الحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله ، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه
وبعد:
من المعلوم أن الزمخشري من أنصار المذهب الاعتزالي ، بل إنه في تفسيره يؤيد هذا المذهب بكل ما يملك من قوة الحجة ، وهو يحرص أن يأخذ من الآيات القرآنية ما يشهد لمذهبه ، ويتأول ما كان منها معارضاً له. بل إن في هذا الكتاب من تقرير مذهب الاعتزال ما لا يتنبه له الكثير كما نُقل عن البلقيني أنه قال :استخرجت من الكشاف اعتزالا بالمناقيش منها أنه قال في قوله ( فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز) أي فوز أعظم من دخول الجنة أشار به إلى عدم الرؤية .
ومن الأمثلة التي قد طفح بها الكتاب قوله عند تفسير قول الله :(ومن يقتل مؤمنا متعمدا ....)الآية .
هذه الآية فيها من التهديد والايعاد والإبراق والإرعاد أمر عظيم وخطب غليظ
ومن ثم روى عن ابن عباس ما روى من أن توبة قاتل المؤمن عمدا غير مقبولة
وعن سفيان كان أهل العلم إذا سئلوا قالوا : لا توبة له .وذلك محمولٌ منهم على الاقتداء بسنة الله في التغليظ والتشديد وإلا فكل ذنب ممحو بالتوبة وناهيك بمحو الشرك دليلا
وفي الحديث ( لزوال الدنيا أهون على الله من قتل امرىء مسلم )
وفيه( لو أن رجلا قتل بالمشرق وآخر رضي بالمغرب لأشرك في دمه).
وفيه (إن هذا الإنسان بنيان الله ملعون من هدم بنيانه). وفيه(من أعان على قتل مؤمن بشطر كلمة جاء يوم القيامة مكتوب بين عينيه آيس من رحمة الله) والعجب من قوم يقرؤون هذه الآية ويرون ما فيها ويسمعون هذه الأحاديث العظيمة وقول ابن عباس بمنع التوبة ثم لا تدعهم أشعبيتهم وطماعيتهم الفارغة وإتباعهم هواهم وما يخيل إليهم مناهم أن يطمعوا في العفو عن قاتل المؤمن بغير توبة أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها ثم ذكر الله التوبة في قتل الخطأ لما عسى يقع من نوع تفريط فيما يجب من الاحتياط والتحفظ فيه حسم للأطماع وأي حسم ولكن لا حياة لمن تنادي
فإن قلت هل فيها دليل على خلود من لم يتب من أهل الكبائر قلت: ما أبين الدليل وهو تناول قوله (ومن يقاتل )أي قاتل كان من مسلم أو كافر تائب أو غير تائب إلا أن التائب أخرجه الدليل فمن ادعى إخراج المسلم غير التائب فليأت بدليل مثله .
ومن الأمثلة قوله عند تفسيره لآية الأنعام (يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً ) يقول : والمعنى أن أشراط الساعة إذا جاءت -وهي آيات ملجئة مضطرة –ذهب أو أن التكليف عندها ، فلم ينفع الإيمان حينئذ نفساً غير مقدمة إيمانها من قبل ظهور الآيات، أومقدمة الإيمان غير كاسبة في إيمانها خيرا، فلم يفرق كما ترى بين النفس الكافرة إذا آمنت في غير وقت الإيمان ، وبين النفس التي آمنت في وقته ولم تكسب خيراً ؛ ليعلم أن قوله (الذين آمنوا وعملوا الصالحات) جمع بين قرينتين لا ينبغي أن تنفك إحداهما عن الأخرى ، حتى يفور صحبهما ويسعد ، وإلا فالشقوة و الهلاك) .
أما البيضاوي فقد أخذ من الزمخشري كثيراً ولكنه ترك ما فيه من اعتزالات ،قال السيوطي :(وإن القاضي ناصر الدين البيضاوي لخص هذا الكتاب فأجاد ، وأتى بكل مستجاد ، وماز فيه أماكن الاعتزال ، وطرح موضع الدسائس وأزال ....). وإن كان أحياناً يذهب إلى ما ذهب إليه الزمخشري . ومن ذلك أنه عندما فسر قوله تعالى (الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس......)الآية .بقوله" إلا قياما كقيام المصروع وهو وارد على ما يزعمون أن الشيطان يخبط الإنسان فيصرع والخبط ضرب على غير اتساق كخبط العشواء من المس أي الجنون وهذا أيضا من زعماتهم أن الجني يمسه فيختلط عقله ولذلك قيل جن الرجل".
وكذلك نجد البيضاوي كثيراً ما يقرر مذهب أهل السنة ومذهب المعتزلة، عندما يعرض لتفسير آية لها صلة بنقطة من نقط النزاع بينهم .
فمثلاً عند تفسيره لقوله تعالى في الآيتين (2-3) من سورة البقرة "...هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة .."أطال النفس في بيان معنى الإيمان و النفاق عند أهل السنة والمعتزلة والخوارج ، ثم رجّح مذهب أهل السنة .
وكذلك نجده عند تفسيره لقوله تعالى في أول سورة البقرة "...ومما رزقناهم ينفقون "يعرض للخلاف بين أهل السنة والمعتزلة فيما يطلق عليه اسم الرزق ، ويذكر قول كل فريق ، مع الترجيح لمذهب أهل السنة.والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .