بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدلله والصلاة والسلام على رسول الله أما بعد

فهذا موضوع هام بعنوان الموقف الصحيح من زلة العالم

من المعلوم شرعاً أنه لا معصوم من الخطأ إلا من عصمه الله عزوجل من عباده الأنبياء والرسل فيما يبلغونه من رسالات ربهم فإن كل أحد يؤخذ من قوله ويرد عليه إلا رسول الله كما قال الإمامان الجليلان مجاهد ومالك رحمهما الله :" ليس أحد من خلق الله يؤخذ من قوله ويترك إلا النبي "
فكل إنسان غير المستثنين المذكورين مهما بلغ من ذروة الكمال والفضل والعلم هو عرضة للخطأ والنسيان وصدور الخطأ من بني آدم شيء محتوم لا ينكر قال الإمام الشاطبي بعد تقريره عصمة النبي :" وأما أمته فكل واحد منهم غير معصوم بل يجوز عليه الغلط والخطأ والنسيان فإمكان الخطأ والوهم باق ..."
وليس من شروط العالم أن لا يخطئ وما أحسن كلام الإمام الذهبي وأعدله في ترجمة الإمام أبي حامد الغزالي :" وما من شرط العالم أنه لا يخطئ "
وبعد أن ذكر الذهبي نماذج متنوعة من هفوات الغزالي وبعض ردود العلماء عليه قال : " ما زال الأئمة يخالف بعضهم بعضاً ويرد هذا على هذا ولسنا ممن يذم العالم بالهوى والجهل ". وقال في آخر ترجمته بعد أن ذكر ما له وما عليه :" فرحم الله الإمام أبا حامد فأين مثله في علومه وفضائله ولكن لا ندعي عصمته من الغلط والخطأ ولا تقليد في الأصول " .


قال الأمير العلامة الصنعاني :" وليس أحد من أفراد العلماء إلا وله نادرة ينبغي أن تغمر في جنب فضله وتجتنب " .

كم نرى في تاريخنا الإسلامي من هفوات لسان وزلات قدم وشذوذ قلم ظهرت من أساطين العلم وعمداء الفضل والأدب ؟ وكما قيل : لكل عالم هفوة ولكل جواد كبوة وظهور الخطأ ليس عيباً وإنما العيب كل العيب الإقرار على الخطأ والدعوة إليه بعد ظهور خطورته وعدم الرجوع عنه فالتعلق بزلة عالم أو تمسك بهفوة عابد أو أخذ بغفلة صالح ليس من منهج الإسلام الصحيح ولا من طريقة أهل السنة والجماعة فالموقف الصحيح من زلة العالم هو : أنه يجب التحذير منها بكل أدب وإنصاف لئلا تكون سبباً من أسباب وقوع الناس في الغلط والهوى ولا يجوز الأخذ بها فضلاً عن نشرها وترويجها تقليداً لصاحبها وتعصباً له ، ولا يصح الاعتماد عليها كما أنه ينبغي أن ينسب صاحبها إن كان من أهل الحق والاجتهاد المخلص الجاد إلى التقصير ولا أن يشنع عليه بها ولا يتنقص من أجلها .


أما المخطئ في بعض المسائل المعروف بمنهجه وسلوكه الحميد وعلمه الشرعي فإن خطئه لا يحط من شأنه ولا ينقص من قدره فإن كان حياً يرزق فيجب تنبيهه على خطئه بالأسلوب الحكيم المتعارف عليه بين العلماء المبني على التعاون على البر والتقوى لأن الدين النصيحة فتقدم النصيحة لطالب العلم بحسب مقامه بأدب واحترام وبيان للحق بدليله من غير عنف ولا تعال بل بالحكمة والموعظة الحسنة حتى تؤدي النصيحة غرضها فتبقى الكلمة واحدة والمحبة والأخوة في الله باقية فإنما المؤمنون أخوة .


وإن كان المخطئ قد أفضى إلى ربه فيدعى له لأن العصمة للأنبياء وحدهم ويبين للناس خطأهم حتى لا يتبعونهم في ذلك الخطأ .

وينبغي أن يكون هذا التحذير من باب التنبيه والنصح والحب لصيانة العلم من كل شوب وخلل لا من باب التجديع والفضيحة والتشنيع ولا نيلاً من مكانة العلماء ولا إبداء لشخصية ناقدة ولا ادعاء لأهلية الرد والرفض فكم من راد على أئمة الهدى وأهل التقى وخيرة الورى ليس الرد من صنعته وليس النقد من حرفته .


وقد تتابعت أقوال العلماء في الاعتذار عن أهل العلم فيما بدر منهم في بحر علمهم وفضلهم وأن ما يصدر من العالم من هنات وزلات لا تكون مانعة للاستفادة من علمه وفضله ولا سبباً للطعن والهجوم عليه ومن ذلك :

1/ قال الإمام عبدالله بن المبارك :" رب رجل في الإسلام له قدم حسن وآثار صالحة كانت منه الهفوة والزلة لا يقتدى به في هفوته وزلته " .


2/ ولشيخ الإسلام جهود مشكورة في توضيح هذا الموضوع وتبيين هذه القضية حيث أتى بعبارات عادلة وأقوال منصفة ومواقف علمية في هذا الشأن فلنذكر بعضاً من كلامه :

في أثناء حديثه عن أهل الصفة وزهاد السلف وما ألف في هذا الموضوع قال :" وكذلك ما يأثره أبو عبد الرحمن السلمي عن بعض المتكلمين في الطريق أو ينتصر له من الأقوال والأفعال والأحوال فيه من الهدى والعلم شيء كثير وفيه – أحياناً – من الخطأ أشياء وبعض ذلك يكون عن اجتهاد سائغ وبعضه باطلاً قطعاً مثل ما ذكر في حقائق التفسير قطعة كبيرة عن جعفر الصادق وغيره من الآثار الموضوعة وذكر عن بعض طائفة أنواعاً من الإشارات التي بعضها أمثال حسنة واستدلالات مناسبة وبعضها من نوع الباطل واللغو .

فالذي جمعه ( الشيخ أبو عبدالرحمن ) ونحوه في " تاريخ أهل الصفة " وأخبار زهاد السلف وطبقات الصوفية ، يستفاد منه فوائد جليلة ويجتنب منه ما فيه من الروايات الباطلة ويتوقف فيما فيه من الروايات الضعيفة .


وهكذا كثير من أهل الروايات ومن أهل الآراء والأذواق من الفقهاء والزهاد والمتكلمين وغيرهم يوجد فيما يأثرونه عمن قبلهم وفيما يذكرونه معتقدين له شيء كثير وأمر عظيم من الهدى ودين الحق الذي بعث الله به رسوله ويوجد – أحياناً- عندهم من جنس الروايات الباطلة أو الضعيفة ومن جنس الآراء والأذواق الفاسدة أو المحتملة شيء كثير "


وما أحسن كلامه في وصفه لأئمة الهدى وأهل التقى وما يصدر منهم من أخطاء وهفوات حيث قال : " ومن له في الأمة لسان صدق عام بحيث يثني عليه ويحمد في جماهير أجناس الأمة فهؤلاء هم أئمة الهدى ومصابيح الدجى وغلطهم قليل بالنسبة إلى صوابهم ، وعامته من موارد الاجتهاد التي يعذرون فيها وهم الذين يتبعون العلم والعدل فهم بُعداء عن الجهل والظلم وعن اتباع الظن وما تهوى الأنفس "

وقال :" ولا ريب أن الخطأ في دقيق العلم مغفور للأمة وإن كان ذلك في المسائل العلمية ولولا ذلك لهلك أكثر فضلاء الأمة وإذا كان الله يغفر لمن جهل تحريم الخمر لكونه نشأ بأرض جهل مع كونه لم يطلب العلم فالفاضل المجتهد في طلب العلم بحسب ما أدركه في زمانه ومكانه وإذا كان مقصوده متابعة الرسول بحسب إمكانه هو أحق بأن يتقبل الله حسناته ويثيبه على اجتهاداته ولا يؤاخذه بما أخطأ تحقيقاً لقوله :" ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا "


3/ قال الحافظ الذهبي في ترجمة كبير المفسرين قتادة بن دعامة السدوسي رحمهما الله تعالى بعد أن اعتذر عن رأيه في القدر :" ثم إن المبير من أئمة العلم إذا كثر صوابه وعلم تحريه للحق واتسع علمه وظهر ذكاؤه وعرف صلاحه وورعه واتباعه يغفر له ولله ولا نضلله ونطرحه وننسى محاسنه نعم : ولا نقتدي به في بدعته وخطئه ونرج التوبة من ذلك " .


4/ وما أنصف كلام ابن القيم في بيان الموقف الصحيح من زلة العالم وهفوته فقال :" ومن له علم بالشرع والواقع يعلم قطعاً أن الرجل الجليل الذي له في الإسلام قدم صالح وآثار حسنة وهو من الإسلام وأهله بمكان قد تكون منه الهفوة والزلة هو فيها معذور بل ومأجور لاجتهاده فلا يجوز أن يتبع فيها ولا يجوز أن تهدر مكانته وإمامته ومنزلته من قلوب المسلمين ". (1)


والله اعلم

---------------------------
(1) " أسباب الخطأ في التفسير " د. طاهر يعقوب ج 1 ص 75 . أ.هـ باختصار