بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد الأنبياء والمرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين
أما بعد :
فإن الإسلام هو الرسالة الأخيرة الخاتمة لكل رسالات السماء والناسخة لها
قال تعالى :
( هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ) (التوبة:33) ومن ثم فقد أوجب الله على الأمة الإسلامية الجهاد في سبيل الله تعالى لتحرير البشرية جمعاء من عبادة العباد ليكون عبيدا لله وحده لا شريك له ولإقامة العدل في الأرض ومنع الشر والفساد فيها
قال تعالى :
( قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ) (التوبة:29) وقال تعالى :
( وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ) (البقرة:193) ( وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) (لأنفال:39) ومن ثم لا بد من إزالة جميع العقبات التي تقف دون تحقيق هذه الغاية الرفيعة في الأرض حتى تصل هذه الرسالة العظيمة والخاتمة إلى كل الناس وعندها فلينظروا فيها بمحض إرادتهم دون ضغط أو إكراه من أحد وليختاروا ما يريدون فإن اختاروا الإسلام فبه ونعمت وإن أبوا إلا البقاء على دينهم السابق فليدفعوا الجزية للمسلمين وليتركوا من شاء الدخول في الإسلام منهم أن يدخل فيه
وهذه الآية التي نحن بصددها هي آية محكمة وهي قوله تعالى :
لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ 265 البقرة
تأتي في هذا الإطار الذي قلناه
ومعناها هنا أنها تحرم على المسلمين إجبار الناس على الدخول في الإسلام لأنه لا قيمة لمن يدخل مجبرا في الإسلام وقد عمل المسلمون بموجبها عبر تاريخهم الطويل في تعاملهم مع الناس
وقد ظن قوم محسوبون على الإسلام والمسلمين أن هذه الآية ناسخة لآيات الجهاد (( جهاد الطلب ))
وكذلك ناسخة لكثير من الحدود (( كحد الردة )) على حد زعمهم باسم حرية العقيدة
وهذا التفسير الباطل لهذه الآية ليس مرده إلى علماء المسلمين من مفسرين وفقهاء معاذ الله
ولكن مرده إلى ثقل الواقع الذي يعيشه هؤلاء وانبهارهم بالحضارة الغربية (( التي لم تصدر للعالم سوى الشر والفساد والدمار ))
فراحوا يؤلون النصوص الشرعية المحكمة تأويلات بعيدة عن مفهومها وغاية نزولها وبعد ذلك يدعون أنهم أصحاب فكر حر أو أصحاب الفكر الإسلامي العالمي أو أصحاب حوار الأديان
أو أصحاب حوار الطرشان 000
وما أكثرهم اليوم على الفضائيات العربية تحت اسم باحث في الفكر الإسلامي ، باحث في حوار الحضارات ، باحث إستراتيجي ، باحث في 0000
وهؤلاء كما قال الله تعالى عنهم في كتابه العزيز :
وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (4) المنافقون
وكذلك لا يجوز لنا شرعا إن كنا مسلمين ( حقا ) أن نلوي عنق النصوص الشرعية لتبرر هزيمة المسلمين وبعدهم عن دينهم الحنيف مهما أصابنا من فتنة وبلاء ومحنة
قال تعالى محذرا من خالف أمره :
( لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذاً فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (النور:63) ومن ثم نقول :
هذه الآية الكريمة ليست ناسخة لغيرها بل مبينة ومقيدة لغيرها ليس إلا فنحن لا نجبر الناس على الدخول في الإسلام ولكننا مأمورون بتبليغ دين الله تعالى لكل الناس أينما كانوا
ومن ثم فنحن مأمورين بإزالة جميع العقبات والحواجز التي تحول بيننا وبين إيصال هذه الرسالة للناس حتى يكون الدين كله لله
كما قَالَ رَسُولُ اللهِ : بُعِثْت بَيْنَ يَدَيْ السَّاعَةِ بِالسَّيْفِ حَتَّى يُعْبَدَ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ يُشْرَكَ بِهِ شَيْءٌ وَجُعِلَ رِزْقِي تَحْتَ ظِلِّ رُمْحِي وَجُعِلَ الذِّلَّةُ وَالصَّغَارُ عَلَى مَنْ خَالَفَ أَمْرِي , وَمَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ. أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه
ومع هذا فإن هذه الآية الكريمة ليست عامة بل من العام المخصوص فلم يقل أحد من علماء المسلمين بذلك
فهناك أنواع كثيرة من الإكراه قد أمر بها الشرع الحنيف
ومن ثم فإن الأكراه ينقسم إلى خمسة أقسام :
إكراه حرام وهو مثل إجبار غير المسلم على الدخول في الإسلام أو إجبار المسلم على معصية الله تعالى
وإكراه مكروه وإكراه مباح وإكراه مستحب وإكراه واجب ( فرض ) كإجبار المسلم على طاعة الله كالصلاة وإجباره على أداء حقوق الناس
ومن ذلك العقوبات فكلها تقوم على القوة ومنها إقامة الحد على المرتد
صحيح أننا لم نجبره على الدخول في الإسلام ولكنه إذا دخل حرا مختارا فيه فلا يجوز له تركه ومن ثم نعاقبه على ترك الإسلام كحد من حدود الله تعالى
فقد روى الترمذي عَنْ عِكْرِمَةَ أَنَّ عَلِيًّا حَرَّقَ قَوْمًا ارْتَدُّوا عَنِ الإِسْلاَمِ فَبَلَغَ ذَلِكَ ابْنَ عَبَّاسٍ فَقَالَ لَوْ كُنْتُ أَنَا لَقَتَلْتُهُمْ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ -- « مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ ». وَلَمْ أَكُنْ لأُحَرِّقَهُمْ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ -- « لاَ تُعَذِّبُوا بِعَذَابِ اللَّهِ ». فَبَلَغَ ذَلِكَ عَلِيًّا فَقَالَ صَدَقَ ابْنُ عَبَّاسٍ. قَالَ أَبُو عِيسَى هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ حَسَنٌ. وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِى الْمُرْتَدِّ. وَاخْتَلَفُوا فِى الْمَرْأَةِ إِذَا ارْتَدَّتْ عَنِ الإِسْلاَمِ فَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ تُقْتَلُ وَهُوَ قَوْلُ الأَوْزَاعِىِّ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ تُحْبَسُ وَلاَ تُقْتَلُ وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِىِّ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ.
وهذه العقوبة لها شروطها المحددة لها شرعا وقد تكلمنا عنها في شرح الحديث المذكور مفصلا
وهي ليست من باب السياسة الشرعية الذي يتغير بتغير الأزمان بل حد ثابت مقطوع به بإجماع العلماء
كما أننا في داخل دار الإسلام لا نسمح بالإلحاد والكفر بحجة حرية الرأي أو احتجاجا بهذه الآية الكريمة كما يحلوا لهؤلاء العصرانيين ( المتفلتين ) حيث إنهم يبيحون السماح بإنشاء أحزاب كافرة داخل دار الإسلام ويسمحون للملحدين والمبتدعين بنشر إلحادهم وفسوقهم باسم حرية الرأي تقليدا للغرب الكافر الضال المنحرف عن كل خلق قويم تحت مسميات مختلفة ما أنزل الله بها من سلطان
وهذا مخالف مخالفة صريحة لدين الله تعالى وللغاية الأساسية من إرساله إلى الناس جميعا
قال تعالى :
( لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالاً وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ) (التوبة:47) وقال تعالى : يُرِيدُ اللّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (26) وَاللّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُواْ مَيْلاً عَظِيمًا (27) سورة النساء
وقال تعالى عن دعاوى الكفار والفجار في كل زمان ومكان :
وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ وَمَا هُم بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُم مِّن شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (12) وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَّعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ (13) العنكبوت
**
وهذا الشرح المفصل لهذه الآية مستقى من كتب التفسير الأساسية قديما وحديثا ومن كتب الفقه الإسلامي ومن كتب الأصول والسياسة الشرعية ومن كتب شيخ الإسلام ابن تيمية
وفيه ملحق من موسوعة الفقه الإسلامي بأحكام الإكراه في الفقه الإسلامي المقارن
أسأل الله تعالى أن ينفع به كاتبه وقارئه وناشره وأن يجعلنا من الوقافين عند حدود الله تعالى التي قال عنها :
(أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ) (البقرة:187) (الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) (البقرة:229)
الباحث في القرآن والسنة
أبو حمزة الشامي
11 جمادى الأولى 1425 هـ الموافق 30/6/2004

من هنا حمل الكتاب
http://www.almeshkat.net/vb/showthre...threadid=29208