية هرمية، وخصائص بارزة، وشبكات وعلاقات. وهذه الوحدة لها خصائص هامة على مستوى النظام الكلي، غير أن هذه الخصائص قد لا يكون لها أي قيمة أو أثر على مستوى أجزاء الوحدة البنائية حين تكون مستقلة بعضها عن بعض".
وكما هو ملاحظ، فإن جميع هذه التعريفات تتضمن مفاهيم الترتيب، والتسلسل الهرمي، القابلة للمشاهدة. كما تتحدث عن الخصائص التالية: الظهور، التفاعل، الترابط، الغائية، التطور، الوحدة البنائية.
وتقوم المقاربة النظامية على جانبين مترابطين هما (6): المعرفة والفعل. وتنقسم المعرفة بدورها إلى حقل فلسفي (عام) وحقل نظري (خاص)، في حين ينقسم الفعل إلى حقل منهجي وحقل تطبيقي عملي. وتعمل الحقول الأربعة بكل مترابط ومتداخل بدون تجزيء.

3- الملاحظة الثالثة:

أما على صعيد البحث العلمي، فيتسم واقع التراث العلمي في مجال الدراسات القرآنية بكثرة الكتب والمصادر وتشتتها، وتشعب المعلومات واختلاف المناهج، وعدم الاتفاق على القواعد المتحاكم إليها، وغياب منهج دقيق وموحد لتوثيق الأخبار المنقولة، والتكرار، وعدم الترتيب، وعدم الشمول والاستيعاب، رغم كل المجهودات الهائلة والمبذولة لحد الآن، وهو ما يجعل الباحث الأكاديمي أمام صعوبات منهجية وعملية جمة.
وقد برزت في السنوات الأخيرة محاولات عديدة لإنجاز موسوعات إلكترونية ومحركات بحث متخصصة لخدمة الباحثين في حقل الدراسات القرآنية (7)، غير أنها تتسم جميعا بالجزئية وعدم الاستيعاب، وضعف الحِرَفية التقنية، وغياب الرؤية المنهجية (انظر جداول المقارنة 1 و2 و3 بين الكشافات الموضوعية الآلية الموجودة حاليا، وقد تم وضعها في المرفقات)، إضافة إلى اعتماد أكثرها على تقنية معالجة النصوص وإدارتها (File Management System) بدلا من معالجة المعلومات وإدارتها في قواعد بيانات متطورة وذكية (Database Management System).

ويبقى السؤال الرئيسي مطروحا: "هل يمكن حصر المعارف القرآنية وجمعها وترتيبها في إطار واحد، وتحرير مواطن الخطأ والصواب فيها بطريقة أقرب إلى الموضوعية تعتمد على العمل الجماعي المشترك، لتوفيرها لأهل الاختصاص، وللمسلمين عامة؟".

الهوامش:

1- النص القرآني ومشكل التأويل، المصطفى تاج الدين، المصدر: إسلامية المعرفة، العدد 14، 1998- 1999، ص ص7-29
2- مقال في المنهج، ديكارت، ص 131-132
3- L'approche systémique: de quoi s'agit-il?, Donnadieu, et al.
http://www.afscet.asso.fr/SystemicApproach.pdf
4- نفس المرجع
5- المرجع السابق
6- موقع الجمعية الدولية لعلوم الأنظمة International Society for the Systems Sciences, ISSS:
http://www.isss.org/primer/4domains.htm
7- الكشافات الموضوعية الآلية للقرآن الكريم، مجدي عبد الجواد الجاكي، رسالة دكتوراه غير منشورة


** جزء من بحث بعنوان: "منهجية تعاونية لإنجاز (موسوعة إلكترونية شاملة للقرآن الكريم وعلومه)" - مقدم لندوة (القرآن الكريم والتقنيات المعاصرة)، التي أقامها مجمّع الملك فهد لطباعة المصحف الشّريف، بالمدينة المنورة سنة 2009