السبيل إلى تحصيل النور
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله النبي الأمين ، وبعد، يقول الحق سبحانه في محكم التنزيل:" أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا، كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ"الأنعام (122). .
ليسمح لي القراء الكرام أن أبدأ حديثي معهم بقصة قد تحصل لأي واحد منا يملك دابة-سيارة أو غيرها-، تصور أخي أنك مسافر في الليل مع أهلك، وفي طريق وعر منقطع، وفجأة انطفأ المصباح ، فلا ترى ما أمامك، ولا ما خلفك، ولا ما على يمينك، ولا ما على يسارك، فالخطر محدق بك من جميع الجوانب، وفجأة جاء من يضيء لك الطريق ويسير أمامك ويطلب لك أن تتبعه حتى تخرج من الخطر.
تُرى أخي كم يساوي عمل هذا الرجل؟.. لقد أنقذ روحك، أنقذ أرواح أسرتك بكاملها، بل أنقذ أرواح أناس كان يمكن لك أن تدوسهم في طريقك دون أن تراهم.
إنه مثل قول إياس بن معاوية في التفسير بالنسبة لفهم القرآن:" مثل الذين يقرأون القرآن وهم لا يعلمون تفسيره، كمثل قوم جاءهم كتاب من ملكهم ليلا وليس عندهم مصباح، فتداخلتهم روعة ولا يدرون ما في الكتاب، ومثل الذي يعرف التفسير كمثل رجل جاءهم بمصباح فقرأوا ما في الكتاب"[1].
هل يوجد على وجه هذه الأرض من لا يعرف النور بكل ما تعنيه الكلمة فلولا النور لما استطعنا الرؤية، فهل يستطيع أي إنسان أن يرى أو أن يمارس حياته فى الظلام ؟ الإجابة لا .. لا يستطيع الإنسان العيش في الظلام بدون النور وهل من أحد يستطيع أن يأتيك بالنور غير الله رب العالمين ؟.
للاجابة على هذا يقول تعالى: " قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ اللَّيْلَ سَرْمَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلا تَسْمَعُونَ". القصص/71 .

-إنه النور، وضده الظلمة: " ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها ، ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور..".
-النور اسم من أسماء الله الحسنى، بل هو حجاب الرحمان، كما جاء في سنة النبي العدنان:" عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: قَامَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِخَمْسِ كَلِمَاتٍ فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ لَا يَنَامُ وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنَامَ، يَخْفِضُ الْقِسْطَ وَيَرْفَعُهُ، يُرْفَعُ إِلَيْهِ عَمَلُ اللَّيْلِ قَبْلَ عَمَلِ النَّهَارِ، وَعَمَلُ النَّهَارِ قَبْلَ عَمَلِ اللَّيْلِ، حِجَابُهُ النُّورُ، لَوْ كَشَفَهُ لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ".سنن ابن ماجه 1 / 227)191..
-إنه خلق من خلق الله، خلقه يوم الاربعاء ، حيث جاء عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِي فَقَالَ: خَلَقَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ التُّرْبَةَ يَوْمَ السَّبْتِ وَخَلَقَ فِيهَا الْجِبَالَ يَوْمَ الْأَحَدِ، وَخَلَقَ الشَّجَرَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ ، وَخَلَقَ الْمَكْرُوهَ يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ ، وَخَلَقَ النُّورَ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ، وَبَثَّ فِيهَا الدَّوَابَّ يَوْمَ الْخَمِيسِ، وَخَلَقَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَام بَعْدَ الْعَصْر،ِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فِي آخِرِ الْخَلْقِ فِي آخِرِ سَاعَةٍ مِنْ سَاعَاتِ الْجُمُعَةِ فِيمَا بَيْنَ الْعَصْرِ إِلَى اللَّيْلِ". صحيح مسلم - (13 / 376)4997.
-إنه النور الرباني الذي أصيب به كل مؤمن عندما ألقاه الله على خلقه، جاء في سنن الترمذي عن عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ خَلَقَ خَلْقَهُ فِي ظُلْمَةٍ، فَأَلْقَى عَلَيْهِمْ مِنْ نُورِهِ فَمَنْ أَصَابَهُ مِنْ ذَلِكَ النُّورِ اهْتَدَى وَمَنْ أَخْطَأَهُ ضَلَّ فَلِذَلِكَ أقُولُ جَفَّ الْقَلَمُ عَلَى عِلْمِ اللَّهِ". سنن الترمذي - (9 / 236)2566.قَالَ أَبُو عِيسَى هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ.
-إنه النور الذي نحتاجه في قبورنا، كما قال :" إذا قبر أحدكم أو الإنسان أتاه ملكان أسودان أزرقان يقال لأحدهما: المنكر والآخر: النكير فيقولان له: ما كنت تقول في هذا الرجل محمد؟ فهو قائل ما كان يقول فإن كان مؤمنا قال: هو عبد الله ورسوله أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله فيقولان له: إن كنا لنعلم إنك لتقول ذلك ثم يفسح له في قبره سبعون ذراعا في سبعين ذراعا وينور له فيه فيقال له: نم، فينام كنومة العروس الذي لا يوقظه إلا أحب أهله إليه حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك ". رواه الترمذي وابن حبان وحسنه الألباني.
-إنه النور الذي يسعى بين أيدينا نحو جنة ربنا، قال تعالى:" يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ". (الحديد:12).
-إنه النور، الذي سميت به سورة من سور القرآن، وسميت كذلك ‏لما ‏فيها ‏من ‏إشعاعات ‏النور‏الرباني؛ ‏بتشريع‏الأحكام ‏والآداب ‏والفضائل ‏الإنسانية ‏التي ‏هي ‏قبس ‏من ‏نور‏الله ‏على ‏عباده ‏وفيض‏من ‏فيوضات ‏رحمته ‏وجوده ‏" ‏الله ‏نور ‏السموات ‏والأرض‏‏"من استئذان، وغض بصر، وحفظ الفرج، وحجاب، وتسهيل تزويج الشباب، ومنع البغاء وإشاعة الفواحش،...قال ابن الجوزي قال شيخنا علي بن عبيد الله : النور هو الضياء المتشعشع الذي تنفذهأنوار الأبصار فتصل به إلى نظر المبصرات وهو يتزايد بتزايد أسبابه.
نحن نبحث عن هذا النور، نبحث عما يحققه لنا في الدنيا ويوم لقاء الله، إنه النور الذي يصيب قلب كل مؤمن، فالقلوب أربعة كما قال :" قلب أجرد فيه مثل السراج يزهر، وقلب أغلف مربوط على غلافه، وقلب منكوس، وقلب مصفح، فأما القلب الأجرد : فقلب المؤمن سراجه فيه نوره ، وأما القلب الأغلف فقلب الكافر، وأما القلب المنكوس فقلب المنافق عرف ثم أنكر، وأما القلب المصفح فقلب فيه إيمان ونفاق ومثل الإيمان فيه كمثل البقلة يمدها الماء الطيب ومثل النفاق فيه كمثل القرحة يمدها الدم والقيح، فأي المدتين غلبت على الأخرى غلبت عليه . رواه الإمام أحمد . وقال ابن كثير : وهذا إسناد جيد حسن.
-نور لا يُحصّل بالدرهم والدينار، وإنما هو هبة الله فهو الذي يهب هذا النور لمن يشاء قال تعالى:" نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ "، وقال تعالى:" وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ". (النور/40). ولكن هناك أسباب إذا بذلها العبد وهبه الله هذا النور ، وتتمثل في :
أولا:أمور عقدية:
1-التمسك بدين الاسلام: قال تعالى :" يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبىالله إلا أن يتم نوره "، وفي سورة الصف :" يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره".
2-محبة الله وطاعته والعبودية له سبحانه: فإنه نور السماوات والأرض يهدي لنوره من يشاء من عباده قال تعالى:" اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ". (النور/35) . فمن أحبه الله أعطاه القبول في الارض وكذا في السماء، وذاك نور أنى يتحصل عليه، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:" إِذَا أَحَبَّ اللَّهُ الْعَبْدَ قَالَ لِجِبْرِيلَ قَدْ أَحْبَبْتُ فُلَانًا فَأَحِبَّهُ فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ، ثُمَّ يُنَادِي فِي أَهْلِ السَّمَاءِ إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَبَّ فُلَانًا فَأَحِبُّوهُ فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ الْقَبُولُ فِي الْأَرْضِ..".الموطأ - (6 / 23)1502.وقال تعالى :" أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه".
3- محبة النبي ومتابعته، فرسول الله نور أرسله لنستضيء بهديه فقال الله تعالى:" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ ، وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ". (الحديد/28).
ثانيا: أمور تعبدية:
1-الصلاة : عَنْ أَبِي مَالِكٍ الأَشْعَرِيِّ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " الطُّهُورُ شَطْرُ الإِيمَانِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلأُ الْمِيزَانَ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلآَنِ ، أَوْ تَمْلأُ مَا بَيْنَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ، وَالصَّلاةُ نُورٌ، وَالصَّدَقَةُ بُرْهَانٌ، وَالصَّبْرُ ضِيَاءٌ، وَالْقُرْآنُ حُجَّةٌ لَكَ أَوْ عَلَيْكَ، كُلُّ النَّاسِ يَغْدُو، فَبَايِعٌ نَفْسَهُ فَمُعْتِقُهَا أَوْ مُوبِقُهَا)) .(صحيح مسلم). وقال صلى الله عليه و سلم: " من حافظ عليها كانت له نورا وبرهانا ونجاة يوم القيامة ، ومن لم يحافظ عليها لم يكن له نور ولا برهان ولا نجاة ، وكان يوم القيامة مع قارون وفرعون وهامان وأبي بن خلف .
- وعن أبي الدرداء : عن النبي أنه قال : " من مشى في ظلمة الليل إلى المساجد آتاه الله نورا يوم القيامة ". قال شعيب الأرنؤوط : صحيح بشواهده .
وقال : " بشِّـر المشائين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة " رواه أبو داود والترمذي .
2-الحج : عن عبادة بن الصامت قال ، قال رسول الله :" ... فإن لك من الأجر إذا أممت البيت العتيق ألا ترفع قدما أو تضعها أنت ودابتك إلا كتبت لك حسنة ورفعت لك درجة، وأما وقوفك بعرفة فإن الله يقول لملائكته: يا ملائكتي ما جاء بعبادي؟. قالوا: جاؤوا يلتمسون رضوانك والجنة، فيقول الله : فإني أشهد نفسي وخلقي أني قد غفرت لهم ولو كانت ذنوبهم عدد أيام الدهر وعدد رمل عالج ، وأما رميك الجمار قال الله :" فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون"، وأما حلقك رأسك فإنه ليس من شعرك شعرة تقع في الأرض إلا كانت لك نورا يوم القيامة، وأما طوافك بالبيت إذا ودعت فإنك تخرج من ذنوبك كيوم ولدتك أمك ". رواه الطبراني و صححه الألباني .
3- الوضوء: عبد الله بن مسعود قال: قيل يا رسول الله كيف تعرف من لم تر من أمتك؟ قال:غر محجلون بلق من آثار الوضوء ". رواه ابن ماجة وقال الألباني حسن صحيح .
4- ذكر الله: قال تعالى :" أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ". (الزمر/22). قال ابن القيم:" إن الذكر نور للذاكر في الدنيا، ونور له في قبره، ونور له في معاده يسعى بين يديه على الصراط فما استنارت القلوب والقبور بمثل ذكر الله "..الوابل الصيب.
*الإكثار من قول لا إله الا الله والنطق بها عند الموت: عن جابر بن عبد الله قال سمعت عمر بن الخطاب يقول لطلحة بن عبيد الله: ما لي أراك قد شعثت واغبررت منذ توفي رسول الله لعلك ساءك يا طلحة إمارة بن عمك، قال معاذ الله إني لأحذركم أن لا أفعل ذلك إني سمعت رسول الله يقول: إني لأعلم كلمة لا يقولها أحد عند حضرة الموت إلا وجد روحه لها روحا حين تخرج من جسده وكانت له نورا يوم القيامة فلم أسأل رسول الله عنها ولم يخبرني بها فذلك الذي دخلني، قال عمر : فأنا أعلمها، قال: فلله الحمد فما هي؟. قال: هي الكلمة التي قالها لعمه لا إله إلا الله قال طلحة صدقت". قال: شعيب الأرنؤوط : صحيح بطرقه .
*تلاوة القرآن: قال تعالى : " وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الْأِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ". (الشورى/52) . وعن عبد الله بن بريدة الأسلمي عن أبيه قال: قال رسول الله :" من قرأ القرآن و تعلمه و عمل به ألبس يوم القيامة تاجا من نور ضوؤه مثل ضوء الشمس ويكسى والديه حلتان لا يقوم بهما الدنيا فيقولان بما كسينا فيقال بأخذ ولدكما القرآن". رواه الحاكم وحسنه الألباني .
---ومنه: قراءة سورة الكهف يوم الجمعة : عن أبي سعيد أن النبي قال: " من قرأ سورة الكهف في يوم الجمعة أضاء له من النور ما بينه وبين الجمعتين ) رواه الحاكم وصححه. وجاء عن ابن مسعود عن النبي قال : " ما أصاب عبدا هم ولا حزن فقال : اللهم إني عبدك ابن عبدك ابن أمتك ناصيتي بيدك ماض في حكمك عدل في قضاؤك أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحدا من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك : أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي ونور صدري وجلاء حزني وذهاب همي إلا أذهب الله حزنه وهمه وأبدله مكانه فرحا". رواه أحمد .
---قراءة الفاتحة وخواتم سورة البقرة : عن ابن عباس قال : بينما رسول الله وعنده جبريل إذ سمع نقيضا فوقه فرفع جبريل بصره إلى السماء، فقال: هذا باب قد فتح من السماء ما فتح قط قال فنزل منه ملك فأتى النبي فقال: أبشر بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك؛ فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة لم تقرأ حرفا منهما إلا أعطيته ".رواه النسائي وصححه الألباني.
5-الإكثار من النوافل واكتساب الحسنات : قال ابن عباس:" إن للحسنة نوراً في القلب، وضياء في الوجه، وقوة في البدن، وزيادة في الرزق، ومحبة في قلوب الخلق . وإن للسيئة سواداً في الوجه و ظلمة في القلب ووهناً في البدن ونقصاً في الرزق و بغضة في قلوب الخلق "..
6-قيام الليل: الخلوة بالرب في جوف الليل من أعظم ما يكسب العبد النور في قلبه ووجهه وسائر حياته وقد قيل للحسن :" ما بال المتهجدين من أحسن الناس وجوهاً ؟ قال لأنهم خلوا بنور الرحمن في الظلمة فألبسهم نوراً من نوره ".
7-المكوث في المساجد: المساجد محل الأنوار فهي بيوت الله وفيها تقام الصلاة ويتلى كتاب الله وهي مأرز الملائكة التي خلقت من نور، نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء .
ثالثا: شعب إيمانية:
1-تقوى الله: قال تعالى:" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ". (الحديد/28). قال طلق بن حبيب: إذا وقعت الفتنة فأطفئوها بالتقوى، قالوا وما التقوى؟ قال: أنتعمل بطاعة الله على نور من الله ترجو ثواب الله، وأن تترك معصية الله على نور منالله تخاف عقاب الله.
2- التوبة : فالتائب حبيب الرحمن، كيف لا وقد كان في ظلمات المعاصي فأنار الله قلبه بالهدى وأحياه بعد أن كان في عداد الموتى قال تعالى:" أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (الأنعام:122).
3- الصبر: قال : (والصبر ضياء) قال النووي : "الصبر محمود ولا يزال صاحبه مستضيئا مهتديا مستمرا على الصواب". شرح مسلم: (3/101).
4-البعد عن الذنوب والمعاصي: عن حذيفة قال: سمعت رسول الله يقول:" تعرض الفتن على القلوب كالحصير عودا عودا فأي قلب أشربها نكتت فيه نكتة سوداء، وأي قلب أنكرها نكتت فيه نكتة بيضاء حتى تصير على قلبين على أبيض مثل الصفا فلا تضره فتنة ما دامت السموات والأرض، والآخر أسود مرباداً كالكوز مجخياً لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا إلا ما أشرب من هواه ". رواه مسلم .
5-غض البصر: قال تعالى:" قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن". قال ابن القيم عن غض البصر:" أنه يورث القلب نورا وإشراقا يظهر في العين وفي الوجه وفي الجوارح كما أن إطلاق البصر يورثه ظلمة تظهر في وجهه وجوارحه ولهذا والله أعلم ذكر الله سبحانه آية النور في قوله تعالى الله نور السموات والارض عقيب قوله قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ": روضة المحبين :(101) .
6- الدعاء : عن أبي مالك الأشعري أن رسول الله قال: " إذا أصبح أحدكم فليقل أصبحنا وأصبح الملك لله رب العالمين اللهم إني أسألك خير هذا اليوم فتحه ونصره ونوره وبركته وهداه وأعوذ بك من شر ما فيه وشر ما بعده ثم إذا أمسى فليقل مثل ذلك ". رواه أبو داود. وحسنه الألباني، انظر حديث رقم : 352 في صحيح الجامع .
-وعن ابن عباس قال:" بت ليلة عند خالتي ميمونة فقام النبي من الليل فأتى حاجته ثم غسل وجهه ويديه ثم نام ثم قام فأتي القربة فأطلق شناقها ثم توضأ وضوءا بين الوضوءين ولم يكثر وقد أبلغ ثم قام فصلى فقمت فتمطيت كراهية أن يرى أني كنت أنتبه له فتوضأت فقام فصلى فقمت عن يساره فأخذ بيدي فأدارني عن يمينه فتتامت صلاة رسول الله من الليل ثلاث عشرة ركعة ثم اضطجع فنام حتى نفخ وكان إذا نام نفخ فأتاه بلال فآذنه بالصلاة فقام فصلى ولم يتوضأ وكان في دعائه اللهم اجعل في قلبي نورا وفي بصري نورا وفي سمعي نورا وعن يميني نورا وعن يساري نورا وفوقي نورا وتحتي نورا وأمامي نورا وخلفي نورا وعظم لي نورا ". رواه مسلم .
7- الشيب : عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله :" لا تنتفوا الشيب فإنه ما من مسلم يشيب شيبة في الإسلام إلا كانت له نورا يوم القيامة". رواه أبو داود والترمذي وصححه الألباني . وقال رسول الله :" الشيب نور المؤمن، لا يشيب رجل شيبة في الإسلام إلا كانت له بكل شيبة حسنة، ورفع بها درجة". شعب الإيمان وحسنه الألباني .
رابعا: شعب سلوكية:
1-بر الوالدين: قال تعالى:" إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ ".يوسف/4 . وقال تعالى:" وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّداً وَقَالَ يَا أَبَتِ هَـذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقّاً". فالأم والأب على الحقيقة هم شمسك و قمرك هم نورك الذي تبصر به في ظلمات الحياة، كم بدد الله بدعائهما لك كثيراً من الظلمات فاحرص على برهما ، وإياك والتقصير في ذلك ، فمن قصّر في حقهما وحرم نورهما فهو في بحار الظلمات حُرم من أعظم الأنوار .
2-الأخوة في الله : عن أبي مالك الأشعري عن رسول الله قال يا أيها الناس اسمعوا و اعقلوا واعلموا أن لله عبادا ليسوا بأنبياء ولا شهداء يغبطهم النبيون والشهداء على منازلهم وقربهم من الله فجثى رجل من الأعراب من قاصية الناس وألوى بيده إلى النبي فقال يا رسول الله ناس من الناس ليسوا بأنبياء ولا شهداء، يغبطهم الأنبياء والشهداء على مجالسهم وقربهم من الله، أنعتهم لنا جلهم لنا يعني صفهم لنا شكلهم لنا، فسر وجه النبي بسؤال الأعرابي فقال رسول الله : هم ناس من أفناء الناس ونوازع القبائل، لم تصل بينهم أرحام متقاربة، تحابوا في الله وتصافوا يضع الله لهم يوم القيامة منابر من نور فيجلسون عليها فيجعل وجوههم نورا وثيابهم نورا يفزع الناس يوم القيامة ولا يفزعون وهم أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ". رواه أحمد وأبو يعلى والحاكم وقال صحيح الإسناد .
3- تعليم الأبناء و تحفيظهم كتاب الله: عن بريدة الأسلمي قال: قال رسول الله : " من قرأ القرآن و تعلمه و عمل به ألبس يوم القيامة تاجا من نور، ضوؤه مثل ضوء الشمس، و يكسى والداه حلتين لا يقوم بهما الدنيا ، فيقولان بما كسينا ؟. فيقال: بأخذ ولدكما القرآن ". رواه الحاكم وقال : صحيح على شرط مسلم وقال الألباني حسن لغيره .
4- العدل : قال رسول الله :" إن المقسطين عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن وكلتا يديه يمين الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا ". رواه مسلم.
5- الدعوة إلى الله: عن ابن مسعود قال : قال :" نضر الله امرءاً سمع مقالتي فوعاها فأداها كما سمعها، فرب مبلغ أوعى من سامع ". رواه أحمد والترمذي وقال : " نضر الله امرؤاً سمع منا شيئا فبلـّغه كما سمعه، فربّ مبلـَّغ أوعى من سامع". قال الخطابي : معناه الدعاء له بالنضارة وهي النعيم والبهجة ...
6-الجهاد في سبيل الله: قال تعالى:" وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ) الحديد/ 19 ، وعن أبي هريرة قال : قال رسول الله : " من رمى بسهم في سبيل الله كان له نورا يوم القيامة ". البزار وصححه الألباني .
أيها القارئ الكريم، إنها الجنة دار النور فهل من مشمر لها؟. فقد قال النبي :" ألا مشمر للجنة فإن الجنة لا خطر لها، هي ورب الكعبة نور يتلألأ وريحانة تهتز وقصر مشيد ونهر مطرد وثمرة نضيجة وزوجة حسناء جميلة وحلل كثيرة في مقام أبدا في حبرة ونضرة في دور عالية سليمة بهتة قالوا : نعم يا رسول الله نحن المشمرون لها، قال : قولوا : إن شاء الله تعالى فقال القوم : إن شاء الله ". رواه ابن ماجه و ابن حبان .

وكتبه د/ أحمد العمراني أستاذ التعليم العالي بجامعة شعيب الدكالي


الجديدة المغرب.



[1]- الجامع للقرطبي :1/26. فتح القدير :1/20، والجواهر الحسان وهو تفسير للثعالبي :1/11.


المصدر :http://