على قناة اسلامية محافظة!, وفي برنامج فكري حواري صريح كما يدعون , من أكثر البرامج متابعة كما تشير الاستفتاءات , تداخلت مفكرة عصرية تنويرية ! تتحدث عن حرية الرأي وأهميته في بناء الفكر وتقويمة, والرقي بالمجتمعات ,, وحذرت من خطورة اقصاء الرأي الآخر ومصادرة آراء الآخرين .. ثم ادعت جهلاً وخطأً أن المجتمع النبوي كان يتيح المجال لكل الأراء والأفكار والتيارات ,من المنافقين وغيرهم ويفسح المجال لهم لينشروا أفكارهم ويعبروا عن آرائهم .
لا جديد في ماقالت فقد ملت أسماعنا هذا الموال , وقد أحسن أهل العلم الرد على مثل هذه الشبهات ومن أجود وأنفس ماقرأت في هذا مقالة للكاتب الموفق إبراهيم السكران بعنوان شبهة حرية المنافقين على الرابط التالي:http://www.almokhtsar.com/news.php?a...show&id=131135 .
لكن الجديد الذي سمعته منها ومن غيرها ,آية أوردتها في سياق حديثها تستشهد بها على صحة قولها, والتي أدهشتني حقاً, وهو استشهاد ربما يبدوا حقا وصوابا لأول وهلة , لكن من تأمل هذه الآية و علم تفسيرها وسياقها في كتاب الله علم بطلان قولها, بل إننا إذا أخذنا بلازم قولها فإنه ربما يصل بها إلى الكفر عياذا بالله , ولانكفرها قطعا لجهلها وعدم فهمها ولتأويلها الفاسد.
يزداد حزنك وعجبك ليس منها فقط , بل من مقدم البرنامج , والضيف والمداخلين بعدها, وكلهم ممن نحسبهم من أهل الإصلاح والصلاح ,إذ لم يصحح لها أحد وتُركت بلا تعليق , ولا يجوز تأخير بيان الحق ورد الباطل عند الحاجة كما هو مقرر ومعلوم.
تلك الآية التي ذكرت هي قوله تعالى على لسان رسوله مخاطبا المشركين : "وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ" سبأ 24
أوردتها تريد أن تثبت بها حرية الرأي التي قام عليها المجتمع الإسلامي الأول , و أن الرسول -وحاشاه- عرض رأيه عليهم وخيرهم , وقال لهم بعد ذلك ربما أكون محقا أومخطأ , وأنتم كذلك ربما تكونوا على على صواب أوعلى خطأ! ثم تثني على نزاهته ورقيه في استيعاب الآخرين وفتح المجال لهم , وعدم مصادرة آرائهم.
ولا شك أن استشهادها بهذه الآية خطأ كبير وجهل مركب, إذ كيف يصح أن نستنبط من هذه الآية أن الرسول يثبت بها أنه لايدعي احتكار الحق والصواب , وأنه يعرض ماعنده ثم يخيرهم- على وجه الحقيقة وليس من باب الاستعطاف واستثارة تفكيرهم- بين أين أن يستجيبوا له أو يتركوا قوله , إذ ربما يكونوا هم على الحق ,وجعلت هذه الآية على نسق القاعدة المشهورة في أدب الخلاف "رأي صواب يحتمل الخطأ ورأي مخالفي خطأ يحتمل الصواب " وليس في الآية مايدل على ذلك , وليس فيها مايدل على أنه فتح المجال لهم لينشروا دينهم وعقيدتهم, ولم يفهمها أحد على هذا الوجه ممن له علم كتاب الله تعالى و لغة العرب .
لا أريد أن أناقش في هذه الورقة صحة هذه الدعوى من بطلانها , ولا نسبيتها ,و لا أريد التطرق إلى موضوع الحوار مع المخالف وضوابطه وحدوده , ولا أريد التحدث عن حرية الرأي ,,, إنما كتبت أريد تبيين معنى هذه الآية وسياقها , منزها كتاب الله عن أن يحمّل مالا يحتمل من المعاني والاستنباطات ,ومستحثا النفوس على فهم كتاب الله تعالى والقراءة في تفسيره ومعانيه , ونشر معانيه وتبليغها, حتى يكون كتاب هدى لا سبب ضلالة وغواية عياذا بالله تعالى,
ولبيان المعنى الصحيح لهذه الآية رجعت إلى عشرات الكتب من أمهات كتب التفسير ولم أجد فيها إلا معنى واحدا اتفقت عليه كلها إلا الماوردي ذكر القول المشهور كما سيأتي ثم نقل قولا مغايرا حكاه النقاش فقال معناه :الله رزقنا وإياكم لعلى هدى كنا أو في ضلال مبين.
هذه الآية جاءت في سياق محاجة المشركين , واثبات أن الله هوالمستحق للعبادة وحده لأنه هوالرزاق سبحانه حيث قال على لسان رسوله محاجا لهم:" قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ ".
قال السعدي: أمر تعالى، نبيه محمدا صلى اللّه عليه وسلم، أن يقول لمن أشرك باللّه ويسأله عن حجة شركه: مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ فإنهم لا بد أن يقروا أنه اللّه، ولئن لم يقروا فـ قُلِ اللَّهُ فإنك لا تجد من يدفع هذا القول، فإذا تبين أن اللّه وحده الذي يرزقكم من السماوات والأرض، وينزل لكم المطر، وينبت لكم النبات، ويفجر لكم الأنهار، ويطلع لكم من ثمار الأشجار، وجعل لكم الحيوانات جميعها، لنفعكم ورزقكم، فلم تعبدون معه من لا يرزقكم شيئا، ولا يفيدكم نفعا؟.
ثم قال: وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ أي: إحدى الطائفتين منا ومنكم، على الهدى، مستعلية عليه، أو في ضلال مبين، منغمرة فيه، وهذا الكلام يقوله من تبين له الحق، واتضح له الصواب، وجزم بالحق الذي هو عليه، وبطلان ما عليه خصمه.
ونقل الطبري عن عكرمة وزياد في قوله: ( وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ) قال: إنا لعلى هدى، وإنكم لفي ضلال مبين.
واختلف أهل العربية في وجه دخول "أو" في هذا الموضع؛ فقال بعض نحويي البصرة: ليس ذلك لأنه شك ولكن هذا في كلام العرب على أنه هو المهتدي، قال: وقد يقول الرجل لعبده: أحدنا ضارب صاحبه, ولا يكون فيه إشكال على السامع أن المولى هو الضارب.
وقال آخر منهم: معنى ذلك: إنا لعلى هدى، وإنكم إياكم لفي ضلال مبين، لأن العرب تضع "أو" في موضع واو الموالاة .
وأنت تقول في الكلام للرجل يكذبك: والله إن أحدنا لكاذب، وأنت تعنيه، وكذبته تكذيبًا غير مكشوف، وهو في القرآن وكلام العرب كثير، أن يوجه الكلام إلى أحسن مذاهبه إذا عرف.
وقال ابن كثير: هذا من باب اللف والنشر، أي: واحد من الفريقين مبطل، والآخر محق، لا سبيل إلى أن تكونوا أنتم ونحن على الهدى أو على الضلال، بل واحد منا مصيب، ونحن قد أقمنا البرهان على التوحيد، فدل على بطلان ما أنتم عليه من الشرك بالله؛ ولهذا قال: وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ .
وقال البغوي: وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ليس هذا على طريق الشك ولكن على جهة الإنصاف في الحجاج، والمعنى: ما نحن وأنتم على أمر واحد بل أحد الفريقين مهتد والآخر ضال، فالنبي ومن اتبعه على الهدى، ومن خالفه في ضلال، فكذبهم من غير أن يصرح بالتكذيب.
وقال بعضهم: "أو" بمعنى الواو، والألف فيه صلة، كأنه قال: وإنا وإياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين، يعني: نحن على الهدى وأنتم في الضلال.
وقال الألوسي: أي وإن أحد الفريقين منا معشر الموحدين المتوحد بالرزق والقدرة الذاتية العابدية وحده ومنكم فرقة المشركين به العاجزين في أنفسهم عن دفع أدنى ضر وجلب أحقر نفع وفيهم النازل إلى أسفل المراتب الإمكانية المتصفون بأحد الأمرين من الاستقرار على الهدى والانغماس في الضلال ، وهذا من الكلام المنصف الذي كل من سمعه من ماول أو مناف قال لمن خوطب به : قد انصفك صاحبك ، وفي درجه بعد تقدمه ما قدم من التقرير البليغ دلالة ظاهرة على من هو من الفريقين على هدى ومن هو في ضلال ولكن التعريض أبلغ من التصريح وأوصل بالمجادل إلى الغرض وأهجم به على الغلبة مع قلة شغب الخصم وفل شوكته بالهوينا.
وقال الرازي: هذا إرشاد من الله لرسوله إلى المناظرات الجارية في العلوم وغيرها وذلك لأن أحد المتناظرين إذا قال للآخر هذا الذي تقوله خطأ وأنت فيه مخطىء يغضبه وعند الغضب لا يبقى سداد الفكر وعند اختلاله لا مطمع في الفهم فيفوت الغرض ، وأما إذا قال له بأن أحدنا لا يشك في أنه مخطىء والتمادي في الباطل قبيح والرجوع إلى الحق أحسن الأخلاق فنجتهد ونبصر أينا على الخطأ ليحترز فإنه يجتهد ذلك الخصم في النظر ويترك التعصب وذلك لا يوجب نقصاً في المنزلة لأنه أوهم بأنه في قوله شاك ويدل عليه قول الله تعالى لنبيه : وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ مع أنه لا يشك في أنه هو الهادي وهو المهتدي وهم الضالون والمضلون .
وقال صاحب الظلال: هذه غاية النصفة والاعتدال والأدب في الجدال, أن يقول رسول الله للمشركين : إن أحدنا لا بد أن يكون على هدى ، والآخر لا بد أن يكون على ضلال, ثم يدع تحديد المهتدي منهما والضال , ليثير التدبر والتفكر في هدوء لا تغشى عليه العزة بالإثم ، والرغبة في الجدال والمحال! فإنما هو هاد ومعلم ، يبتغي هداهم وإرشادهم لا إذلالهم وإفحامهم ، لمجرد الإذلال والإفحام! والجدل على هذا النحو المهذب الموحي أقرب إلى لمس قلوب المستكبرين المعاندين المتطاولين بالجاه والمقام ، المستكبرين على الإذعان والاستسلام ، وأجدر بأن يثير التدبر الهادئ والاقتناع العميق , وهو نموذج من أدب الجدل ينبغي تدبره من الدعاة . .انتهى.
ثم إنه على نحو هذه الأية جاءت أيات عدة :منها قوله تعالى: "قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ " الأنعام (135)
قال الطبري:يقول جل ثناؤه، لنبيه: قل لهم: اعملوا ما أنتم عاملون، فإني عامل ما أنا عامله مما أمرني به ربي "فسوف تعلمون"، يقول: فسوف تعلمون عند نزول نقمة الله بكم، أيُّنا كان المحقّ في عمله، والمصيب سبيلَ الرشاد، أنا أم أنتم.
وقال ابن كثير:وقوله تعالى ذكره لنبيه: قل لقومك:"يا قوم اعملوا على مكانتكم"، أمرٌ منه له بوعيدهم وتهدّدهم، لا إطلاقٌ لهم في عمل ما أرادُوا من معاصي الله ,و هذا تهديد شديد، ووعيد أكيد، أي: استمروا على طريقكم وناحيتكم إن كنتم تظنون أنكم على هدى، فأنا مستمر على طريقتي ومنهجي، كما قال تعالى: وَقُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ * وَانْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ هود : 121 ، 122
وقال الزجاج فان قيل : ظاهر هذه الآية أمرهم بالاقامة على ما هم عليه ، وذلك لا يجوز . فالجواب : أن معنى هذا الأمر المبالغة في الوعيد؛ فكأنه قال : أقيموا على ما أنتم عليه ، إن رضيتم بالعذاب ،.
وقال السعدي: يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ أي: على حالتكم التي أنتم عليها، ورضيتموها لأنفسكم. إِنِّي عَامِلٌ على أمر الله، ومتبع لمراضي الله. فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ أنا أو أنتم، وهذا من الإنصاف بموضع عظيم، حيث بيَّن الأعمال وعامليها، وجعل الجزاء مقرونا بنظر البصير، ضاربا فيه صفحا عن التصريح الذي يغني عنه التلويح, وقد علم أن العاقبة الحسنة في الدنيا والآخرة للمتقين، وأن المؤمنين لهم عقبى الدار، وأن كل معرض عما جاءت به الرسل، عاقبته سوء وشر، ولهذا قال: إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ .
رزقنا الله فهم كتابه والعمل بما فيه , وجعلنا من أهل القرآن الذين هم أهله وخاصته , ونعوذبه سبحانه أن نقول في كتابه بغير علم , والحمد لله رب العالمين .
كتبه / عمر النشيواتي