أثر القرآن الكريم في ضبط نفس الإنسان
يتمحور موضوع البحث حول مفهومين أساسيين، أولهما النفس البشرية، وثانيهما أثر القرآن في ضبطها وانضباطها. فالانسان مكون من ثلاث لطائف " العقل والقلب والنفس". حيث إن دين المرء عقله، ومن لا عقل له لا دين له، وبعض الأفعال التي تقتضيها صورة الانسان كالغضب والرضا، والجرأة والخوف، والجود والشح والسخط والقبول، محلها القلب، وبالنفس يشتهي الانسان ما يستلذه من المطاعم والمشارب والمناكح.
1 : النفس البشرية، قواها وأنواعها:
حديثنا إذن يهم النفس؛ الهوية الحقيقية للانسان الآدمي، ومحتواها الحقيقي هو الذي يحدد وجهة الانسان نحو السعادة ، ويبين مصيره المستقبلي . فالنفس في الانسان هي صورته وهواه ورغباته وشهوته ، هي أثر من آثار الروح التي تمنح النفس القوة لأداء خواصها بأمر الله تعالى كما ورد عن بعض السلف:" إذا دخلت الروح الجسد سمي نفسا، وبها تحس النفس وتشعر وتبصر وتسمع وتشم وتتذوق ".
فالنفس ترى بالعين، وتسمع بالأذن، وتحس بواسطة مسام الجلد، وتتذوق بواسطة الخلايا الموجودة في اللسان. هذه الأحاسيس والادراكات العقلية بمجموعها غير المادية هي ما يسمى بالنفس الانسانية، فإذا أخذ الله الروح وخلي الجسد منها، انقطعت تلك الطاقة عن الأسلاك العصبية، وفقدت تلك الحواس، ماتت النفس التي عبر القرآن عنها في قوله تعالى:" كل نفس ذائقة الموت ". (آل عمران/185.).
فعن طريق النفس ينصرف الانسان الى أمانيه المادية وشهواته الدنيوية فينحط بقدر اشتغاله في تلبية ذلك، وانصرافه عما يسمو به من فضائل وطاعات، أو يعلو ويسمو بانصرافه للفضائل الايجابية فيرتقي بقدر إعمال نفسه في الدرجات .
وهذا يعني ويبين أن للنفس مراتب، وأنها تخضع للتغيير والتبديل من حالة الى حالة كما حقق القرآن ذلك في قوله تعالى:" إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ".(الرعد/11). فإذا نظرنا إليها في تقلباتها هذه وجدناها تمر عبر قوى أساسية تتمثل في :
-قوة الشهوة وقوة الغضب وقوة العقل، فبالعفة تهزم الشهوة، وبالشجاعة ينهزم الغضب، وبالحكمة والحرص عليها يسمو العقل، ولجميعها يحتاج الانسان؛ فلو كان عقلا فقط لكان ملَكا، لكن الله خلق الانسان الذي يخطئ ويصيب، ولو كان غضبا فقط لكان سبعا، لكنه يحتاج الى القوة الغضبية ليدافع عن نفسه، ولو كان شهوة فقط لكان بهيمة، لكنه يحتاج الى الشهوة ليعيش ويتناسل. وحسب استخدام هذه القوى المذكورة، تمر النفس الانسانية بمراحل تتصف فيها بصفات ثلاث هي :
1-1-النفس اللوامة: قال تعالى:" لا أقسم بيوم القيامة ولا أقسم بالنفس اللوامة ".(القيامة /1-2.) حيث أقسم سبحانه بيوم عظيم لتحقيق وقوعه وبيان هوله ، وإيقاظ النفوس النائمة الغافلة عنه ، فتصحو وتنتبه من سباتها .
وقد ذكر الله تعالى النفس اللوامة إثر قسمه بيوم القيامة للعلاقة الوثيقة بين مصير النفس وقيام ذلك اليوم ، حيث تقف فيه وحيدة دون نصير؛ فهي نفس تفعل الخير وتحبه وتعمل المعصية وتكرهها، نفس تعيش في داخلها صراعا بين الخير والشر .
فالانسان في بداية أمره إذا ارتكب ذنبا أو خطيئة ابتداء، شعر في داخله بإحساس يؤنبه، وتمنى لو لم يفعله، وإذا عاد إليه ثانية ضعفت خاصية الشعور بالذنب والخطيئة، وانتقل صاحبها الى مرحلة الميل الى المعصية واستحسانها لتنتقل نفسه من لوامة الى أمارة بالسوء....
1-2-النفس الأمارة : حيث تميل النفس الى السوء وحب العصيان، والغفلة عن الطاعة والعبادة ، ويطلق عليها النفس الأمارة بالسوء؛ نفس استحوذ عليها الشيطان وسيطر على سلوكها وذوقها، وقتل فيها الحياء والعفة. هذه النفس تعلل فجورها واستمرارها في المعصية، بنسبة كل ما يفعله الانسان الى البيئة والآباء أوالمجتمع. قال تعالى:"وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا". (الاعراف/28). فتستكبر وتقع في الظلم لتقع في الخسران الأبدي، قال تعالى: " إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة ". (الشورى/45). وسبب ذلك حدده الشارع في قوله تعالى:" لقد استكبروا في أنفسهم وعتوا عتوا كبيرا...".(الفرقان/21.).
1-3-النفس المطمئنة: نفس راضية استسلمت لخالقها برضا وقناعة، لا تفعل إلا ما تيقن لها صلاحه، نفس تحقق لها الورع والاخلاص، وسمت عن الدنيا وشهواتها ، واشتغلت عنها بعمارة عالم الآخرة الباقية الخالدة المحددة في قوله تعالى:" فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين".(السجدة/17)، نفس استحقت الذكر والتمجيد في قوله تعالى:" يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي الى ربك راضية فادخلي في عبادي وادخلي جنتي ". (الفجر /27.).
2- مفهوم الضبط والانضباط : الارتقاء بالنفس والنهوض بها باعتبار طبيعتها التغييرية، يحتاج الى ضبط وانضباط خاصين، يستمدان أصولهما من كتاب الله، الذي تحدث عن مراتب النفس، وبينه من خلال سوره وآياته. وقبل تحديد ذلك نحتاج الى بيان مفهوم الضبط والانضباط.
فالضبط هو لزوم الشيء وحبسه، والضابط هو الذي يلازم ما يضبطه، ويصبر نفسه معه حفظا وحزما، والأضبط الذي يعمل بيديه جميعا، و" ضبط " فعل يتعدى بنفسه، بمعنى أن له فاعلا ومفعولا، فالفاعل هو الضابط والمفعول هو المضبوط، أي الموضوع والمجال، الذي يقع فيه أو به أو عليه الفعل والعملية الضبطية.[1] فإذا انصرف المعنى الى ضبط النفس وانضباطها دل على حبس النفس عن الشر وإلزامها بالخير مع الصبر عليها والحزم معها. وهو ما أطلق عليه علماء التربية بتزكية النفس في مقابل تدسيتها .
وقد أقسم الحق سبحانه أقساما سبعة في مطلع سورة الشمس على أن المفلح من زكى نفسه والخاسر من دساها فقال:" والشمس وضحاها والقمر إذا تلاها والنهار إذا جلاها والليل إذا يغشاها والسماء ما بناها والارض وما طحاها ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها ".(الشمس/1-10. (.
والمقصود بالتزكية هنا، طهارة النفس أو تطهيرها وتنظيفها، مخالفا للدس الذي هو كناية عن الإغراق في الوسخ والأوحال. ولا يعني ذلك أبدا التزكية مطلقا لما تعترضها من سلبيات مثل: الاستعلاء والتكبر والترفع الذي نهى الله تعالى عنه كما في قوله:" ألم تر الى الذين يزكون أنفسهم بل الله يزكي من يشاء ".(النساء/49.).
والقرآن هو طب النفوس باعتباره روح الروح ونور البصيرة ، به يتحقق الضبط والانضباط، كما قال تعالى:" وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الايمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا ". (الشورى/52.)
والنور يضيء ويبين الأمراض، ويهدي الى طريق الصواب، ولا يتم ذلك إلا بتحديد أمراض النفس المهلكة التي سطرها القرآن، من أجل تقديم الدواء الناجع لها من آياته وسوره العظام.
والنفس البشرية معرضة لآفتين لا ثالث لهما ذكرهما القرآن، وبمعرفتهما يستعان على تحقيق الضبط والانضباط لنفس الانسان الخطأ والنسيان. وهما مستمدان من آية يعلمنا فيها الخالق أن ندعوه ونسأله عدم المؤاخذة فيهما في قوله تعالى : " ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ". (البقرة/.285)
حيث إن أول معصية وقعت في الكون من طرف الانسان كانت بسبب النسيان ، لقوله تعالى:" ولقد عهدنا الى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما ".(طه/115).. وسبب ذلك وسوسة الشيطان كما قال تعالى:" فوسوس إليه الشيطان قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى" (طه/120). ووساوس الشيطان لا تنتهي، كيف وقد أقسم بعزة الرحمان أن يغرر بالانسان ويوقعه في جملة من المعاصي والآثام . حيث ذكر القرآن على لسانه:" قال فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين " (الأعراف/17). وقوله: " وقال لأتخذ من عبادك نصيبا مفروضا ولأضلنهم ولأمنينهم ولآمرنهم فليبتكن آذان الأنعام ولآمرنهم فليغيرن خلق الله، ومن يتخذ الشيطان وليا من دون الله فقد خسر خسرانا مبينا ".(النساء/119). والهدف هو أن يقع الانسان في نسيان ذكر الله كما قال تعالى:" استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله ". (المجادلة /10.).
ومن الطبعي أن تقع النفس البشرية في الخطأ لقوله : " كل بني آدم خطاء ، وخير الخطائين التوابون". [2] بل لو لم تخطئ لغيرها الله بغيرها من أجل التوبة والمغفرة ، لقوله : " لو لم تذنبون لخلق الله خلقا يذنبون فيغفر لهم".[3] والخطأ يصدر عن النفس بدلائل من القرآن منها :
-قوله تعالى:" أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم ". (آل عمران/165.). وقوله تعالى:" وما أصابك من سيئة فمن نفسك ".(النساء/79).وما ورد على لسان الأبوين:" قالا ربنا ظلمنا أنفسنا .وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين". (الاعراف/130). وقوله على لسان بلقيس:" قالت رب إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله ب العالمين". (النمل /44). وقوله على لسان موسى كليم الرحمان:" قال رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي فغفر له".(القصص/16 ). وقوله على لسان امرأة العزيز:" وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي ". ( يوسف /.53.).
-وقوله تعالى على لسان الشيطان حين القضاء بين العباد:" وقال الشيطان لما قضي الأمر إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم، ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخي إني كفرت بما أشركتمون من قبل إن الظالمين لهم عذاب أليم ".(ابراهيم/22.).
3- وسائل ضبط النفس وانضباطها: ضبط النفس ليس بالأمر الهين، إذ الصراع داخلي مائة بالمائة، ولكن آثاره بوادره داخلية وخارجية، ولكن لحسن السير، وتحقيق السعادة في الدنيا والآخرة، لا مفر من ذل مجهود مضاعف يستطاع به ضبط أمراض النفس، ولن يتم ذلك إلا ب :
3-1-الاعتراف بعيوب النفس والتعرف عليها: ويتم ذلك باتباع توجيهات القرآن التي سماها بالبصائر في قوله تعالى:" قد جاءكم بصائر من ربكم فمن أبصر فلنفسه ..".( الانعام/104.)
فإذا أراد الله بعبده خيرا بصره بعيوب نفسه، ومن كملت له بصيرته لم تخف عليه عيوبه ، وإذا عرف عيوبه أمكنه علاجها .
فالانسان يلاحظ كثيرا على غيره، ولكنه لا يجرؤ على النظر في عيوبه، أو يبحث عنها ، الكل يرى القذى في عين أخيه ولكنه لا يرى ما في عينيه ؛ ما يحصل للانسان هو نفسه ما يحصل للجمل الذي يرى ما على ظهر أخيه من تقوس واعوجاج ، ولكنه لا يعلم أن الاعوجاج عام في بني جنسه .
ولتحقيق هذا الاستبصار وجب سلوك سبيلين :
أ-أن يطلب ذلك بالجد والاجتهاد والاخلاص؛ ولا يتم ذلك إلا بمراقبة من يعلم السر وأخفى ، على مستوى القول والفعل والسلوك، مع الاستعانة بمد يد الرجاء الى الله تعالى.
وحتما بهذا الفعل ستكون النتيجة هي الاهداء لقوله تعالى:" والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا ". (العنكبوت/69).
ب-مراقبة أحوال وأقوال وأفعال الآخرين، ليقف على السيء منها فيلحظه في نفسه ليتجنبه، باعتبار تقارب طباع الناس، فيتفقد نفسه ويطهرها في ضوء ما يراه مذموما في غيره . وقد قيل قديما:" العاقل من اتعظ بغيره. ".
فالاعراض عن معرفة العيوب هو ضعف ونقص وفقدان للشجاعة في مواجهة النفس، ولهذا الاعراض سبب أساسي يوقع فيه وهو :
-اعتقاد الانسان أنه بلغ مرحلة من الصلاح، مع أن كل إنسان معرض للنقصان والخطأ، ورحم الله عمر القائل:"أحب الناس إلي من رفع إلي عيوبي". [4]
3-2-مجاهدة أمراض النفس وأخطائها وصفاتها الذميمة:أخطاء النفس كثيرة، لا يستطيع عاد عدها أو حصرها، وإن كانت الاشارة إليها والتنبيه على أهمها أمر أساسي .
وقد ذكر ابن القيم بعض أخطاء النفس فقال:" في النفس كبر ابليس، وحسد قابيل، وعتو عاد، وطغيان ثمود، وجرأة نمرود ، واستطالة فرعون، وبغى قارون، وقحّة هامان ( أي لؤم )، وهوى بلعام ( عرّاف أرسله ملك ليلعن بني اسرائيل فبارك ولم يلعن )، وحيل أصحاب السبت، وتمرّد الوليد، وجهل أبي جهل.
وفيها من أخلاق البهائم حرص الغراب، وشره الكلب، ورعونة الطاووس، ودناءة الجعل، وعقوق الضب، وحقد الجمل، ووثوب الفهد، وصولة الأسد، وفسق الفأرة، وخبث الحية، وعبث القرد، وجمع النملة، ومكر الثعلب، وخفة الفراش، ونوم الضبع.[5]
والحديث عن كل هذه الأخطاء بالتفصيل يحتاج الى مداد ليس بالقليل، ووقت ليس باليسير وجهد عسير، عسى أن يمن به المولى العزيز الكريم، فنتصدى لها بالتفسير والتعليل. لكن ما لا يدرك كله لا يترك جله، فليكن حديثي عن بعضها وأهمها في نظري انطلاقا مما ذكر القرآن .
3-2-1-الشهوة ووسيلة ضبطها: يقول الله تعالى:" زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والانعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب".(آل عمران/14). وخطورتها تكمن في كون طريقها يؤدي الى النار حيث يقول :" حُفَّتِ الْجَنَّةُبِالْمَكَارِهِوَحُفَّتِالنَّارُبِالشَّهَوَاتِ " [6]
-وقال رسول الله :" لما خلق الله الجنة قال لجبريل اذهب فانظر إليها ، فذهب فنظر إليها ثم جاء فقال: أي رب وعزتك لا يسمع بها أحد إلا دخلها، ثم حفها بالمكاره، ثم قال يا جبريل اذهب فانظر إليها فنظر فيها ثم جاء فقال: أي رب وعزتك لقد خشيت أن لا يدخلها أحد، قال : فلما خلق النار قال: يا جبريل اذهب فانظر إليها فنظر إليها ثم جاء فقال: أي رب وعزتك لا يسمع بها أحد فيدخلها، فحفها بالشهوات ثم قال: يا جبريل اذهب إليها فانظر إليها ، فذهب فنظر إليها ثم جاء فقال: أي رب وعزتك لقد خشيت أن لا يبقى أحد إلا دخلها ".[7]
فالشهوة ما تشتهيه النفس وتتمناه وترغب في تحقيقه مهما كان المقابل خطيرا. وقد جبل النفس على حب الشهوات التي لن تتجاوز ما ذكر في القرآن، ويمكن أن نطلق على الآيات السابقة أصول الشهوات التي يتفرع عنها غيرها.
-فأصل الشهوات النساء كما أكد على ذلك الرسول في قوله:" ما تركت بعدي فتنة في الناس أضر على الرجال من النساء".[8] وقد يحصل الشذوذ والانحراف فتنقلب الشهوة الى نمط آخر كما قال تعالى : " إنك لتاتون الرجال شهوة من دون النساء ". (الأعراف/81.والنمل/55.).
-ويتبعها البنون لقول الرسول :" إن الولد مجبنة محزنة".[9]
-ثم القناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث: لقول النبي ( ):" إن لكل أمة فتنة وفتنة أمتي المال ".[10]
-قال رسول الله :" إن مما أخشى عليكم شهوات الغي في بطونكم وفروجكم ومضلات الفتن " وفي رواية " ومضلات الهوى".[11]
ووسيلة ضبطها " أي الشهوات " ذكرها القرآن بعد سردها كلها فقال سبحانه:" قل أؤنبئكم بخير من ذلكم للذين اتقوا عند ربهم جنات تجري من تحتها الانهار خالدين فيها وأزواج مطهرة ورضوان من الله ، والله بصير بالعباد الذين يقولون ربنا إننا آمنا فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار، الصابرين والصادقين والقانتين والمنفقين والمستغفرين بالاسحار". (آل عمران/14.).
وهذا يدل على الاعتقاد الجازم في قضاء الله وأن محل تحقيق شهوات النفس دون الوقوع فيما يغضب الله الجنان حيث يقول تعالى:" وهم فيما اشتهت أنفسهم خالدون". الأنبياء/102. وقال تعالى:" ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم فيها ما تدعون ". (فصلت/31.) . وقال تعالى ": وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين ". (الزخرف/71.).
وقال رسول الله :" سَأَلَمُوسَىرَبَّهُمَاأَدْنَىأَهْلِالْجَنَّةِمَنْزِلَةًقَالَهُوَرَجُلٌيَجِىءُبَعْدَمَاأُدْخِلَأَهْلُالْجَنَّةِالْجَنَّةَفَيُقَالُلَهُادْخُلِالْجَنَّةَ . فَيَقُولُأَىْرَبِّكَيْفَوَقَدْنَزَلَالنَّاسُمَنَازِلَهُمْوَأَخَذُواأَخَذَاتِهِمْفَيُقَالُلَهُأَتَرْضَىأَنْيَكُونَلَكَمِثْلُمُلْكِمَلِكٍمِنْمُلُوكِالدُّنْيَافَيَقُولُرَضِيتُرَبِّ . فَيَقُولُلَكَذَلِكَوَمِثْلُهُوَمِثْلُهُوَمِثْلُهُوَمِثْلُهُ . فَقَالَفِىالْخَامِسَةِرَضِيتُرَبِّفَيَقُولُهَذَالَكَوَعَشَرَةُأَمْثَالِهِوَلَكَمَااشْتَهَتْنَفْسُكَوَلَذَّتْعَيْنُكَ . فَيَقُولُرَضِيتُرَبِّ . قالَرَبِّفَأَعْلاَهُمْمَنْزِلَةًقَالَأُولَئِكَالَّذِينَأَرَدْتُغَرَسْتُكَرَامَتَهُمْبِيَدِىوَخَتَمْتُعَلَيْهَافَلَمْتَرَعَيْنٌوَلَمْتَسْمَعْأُذُنٌوَلَمْيَخْطُرْعَلَىقَلْبِبَشَرٍ". قَالَوَمِصْدَاقُهُفِىكِتَابِاللَّهِعَزَّوَجَلَّ ( فَلاَتَعْلَمُنَفْسٌمَاأُخْفِىَلَهُمْمِنْقُرَّةِأَعْيُنٍ" [12].
3-2-2-الغفلة ووسيلة ضبطها اليقظة والتذكر : واليقظة تعني ضمن ما تعنيه طرد الغفلة والتفريط الذي يحصل للنفس البشرية ، وقد حذر الشارع الحكيم من الوقوع في ذلك فقال : " واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم من قبل أن ياتيكم العذاب بغتة وأنتم لا تشعرون، أن تقول نفس يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله وإن كنت من قبله لمن الساخرين "( الزمر/53.).
والتفريط يعني : التقصير والتضييع كما في اللسان ، فرط في الأمر أي : قصر فيه وضيعه .[13] وهو لا يحصل إلا بالغفلة والنسيان ، أو التكاسل والاهمال .
ومسلمو اليوم كما غالى الكثير منهم في الكثير من أمور دينهم ، ضيعوا الكثير من أمور دينهم ، وابتعدوا عن منهج حبيبهم محمد رسول الله .
ولكل ما وقع بالتأكيد أسباب أدت إليه وأوقعت فيه ، أسباب محتاجة الى تجليتها وبيانها ، لعل الأعين تبصر والآذان تسمع والقلوب تعقل ، فتحصل الوقفة النقدية المرجوة ، بحثا عن التصحيح . وهي كثيرة ، قد نصل الى إدراك بعضها وقد تغيب أخرى ومنها:
*-الانشغال التام بالدنيا .
*-الاقتصار على بعض مظاهر التدين.
*-عدم إدراك قيمة النعم وقدر المنعم.
*-التسويف .
3-2-3- الحسد ووسيلة ضبطه : ومصدره نفس الانسان لقوله تعالى : " ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم من بعدما تبين لهم الحق ".(البقرة/109). وهو ثاني المعاصي التي وقعت في الكون وتمثلت في قتل الانسان لأخيه الانسان وسببه النفس الغضبية أو السبعية ، أي : عدم كظم غيظ النفس والاستسلام لظلمها . وسببها الحسد الذي هو خلق في الانسان يحتاج الى محاربته في نفسه وإلا أوقعه في النيران .
وقد حسد قابيل أخاه هابيل لما قبل قربانه ولم يتقبل منه فقتله وفي ذلك يقول القرآن:" واتل علهم نبأ ابني آدم بالحق إذ قربا قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر قال لأقتلنك قال إنما يتقبل الله من المتقين ، لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين ، إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك فتكون من أصحاب النار وذلك جزاء الظالمين ، فطوعت له نفسه قتل أخيه فأصبح من الخاسرين.".(المائدة/30).
كما حسد إخوة يوسف أخاهم وسعوا الى قتله حيث يقول تعالى:" اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضا يخل لكم وجه أبيكم وتكونوا من بعده قوما صالحين ".(يوسف/9). وليس لهذا الداء من ضبط سوى :
*-الاستعانة بالله أولا ، ثم الصبر وتقوى الله : فمن وجد في نفسه حسداً لغيره فليستعمل معه الصبر والتقوى فيكرهذلك في نفسه.
*-القيام بحقوق المحسود :
*-عدم البغض: وفي الحديث:" ثلاثٌ لا ينجو منهن أحد: الحسد والظن والطيرة وسأحدثكم بمايخرج من ذلك: إذا حسدت فلا تبغض وإذا ظننت فلا تحقّق وإذا تطيّرت فامض ". [14]
-العلم بإن الحسد ضرر على الحاسد في الدين والدنيا ومنفعته للمحسود في الدينوالدنيا:
-الثناء على المحسود وبرَّه : قال تعالى:" ادفعبالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوةٌ كأنه ولي حميم ".(فصلت/34).)
*-القناعة بعطاء الله: قال بعض الحكماء:" من رضي بقضاء الله تعالى لم يسخطه أحد، ومن قنع بعطائه لم يدخله حسد، فيكون راضياً عن ربه ممتلئ القلب به. ويتيقن بأنالحرمان أحيانا للإنسان خيرا من العطاء، وأن المصيبة قد تكون له نعمة، وأن الإنسانأحيانا يحب ما هو شر له ويكره ما هو خير له".[15]
*-قمع أسباب الحسد : فأما الدواء المفصَّل فهو تتبع أسباب الحسد من الكبر وغيرهوعزة النفس وشدة الحرص على مالا يغني ، فهي مواد المرضى ولا يقمع المرض إلا بقمعالمادة.بالاضافة الى هذه الآفات ، ذكر القرآن مجموعة من الأمراض تسيطر على النفس وتقودها الى العصيان والخذلان منها :
-الكبر لقوله تعالى:" أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ".(البقرة/87.).
-الشح لقوله تعالى : " وأحضرت الانفس الشح ". (النساء/128.).
-الاغترار بالرأي الشخصي واتباع الظن ، لقوله تعالى : " إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ". (النجم/23.).
4-ضوابط أساسية لضبط النفس :
4-1-الاستعانة بالبرنامج العبادي : التقرب إلى الله وعلا بما يحب من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة، وخير ما تقرب به المتقرِّبون إلى الله الفرائض التي فرضها الله ، وعلى رأسها توحيد الله، ثم إن في النوافل لمجالاً واسعًا عظيمًا لمن أراد أن يرتقي إلى مراتب عالية عند الله كما قال فيما يرويه عن ربه : "وما تقرب إليَّ عبدي بشيء أحب إليَّ مما افترضته عليه ، ولا يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته ، كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به ، ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينَّه ، ولئن استعاذني لأًعيذنَّه " [16]
ومن فضل الله –علينا أن جاء هذا الدين بعبادات شتى تملأ حياة المسلم في كل الظروف والأحوال ؛ بالليل والنهار ، بالقلب والبدن التي يعتبر أداؤها من أهم عوامل ضبط النفس من قيام ليل وصيام تطوع وصدقة وقراءة قرآن ، وذكر لله آناء الليل وأطراف النار . لاشك أن هذه العبادات تقوِّي الصلة بين العبد وربه ، وتوثِّق عُرى الإيمان في القلب ؛ فتضبط النفس وتزكو بها، وتأخذ من كل نوع من العبادات المتعددة بنصيب ؛ فلا تَكَلُّ ولا تَسْأَمُ. لكن الانتباه لأمور ترد أمر أساسي ومنها :
*-الحذر من تحول العبادة إلى عادة
*-الحذر من تقديم المهم على المهم ، أو بالأدنى على الأعلى ، ـأي بالنوافل على الفرائض ؛ كمن يقوم الليل -مثلاً- ثم ينام عن صلاة الفجر .
فالمسلم كالنحلة تجمع الرحيق من كل الزهور ، ثم تخرجه عسلاً مصفًّى شهيًا سائغًا للآكلين.
*-تقديم الواجب عند تعارضه مع المستحب.
*-التركيز على أعمال القلوب ، وتقديمها على أعمال الجوارح لقول رسول الله " ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله ، وإذا فسدت فسد الجسد كله ؛ ألا وهي القلب" [17]
إن استشعار المؤمن المكاره التي تحف بالجنة ، يتطلب منه هِمَّة عالية تتناسب مع ذلك المطلب العالي للتغلب عليها ، مع تنقية تلك الهمم من كل شائبة تدفع لوجه غير وجه الله ، وإنما تفاوت الناس بالهِمَم لا بالصور والله لا ينظر إلى صوركم ، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم .
ولنستمع الى ثابت البناني الذي يقول: تعذبت بالصلاة عشرين سنة، ثم تنعمت بها عشرين سنة أخرى، والله إني لأدخل في الصلاة فأحمل همَّ خروجي منها[18] وقد قيل للإمام أحمد: يا إمام متى الراحة؟ فيقول وهو يدعو إلى المجاهدة : الراحة عند أول قدم تضعها في الجنة.[19]
إنها الراحة الأبدية التي يُستعذَب كل صعب في سبيل الوصول إليها.
هذه هي الصلاة التي تعتبر رمز الضبط والانضباط، قال تعالى:" واستعينوا بالصبر والصلاة ..". وقوله تعالى:" إن الانسان خلق هلوعا إذا مسه الشر جزوعا وإذا مسه الخير منوعا إلا المصلين ".(المعارج/19.).
فالهلع والجزع والمنع نقائص وعيوب، وعلاجها يكون بالصلاة وعموم الطاعات والعبادات.
فهي قيام ومثول بين يدي الله ، وحقها حضور القلب وخشوع الجوارح و"ويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون". لكن كم من مصل ليس له من صلاته إلا التعب والنصب، كم من مصل يصلي الصلاة ما يكتب له منها إلا النصف أو الثلث. وأن ليس للانسان من صلاته إلا ما عقل منها.بل إنها لتدعو للانسان أو عليه. ثم إن الصلاة مضبوطة بأزمنة وأمكنة، فالازمنة منها ما هو اختياري، ومنها ما هو اضطراري، والأمكنة منها ما هو فاضل كالمسجد الحرام والمسجد الأقصى والمسجد النبوي، ومنها ما هو عادي كسائر المساجد، ومن الأمكنة ما تحرم فيه الصلاة أو تكره كظهر الكعبة والمزبلة والمجزرة وهلم جرا .
والصلاة مضبوطة بالامام والمأموم، فالامام يحسن أن يمتاز بصفات كأن يكون أقرأ القوم وغير مكروه لديهم ، والمأموم له أن ينبه الامام عند السهو أو الخطأ، لكن يخشى عليه إن هو رفع رأسه قبل الامام أن يجعل رأسه رأس حمار، فإنما جعل الامام ليأتم به .
والصلاة مضبوطة بالاحرام والتسليم، وبالركوع والسجود، وما يتخلل ذلك من تكبير وغيره، وهي الى ذلك مضبوطة بالنواقض والجوابر، إلخ.
إنها الصلاة التي كانت راحة لرسول الله، كما أخبر الصادق المصدوق يوما لصاحبه :" أرحنا بها يا بلال ".[20]
عكس أبناء الأمة اليوم الذين يقولون" أرحنا منها ". وإن لم تنطق بها شفاههم، فإن أفعالهم بها ناطقة ، إنها مفزع رسول الله، حيث كان كلما حزبه أمر صلى ".[21] وقرة عينه كما قال :" حبب إلي من دنياكم الطيب والنساء وجعلت قرة عيني في الصلاة".[22]
إنها المعين الحقيقي على تقوية الايمان، فإقامة الصلاة بأداء أركانها وسننها وهيئاتها في أوقاتها يوصل الانسان الى تحقيق تلك الصلة المطلوبة بين العبد وربه، وحري بمن فعل ذلك أن يعينه الله، وحري به هو أن يكون لما سواها مقيما ، كما قال عمر في رسالة لعماله : " إن أهم أموركم عندي الصلاة من حفظها أو حافظ عليها حفظ دينه ، ومن ضيعها فهو لما سواها أضيع ".[23]
الفريضة المرافقة لوجود الانسان المؤمن فوق هذه البسيطة ، فريضة لا تسقط أبدا مع جميع الأعذار سواء كان مرضا أم خوفا أم حربا.
إقامة الصلاة كما أرادها الله أن تقام ، لا كما أرادها الناس.
والعجيب في القرآن أنه عند حديثه عن فلاح المومنين ذكر من صفاتهم الست ، الصلاة مرتين، حيث بدأ بها وختم بها ، فكان البدء بالخشوع فيها والختم بالمحافظة عليها، فقال:" قد أفلح المومنون الذين هم في صلاتهم خاشعون، والذينهم عن اللغو معرضون، والذين هم للزكاة فاعلون والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين ، فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون ، والذين هم لأمانتهم راعون ، والذين هم على صلواتهم يحافظون أولئك هم الوارثون الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون ".(المومنون/1-10).
إنها مضخة الاطفاء التي تطفئ النار المشتعلة الموقدة التي تلفح القلوب والعقول ، وممحاة للذنوب حيث يروي [24]لنا سلمان الفارسي أنه كان يوما مع رسول الله ( صلى اللهعليهوسلم ) تحت شجرة فأخذ منها غصنا يابسا ، فهزه حتى تحات ورقه ، ثم قال : يا سلمان ألا تسألني لم أفعل هذا ؟ قلت : ولم تفعله؟ قال : إن المسلم إذا توضأ فأحسن الوضوء ، ثم صلى الصلوات الخمس تحاتت خطاياه كما تحات هذا الورق ، ثم تلا:" وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين ".( هود/119.).
-بل إنها كالماء الذي يطفئ دخان النار وسوادها ويغسل أثرها من بين جوانح الانسان ، لهذا قال ( صلىاللهعليهوسلم ) : " إن لله ملكا ينادي عند كل صلاة يا بني آدم قوموا الى نيرانكم التي أوقدتموها فأطفئوها ".[25]وهو ما شرحه ابن مسعود : " تحترقون تحترقون ، فإذا صليتم الصبح غسلتها ، ثم تحترقون تحترقون ، فإذا صليتم العصر غسلتها ، ثم تحترقون تحترقون ، فإذا صليتم المغرب غسلتها ، ثم تحترقون تحترقون فإذا صليتم العشاء غسلتها ، ثم تنامون فلا تكتب عليكم حتى تستيقظوا " [26]
هذا بعض من كل، وغيض من فيض من عظمة الصلاة ودورها في ضبط وانضباط النفس، ولكل مؤمن أن يتساءل عن عدد المصلين وعدد مساجد المسلمين، وغياب الضبط المطلوب، فسيتعرف على السبب اليقين ولن يلوم إلا نفسه ولن يرجو إلا رب العالمين.
ومما يفيد النفس ويضبطها ويزكيها أمام باريها كثرة الذكر والاستغفار لقوله تعالى :" ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه يجد الله ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما "( النساء/110).
4-2-الاستعانة بمحاسبة النفس: قال تعالى:" يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد ". (الحشر/18). إن آيات القرآن لتذكر الانسان بيوم لا مرد له ، فيه مساءلة الرحمان لبني الانسان بكل ما سعت له وإليه من أعمال كما قال تعالى : " إن الساعة آتية أكاد أخفيها لتجزى كل نفس بما تسعى ..". (طه/15.).
والانسان محتاج للتذكر والتذكير بأن هذا اليوم هو يوم العدل المطلق ، ليس فيه ظلم " لا ظلم اليوم". وليس فه رخصة للرجوع والاعتذار أو المقايضة كما قال تعالى:" ولو أن لكل نفس ظلمت ما في الارض لافتدت به ..".(يونس/54.).
بل سيجد الانسان نفسه وبيده كتابه يقرأه بنفسه ، كما قال تعالى :" اقرأ كتابك فى بنفسك اليوم عليك حسيبا ". (الاسراء /14.).
ومحاسبة النفس تكون قبل العمل كما قال الحسن البصري : " رحم الله عبدا وقف عند همه فإن كان لله أمضاه وإن كان لغيره تأخر ".[27]وأثناءه باستحضار شرع الله ومراقبته في السر والعلن .وبعده ، باستحضار قوله تعالى : " فوربك لنسألنهم أجمعين " (الحجر/98)وقوله: " ليسأل الصادقين عن صدقهم ". (الاحزاب/8).قال أحد السلف : " فإذا سأل الله الصادقين فما بالك بالكاذبين ".
4-3-تنمية الصفات الطيبة: وذلك حتى يكون لها الغلبة ، ذلك مثل: صفات الحلم والكرم والتواضع والشكر، ولا يكفي في ذلك قراءة كتاب أو حفظ نصوص ، لكن تحصيلها لابد له من مجاهدة وتمرن وتدريب ؛ فمثلا من أراد أن يكون حليما ، فهذا ينبغي له أن يقوي إيمانه ويزيد في صبره ويكظم غيظه ويملك نفسه في مواقف الغضب ، قال : " إنما الحلم بالتحلم "..[28]
وقد أثنى الله على الكاظمين الغيظ فقال جل من قائل:" وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ للَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ " (آل عمران/133).
فالحديث عن المتقين هنا هو حديث عن صفة مهمة من صفاتهم ، وهي كظم الغيظ وهو أحد أهم الوسائل المعينة على ضبط النفس . قال القرطبي في معناه : " كظم الغيظ رده في الجوف.".[29] ويقال كظم غيظه أي سكت عليه ولم يظهره مع قدرته على إيقاعه بعدوه . فكظم الغيظ هو منعه من أن يقع .[30]
ومن خلال ما ذكر نستطيع القول بأن ضبط النفس في مثل هذه الحالة ، يكون بمنعها من التصرف خطأ في المواقف الطارئة والمفاجئة التي تتطلب قدرا من الشجاعة والحكمة وحسن التصرف . وقد وردت أحاديث كثيرة عن المصطفى ( ) فيها بيان فضل كظم الغيظ وبالتالي ضبط النفس منها :
ما رواه ابن عمر قال: قال رسول الله ( ) :" ما من جرعة أعظم عند الله من جرعة غيظ كظمها عبد ابتغاء وجه الله "..[31]
وبإيجاز ، فضبط النفس يقتضي من المسلم أن يتجاوز مرحلة البناء التي يجب أن لا تتوقف ، باعتبار استمرارها الى آخر رمق من عمر الانسان لقوله تعالى : " واعبد ربك حتى ياتيك اليقين ". (الحجر/99). ليصل بالنفس الى مرحلة الاعراب .
فأن يصبح المرء معربا، هذا هو المطلوب، فهو كالكلمة، المعرب منها له في موقع الفاعل الرفع وفي موقع المفعول به النصب و أحيانا تجر إذا سبقت بحرف صغير من حروف الجر، أما المبني فقد تجاهله النحاة من قبل ولم يعيروه اهتماما لأنه ثابت لا يتغير كما أنه لا يتفاعل مع ما حوله من جمل وكلمات .
فيجب على الانسان أن يبادر (الفاعل ) ليرفع سهمه عند الله بحسن عمله في المجتمع بإبداعاته و إنجازاته ، فالمؤمن كالغيث النافع أينما وقع نفع ، وكل همه أن يسود الخير، وتنتشر المحبة، ويشارك في صناعة الحياة ، همه أن يصبح راحلة يعين في رفع الأثقال عن أمته ، وليس فقط واحدا يريد أن يحمل، وقد ورد في الحديث الصحيح:" الناس كإبل المائة لا تكاد تجد فيها راحلة". [32] فليحرص الانسان على أن يكون راحلة ينفع نفسه وينفع أمته .
كتبه عبد ربه الدكتور أحمد بن محمد العمراني
أستاذ الفقه المقارن والتفسير بجامعة شعيب الدكالي
كلية الآداب الجديدة المغرب.


لسان العرب مادة ضبط[1]

سنن الترمذي 4/659/2499وحسنه الألباني ، وسنن ابن ماجه 2/1420/4251، ومسند احمد 3/198/13072.[2]

صحيح مسلم 4/2105/2748/وسنن الترمذي 5/548/3539.ومسند احمد 5/414/23562.[3]

الصواعق المحرقة لابن حجر الهيثمي 1/299[4]

الفوائد لابن القيم [5]

[6] صحيح مسلم رقم:7308.

المستدرك للجاكم :1/79/72/72.وسنن ابي داود :4/236/4744، وصحيح ابن حبان:16/406/7393.ومسند احمد :2/354/8674.[7]

صحيح مسلم :2067.[8]

المستدرك للحاكم رقم:4771، وسنن ابن ماجه :/215/2972/3733، وصححه الألباني .[9]

سنن الترمذي رقم:2342/والمستدرك :4/354/7896/53.[10]

مجمع الزوائد:1/188/و7/301، والبزار :9/292/و308/رقم:3844/ومسند احمد 4/420/ورقم:19872/والترغيب والترهيب :2/184/والمعجم الصغير :1/3وصححه الهيثمي .[11]

صحيح مسلم:485.[12]

اللسان مادة فرط[13]

رواه ابن ابي الدنيا من حديث ابي هريرة .[14]

[15] المستطرف 1/59.

صحيح البخاري رقم:6137.[16]

صحيح ابن حبان 1/531/2531.، وسنن الدارمي 2/319/2531، ومسند الطيالسي 1/106/788.[17]

طريق الهجرتين 1/474[18]

[19] الحلية 10/132، وتاريخ دمشق:6/13، وفيض القدير :2/563/53.

سنن ابي داود رقم:1985.والمعجم الكبير :7/4.[20]

مسند احمد رقم:23540.[21]

سنن النسائي:3949، ومسند احمد رقم:12359و13123و14114، والمعجم الكبير :20/420.وطبقات ابن سعد :1/398/و2/220.[22]

الجامع لأحاكم القرآن للقرطبي :1/164/و10/364/و11/123.وتفسير ابن كثير : 3/128/والدر للسيوطي:1/713.[23]

سنن الدارمي :1/197/ومسند احمد رقم:23873/و23864، والمعجم الكبير :6/257.[24]

المعجم الأوسط :6448.[25]

المعجم الأوسط :2245[26]

شعب الايمان 5/458/7279/وفيض القدير :2/499[27]

الجامع الصغير وزيادته :10/410/4093، والمعجم الأوسط :2663.[28]

الجامع :4/202.[29]

اللسان مادة كظم.[30]

صحيح الترغيب 2752، وصحيح ابن ماجه 2/407/4179.[31]

[32] صحيح البخاري 6133/ج:5/2383/وصحيح مسلم 4/1972/2547.