تأملات في سورة المسد
بسم الله الرحمن الرحيم
تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (1) مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ (2) سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ (3) وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ (4) فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ (5)
سورة تحتوي مشاهد تصويرها للأحداث على الشدة والغلظة والجفاء والإذلال والتحقير لمن نسبت إليهم آياتها وكل من شابههم، ويتناسب ذلك مع سلوكياتهم وبناءهم النفسي فيما انتهجوه في حياتهم ضد كل صوت يخرج لنداء الحق، فالمتأمل لآيات السورة يستشعر فيها ما يشده لرؤية مشاهد اشتعال ألسنة النار الملتهبة المتوهجة لشدة ما ألقي في موقدها، فهذه النار صعرت مواقدها مما أحدثته دوافع النفس الشيطانية الخبيثة والتي أشعلت جوارحها بما يرفع حرارة الغل والحقد والحسد ضد دعوة الحق وأهله لمحاولة إحراقه، ومن أخطر الجوارح التي استخدمها أبا لهب وامرأته لإيذاء النبي محمد كانت جارحة لسانه والذي لا يتوقع أن يصدر عنه إلا القول المسيء الكاذب الدال على طبيعة هذه الشخصية ومرضها، الكلام الذي أشعل نار الفتن وألهبها ليصد كل من حاول أن يلحق بمركب الحق والإيمان، فقد استخدم أبى لهب بلاغته اللغوية وقدرته على الإقناع والتأثير نظرا لمنصبة ومركزه بين الناس ليؤثر أثرا كبيرا في قلوبهم لعدم التصديق بمحمد عليه الصلاة والسلام والإدعاء عليه أنه مريض أو كاذب حاشه .
تتحدث السورة عن شخصية رجل وامرأه اجتمعا في رباطهما على محاولة هدم بنيان الحق وعدم رفع رايته أينما وجد، كأنهم تعاهدوا على جمع همتهم وجهدهم معا ليحاولوا تقطيع حبل الله الوثيق الذي يريده أن يوصل بين المؤمنين وخالقهم، وأرادوا بالمقابل أن يشدوا حبلهم الزائف الممدود من زخرف الوهم والجهل والشهوات ليُلف حول أعناقهم، فسعوا في الأرض متحركين وطائفيين يجمعون من حطامها وحطبها حزم تُشد بحبل محكم من الشيطان لتصف أعمدة أمام طريق دعوة توحيد لله لتنشر الأذى والشر والفساد وتُشيع الفتن في قلوب الناس، وتكون أحجارا ترصف لتعيق المسير لأي تقدم سيؤدي لتغير وإصلاح المجتمعات والقبائل وإخراجهم من ظلمات الجهل إلى نور العلم والإيمان، لقد عملوا على جعلها ناراً مسعورة لتكوى بها أجساد المؤمنين الصادقين وسط حرارة الصحراء ولهيبها، ولكن الله ناصر المؤمنين ووكيلهم يأبى لحطبهم أن يشتعل ضد دعوة الحق والثبات بل كان كل ما جمعوه بجهدهم حارقا لهم ولمكرهم ومصعرا ناراً تلظى من تحت أقدامهم مشدودين إليها بحبل متين ملتف حول أعناقهم ومن الصعب فكاكه أو الفرار منه، فكان صاليا لنفوسهم بنيران الذل والخسران في الدنيا والأخره .
ويأبى الحق أن يطفأ نوره فكان سراجا منيرا لكل زاوية من زوايا الدنيا، فأنار سماءها وأرضها ليبقى مشكاة تنير للناس الطريق يحملها كل من أراد أن يسلك للوصول إلى النجاة والفلاح إلى صراط الله المستقيم، بأن يجعل خطوات أقدامه وحركات يديه لا تتبع إلا منهج النبي المصطفى ، فمهما حاول أعداء الله أن يطفئوا نور الله بشدة مكرهم وغلظتهم لن يستطيعوا حتى لو بسطت الأرض كلها بين أيديهم فالله يُمهل ولا يُهمل فيعطي لينتقم بأخذه الشديد فتكون الحسرة والندامة على النفس وألمها أشد وأقوى، فنور الله لا يطفئه شيء ولا يكون له إلا الثبات والزيادة .
قال تعالى ( كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله ويسعون في الأرض فسادا )المائدة64 قال تعالى ( يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون ) الصف8
وحكمة الله أن تسمى تلك السورة قليلة العدد في آياتها شديدة المعاني والمواقف، وعظيمة الفوائد أن تسمى بالمسد له دلالة قوية على ما فيها من معاني مترابطة متناسقة في معناها، ولتدل على طبيعة شخصية هؤلاء الكافرين الذين برزوا وتميزوا بأفعالهم عن غيرهم من الناس لكنها كانت أفعال للشر والأذى فاستحقوا أن يلقبوا بها وأن ينزل بهم وبأفعالهم قرآن يتلى ليوم القيامة يتوعدهم ويتوعد كل من تبع منهج خطواتهم وسننهم

ولو نظرنا لمعنى المسد في اللغة ففي كتاب الصحاح في اللغه قيل أنه
" المسد هو الليف. يقال: حبلٌ من مَسَدٍ. والمَسَدُ أيضاً: حبلٌ من ليف أو خوص. وقد يكون من جلود الإبل أو من أوبارها. ومَسَدْتُ الحبل أمْسُدُهُ مَسْداً: أجدت فتله. ورجلٌ مَمْسودٌ، أي مجدولُ الخَلْقِ. وجاريةٌ حَسَنة المَسْدِ، والعَصْبِ، والجَدْلِ، والأَرْمِ. وهي مَمْسودَةٌ، ومعصوبةٌ، ومجدولةٌ، ومأرومةٌ. والمَسْدُ: إدْآبُ السير بالليل "

إنه الحبل المفتول بشدة وهو من الليف الشديد القوة والمتانه والذي من الصعب أن يقطع أو يفك، فها هو أبى لهب وهو عم الرسول ومن بيت آل هاشم ومن أقرب الناس إليه ، يتبع خطوات الرسول في بداية إعلانه لدعوته لتوحيد لله لكنه لا يتبعه مدافعا وناصرا وحاميا، بل يتبعه مخالفا ومعاندا ومكابرا ومحاربا له ولدعوته، متهما إياه بالجنون وبالكذب والسحر وبغيره من الأوصاف التي لا تليق به عليه الصلاة والسلام وهو من اتصف قبل بعثته في زمن الجاهلية العمياء بأعلى الأخلاق وأعظمها وقد شهدت قريش والدنيا كلها على حسن خلقه وصدقه فكيف به بعد النبوة، أبا لهب يسلط لسانه بالقول الكاذب حول النبي محاولا منع أي نور ممكن أن يشق في قلوب المحيطين به لتصديق دعوته، فكان أول المستهزئين الساخرين به وبما يقول، حيث كان من الأولى له أن يكون أول السبّاقين للتصديق بدعوة محمد فهو عمه الذي انتسب اسمه لعائلة أعظم الناس وأكرمهم عند الله، فكان مستغلا لهذه العمومه ليبعد الناس عن التصديق بما يقول فيقف خلف رسول الله بعد انتهاء رسول الله من إنذار الناس وتحذيرهم ووعدهم بالجنات والنعيم إن أطاعوه وأمنوا به، فكان ينادي بهم أنه ابن أخيه وأعلم الناس به فلا يصدقوه فهو مجنون أو مسحور فلا تتبعوا دعوته ولا تتركوا دين آباءكم فكان يقع كثير من الناس في فتنته ودعوته،
جاء في تفسير الإمام الرازي حول ذلك " تبت خابت ، قال ابن عباس : لأنه كان يدفع القوم عنه بقوله : إنه ساحر ، فينصرفون عنه قبل لقائه لأنه كان شيخ القبيلة وكان له كالأب فكان لا يتهم ، فلما نزلت السورة وسمع بها غضب وأظهر العداوة الشديدة فصار متهماً فلم يقبل قوله في الرسول بعد ذلك ، فكأنه خاب سعيه وبطل غرضه "
ولعل الله كناه في كتابه بلقب أبى لهب ليخرجه ويبعده عن نسب النبي محمد ، فاختار له لقبا يليق بما سيلاقيه من مصير جزاءاً لما كسبه، ويكون في الذل والصغار والعار بدل أن يُشرف بقرابته من النبي .
ادعى أبى لهب أنه أكثر الناس معرفةً بمحمد لأنه ابن أخيه، لكن التاريخ لم يذكر أن أبى لهب شخصية كانت قريبة من الرسول عليه الصلاة والسلام أو أنه كان له تأثيرا عليه أو مشاركة في رعايته أو تربيته إلا ما ورد أنه خطب بنات رسول الله رقية وأم كلثوم لأبنائه بدافع العمومه والعصبية واستغل ذلك بعد بعثة الرسول بالإساءة للنبي بتطليقهما، ولعل رسول الله ما كان لديه الرغبه في نسبه وكانت نفسه ترفض ذلك الرابط مع ذلك العم لشعوره أنه سيكون له العدو الأول والأكبر في مسيرة الدعوة، فما كان لروحه الطيبة أن تجتمع مع نفس ذلك الخبيث ففرق الله ذلك الرابط بينهما فلا يجتمع الإيمان والكفر أبدا، فكان أبا لهب رافعا شعار العداوة المطلقة مع الله ورسوله متكأً على عصاه الهشة الباطلة واعتقادات وأوهام ورثها عن الآباء، وكان مندفعا بخوفه على مصالحه المادية ومكانته الإجتماعية ليحارب كلام الله وينصر آلهة الشرك التي لا تسمن ولا تغني من جوع، متوهما بقوته الزائلة التي ارتبط بها فشد وثاقها بحبل قوي حول خاصرته لتشده إلى طريق الضلال، فظن أنها القوة التي ستحفظ له عزة البقاء والوجود ورفعة الجاه والمنصب بين الناس، فكان اعتقاده الزائف أن كثرة الأموال والأولاد وتعزيز المكانة والتفاخر بين الناس هما ما يكسب من خلالهما الرضي عن الذات والتفاخر بالنفس وبهما يحقق لذة السعادة في هذا الوجود، و بسطوته المادية سيضمن السيطرة والتبعية له من قبل الكثير من أفراد المجتمع فيفرض نفوذه عليهم ويوقع الإذلال في نفوسهم كيفما شاء دون حساب ولا رقيب، لقد غرته الأماني الزائفة وأخذته الظنون الوهمية وظن أنه يحسن صنعا.
لقد سخر أبى لهب ماله وما كسبه لمحاربة الله ورسوله فكان يفتدي آلهته بكل شيء كي يصد المؤمنين عن الدخول واللحاق بدعوة محمد حيث جاء في تفسير ابن عاشور أنه " روي عن ابن مسعود أن أبا لهب قال : «إن كان ما يقول ابن أخي حقاً فأنا أفتدي نفسي يوم القيامة بمالي وولدي» فأنزل الله : ما أغنى عنه ماله وما كسب "
هذا الإستهزاء والسخرية والتقليل من قدر الله ورسوله، وطغيان الشك والضلال على قلبه الذي تغلف بجدار الآثام والذنوب يُظهر كم سيصدر منه الطغيان في عداوة الدين وكم سيمكر من مكر محاولا استنزاف طاقته كي يوقف بزوغ ذلك النور .
فعندما جاء الرسول بدعوة النور التي أراد أن يُخرج بها الناس مما غرقوا به من الضلال والشرك ليدخلوا سفينة النجاة ليبحروا في بحر نور الله وتوحيده، فدعا الناس لإيمان بالله ونبذ الشرك وأهله وأن لا يُتخذ غير الله إلها وربا ولا يُشرك معه أحدا، ووعد كل من آمن وأسلم لله بالجنة والفوز العظيم إن أحسنوا واتقوا ، فدعاهم للارتباط بحبل الله المتين والعض عليه بالنواجذ فهو الحبل الذي سيَشُدَ عضد كل من استمسك به ليأخذه إلى طريق الصراط المستقيم، وما سواه سيكون طريقا للهلاك والخسران المبين، فكان أبا لهب وزوجته من السبّاقين المسارعين لقطع ذلك الحبل عن أنفسهم فأبوا أن تربط قلوبهم ويحُكم وثاقها بحبل حب الله وحسن عبادته وطاعته فاتبعوا الهوى والشيطان فقطعوا بأيديهم حبل الوصال والود والقرب من الله ومصاحبة الرسول ، وفتلوا حبلا زائفا حول أعناقهم فأحكموا وثاقه ليسحبوا به إلى نار ذات لهب بسبب معاندتهم وطغيانهم وخاصة أن الدعوة كانت في بدايتها للانطلاق وتحتاج لمن يشدها ويؤيدها، ورغم أن أبا لهب وزوجته كانوا أقرب الناس للنبي سواء بجيرته أو قرابته وأعلمهم بصدقه وعلو خلقه ما نفعهم ذلك في شيء بل حرفوا ما عرفوه بالقول الكاذب، وما أشفقوا على أنفسهم فجنبوها مصارعة الحق وبذل الجهد لإيقاف نور الإسلام ولو أنهم انعزلوا مبتعدين بأنفسهم عن إشعال فتيل الفتن في قلوب الناس لعلهم كانوا نجوا مما كتبه الله عليهم، ولو كان حراكهم وجهدهم مؤيدا ومسارعا نحو خدمة الحق وأهله وسخروا أموالهم وأولادهم ومكانتهم لذلك الدين لكان ذلك هو الفلاح العظيم، ولكن الله العالم بأحوال وقلوب عباده المطلع على ما سيكون منهم فعلم أن لن يكون منهم ذرة خير لهذا الدين ولن ينتفع أحد منهم بشيء بل كل ما سيكون منهم هو الفساد وإشاعته بين الناس فكان ذلك الوعد بالتنكيل بهم إلى يوم الدين وهذا من أعظم معجزات القرآن العظيم .
يقول ابن عاشور في تفسيره حول «يصلى ناراً» " يُشوَى بها ويحس بإحراقها . وأصل الفعل : صلاهُ بالنار ، إذا شواه "
وقول الله ( تبت يدا أبي لهب وتب )
فمن معنى التباب كما جاء في كتاب الصحاح في اللغة أنه : الخُسْرانُ والهَلاكُ. تقول منه: تَبَّ تَباباً، وتَبَّتْ يداهُ. وتقول: تَبَّاً لفلانٍ، تَنْصِبُهُ على المصدر بإضمار فِعْلٍ، أي ألْزَمَهُ الله هلاكاً وخُسراناً. وتَبَّبوهُمْ تَتْبيباً، أي أهْلَكوهُمْ. واسْتَتَبَّ الأمْرُ، تَهَيَّأَ واستقامَ.

يقول الإمام الرازي في تفسيره حول معنى تبت
" تبت خسرت ، والتباب هو الخسران المفضي إلى الهلاك ، ومنه قوله تعالى : وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ [ هود : 101 ] أي تخسير بدليل أنه قال في موضع آخر : غير تخسير "
فالإنسان من الممكن أن يخسر جزء ما من ماله أو مما اكتسبه ولكن لا يؤدي ذلك لهلاكه بل يكون سببا لصحوته من غفلته، أو من الممكن أن يخسر بعض الأشياء المهمة ولكن يكون مقابلها أشياء اكتسبها حفظت توازنه وعدم الهلاك، لكن أبا لهب وزوجه لم يبقيا لهم فرصه واحدة للربح والكسب النافع الذي يوقف الخسارة المستمرة بهما فكانت نتيجتهما الهلاك الماحق لهما والذي لا أمل للنجاة فيه .
وتخصيص يدا أبا لهب بالهلاك يدل ذلك على عظم ما اكتسبه وفعله في الصد عن الحق والإيمان، فاليدين رمز للكسب والفعل والحركة، فكان يفعل بهما الشيء الكثير الذي يعيق به سير مركب الإيمان، واستخدمهما في شد حبل الضلال والفساد وتحكيم شده على كل من حاول أن يتبع دعوة الرسول ، فجسده كله هالك وليس فقط يديه ولكن رمز اليدين لما تحمل فيهما من معاني الكسب والفعل التي ذكرناها سابقا .وأن يلقب أبا لهب بهذا اللقب المشابه لصفة من صفات النار بالاشتعال والاحتراق فهذا يدل على أن فعله وصفاته كانت تتشابه مع صفات النار ولهبها لما تحرق من الأشياء المحيطة بها إن اقتربت منه فهو كان يحرق كل ما ينفع وما يؤدي للصلاح في الأرض وينشر الفساد والفتن في كل مكان، وأن يُطلق عليه ذلك اللقب يدل أن الألقاب تطلق على ما يظهر من سلوكيات الإنسان وطباعه وصفاته السلبية المأخوذة من صفات النار ولهبها، ولعل شدة حدته وانفعاله وحقده على الدين كان كالنار الحارقة التي اشتعلت لتدمر ما حولها .
وجاء في تفسير الإمام الرازي حول استخدام اليد
" لعله إنما ذكر اليد لأنه كان يضرب بيده على كتف الوافد عليه ، فيقول : انصرف راشداً فإنه مجنون ، فإن المعتاد أن من يصرف إنساناً عن موضع وضع يده علي كتفه ودفعه عن ذلك الموضع ورابعها : عن عطاء تبت أي غلبت لأنه كان يعتقد أن يده هي العليا وأنه يخرجه من مكة ويذله ويغلب عليه وخامسها : عن ابن وثاب؛ صفرت يداه على كل خير ، وإن قيل : ما فائدة ذكر اليد؟ قلنا : فيه وجوه أحدها : ما يروى أنه أخذ حجراً ليرمي به رسول الله ، روي عن طارق المحاربي أنه قال : رأيت رسول الله في السوق يقول : « يا أيها الناس قولوا : لا إله إلا الله تفلحوا ، ورجل خلفه يرميه بالحجارة وقد أدمى عقبيه ، لا تطيعوه فإنه كذاب ، فقلت : من هذا ، فقالوا : محمد وعمه أبو لهب » "
وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ (4) فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ (5)
الجزء الثاني للسورة يمثل المرأة شديدة القسوة التي فرغت قلبها من عواطفها ورقتها الأنثوية لتملئه بمشاعر الحقد والحسد المندفعه من اعتقاداتها الوهمية والخرافية الباطلة والتي ورثتها عن أبائها وجاهليتها، أو اندفعت بها نتيجة خوفها على مكانة زوجها وجاهه بين الناس وكثرة ملكه إن اتبع دعوة الحق وصار وراء هديه ، إنها المرأه التي صَلّبت عنقها بغرورها وكبرها وإغوائها لتنشر الفساد من حولها وتعين زوجها على النجاح في دعوته مع الباطل فكانت تقف صفا بصف إلى جواره لتُثبتَ أقدامه بدل أن تكون رقيقة بإحساسها ومشاعرها فتسابق للإيمان وتحث زوجها للحاق بدعوة محمد ، ولكنها النفوس الخبيثة المتناسبة معا قد اجتمعت لتشترك في جريمة الضلال وإعلان الحرب الهوجاء على الإسلام ولتحرق أجسادهما في نار جهنم ولتبقى عشرتهما دائمة ليتحسرا معا على ما كانا عليه في الدنيا ويكون كل منهما من دفع بصاحبه للهلاك فعندها لا ينفع الندم ولا الملامة .
إنها المرأة التي فسدت فطرتها من خلال ما زينت لها نفسها من زهرة الحياة الدنيا، فعميت عن رؤية الحق بنور بصيرتها، وأغلقت مداركها عن التفكر في هذا الوجود الذي لا بد له من زوال وأن الغيب المنتظر عند الله أعظم وأجل أن يطمع ويجاهد فيه، فهي القائدة المدبرة من وراء زوجها من خلال إغوائه بزيادة الشدة والقسوة والظلم والعدوان على محمد بدل أن تكون له كالأم الرحيم ويكون عمه كالأب الحنون، لقد لبست حُليها وزينتها وخرجت لتظهرها للملأ وما حجبت نفسها بالستر والحياء بل كانت تطوف وتتبع خطوات زوجها لتلاحق خطوات الحق أينما ذهبت لتشعل نار الفتنه والصد عن إتباع الإيمان ، فقد لعبت امرأة أبى لهب دورا عظيما وقويا في الصد عن دعوة الحق ومحاربة رسول الله من خلال جمالها ومكانتها عند زوجها واعتزازها بنسبها وأهلها فهي أخت أبا سفيان وهو من عظماء وصناديد قريش .
ووَصفها بحمالة الحطب هذا الوصف العجيب المتناقض مع مقامها وعلو مركزها الدنيوي واعتزازها بحسبها ونسبها لا يدل إلا على شنيع ما كانت تصنعه من أفعال وأقوال تحارب بها دين الله، فاستحقت ذلك الوصف الهابط لحال صورتها وهي تحمل الحطب على ظهرها المنحني لثقل ما تحمله وكثرة التنقل بين الأماكن للبحث عنه، فأحكمت شده بالحبل المتين خوفا من فقدانه وسقوطه بعد شدة العناء في جمعه لإيقاد نيران من اللهب لقضاء منافعها الدنيوية، فهذه المرأة أعلنتها مع زوجها حربا لا هوادة فيها ولا رحمة ضد الإسلام فكانت تطوف على البيوت وفي الطرقات لتؤيد كلام زوجها وتزيد مما عندها من الكذب والبهتان حول رسول الله ودعوته، كما أنها كانت تتحرى الفرص في إيذاء الرسول من خلال أهله لتؤذيه في بناته وتلحق به أذى نفسيا ليشغل قلبه بالهم والحزن، فهذا الحطب الذي جمعته هو رمز للذنوب والآثام التي ارتكبتها بحق رسول الله ودعوة الحق حتى أصبحت حملا ثقيلا فوق ظهرها ليكون وزرا عظيما عليها، وهو الحطب الذي جعلته موقدا لها ولزوجها عندما كانت تقنعه وتدفعه لزيادة قسوته على ابن أخيه والمسارعة في الدفاع عن باطلهم وجاهليتهم ومحاربة دين الله،

يقول ابن عاشور حول وصفها بحمالة الحطب " فلما حصل لأبي لهب وعيد مقتبس من كنيته جُعل لامرأته وعيد مقتبَس لفظُه من فِعلها وهو حَمْل الحطب في الدنيا ، فأُنذرت بأنها تحمل الحطب في جهنم ليوقَد به على زوجها ، وذلك خزي لها ولزوجها إذ جعل شدة عذابه على يد أحب الناس إليه ، وجعلها سبباً لعذاب أعز الناس عليها ".

فهل انتفعت امرأته بما اعتقدت أنه الخلود لها والرفعه لمكانتها كما توهم زوجها بما اكتسبه من المال والولد، هذا المال الذي جمعه من خلال مساندة ومناصرة الباطل والخوف على خسارة تجارته أو نقصانها إن اتبعوا ما جاء به محمد ولو علموا أن ما جاء به عليه الصلاة والسلام سيزيد مما عندهم من المال والولد لكانت بركة من الله ستحل عليه، ولو سارعوا للدخول في دين الله لحققوا الربح العظيم لتجارتهم في الدنيا والآخرة، ولكنها النفوس المريضة التي لا تنظر ولا ترى إلا بمنظار الدنيا القصير الممتد بحبل الشهوات والهوى فصدهم عن السبيل، كما أنهم سارعوا لمناصرة أعداء الله وأعداء رسوله وهم من عشيرته وقرابته ، حيث أُشتهر في زمانهم ومجتمعاتهم النصرة للعصبية والقبلية والاتحاد معا ضد العدو مهما كانت أسباب الخلاف بينهما، لكن كان بيت أبى لهب أول السَبّاقين للعدوان والمحاربة للرسول ، مما كان فيه زيادة في الإيذاء والقسوة على نفس رسول الله وعدم التمهيد لنجاح دعوته، لقد انتفضت أسرة أبى لهب ضد محمد ودعوته ولم يخرج منهم رجل رشيد يصدهم عن الاستمرار في غيهم وعدوانهم، ولعل أبى لهب وامرأته سيحملان أوزار أبناءهم لدفعهم إياهم على إتباع خطوات الضلال رغم أنهم كانوا قادرين على التمييز والاختيار ولكنها النفوس الموحده على الخبث لا تخرج منها نوازع الإيمان الصادق بل التفت حول نفسها بخبثها فأهلكوا أنفسهم بأيديهم .
جاء في تفسير الرازي حول حمالة الحطب
" كونها حمالة الحطب وجوهاً : أحدها : أنها كانت تحمل حزمة من الشوك والحسك فتنثرها بالليل في طريق رسول الله ، فإن قيل : إنها كانت من بيت العز فكيف يقال : إنها حمالة الحطب؟ قلنا : لعلها كانت مع كثرة مالها خسيسة أو كانت لشدة عداوتها تحمل بنفسها الشوك والحطب ، لأجل أن تلقيه في طريق رسول الله وثانيها : أنها كانت تمشي بالنميمة يقال : للمشاء بالنمائم المفسد بين الناس : يحمل الحطب بينهم ، أي يوقد بينهم النائرة ، ويقال للمكثار : هو حاطب ليل وثالثها : قول قتادة : أنها كانت تعير رسول الله بالفقر ، فعيرت بأنها كانت تحتطب والرابع : قول أبي مسلم وسعيد بن جبير : أن المراد ما حملت من الآثام في عداوة الرسول ، لأنه كالحطب في تصيرها إلى النار ، ونظيره أنه تعالى شبه فاعل الإثم بمن يمشي وعلى ظهره حمل ، قال تعالى : فَقَدِ احتملوا بهتانا وَإِثْماً مُّبِيناً [ الأحزاب : 58 ] وقال تعالى : يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ على ظُهُورِهِمْ [ الأنعام : 31 ] وقال تعالى : وَحَمَلَهَا الإنسان [ الأحزاب : 72 ] ."
وتصوير امرأة أبى لهب وهي تسحب من جيدها بحبل من مسد حيث جاء في معني الجيد في كتاب الصحاح في اللغة " أنه العُنقُ؛ والجمع أَجْيادُ. والجَيَد بالتحريك: طول العُنُق وحُسْنُه "
أي من عنقها الذي افتخرت به لتلبس الحلي الثمينة وتزين به نفسها بأجمل القلائد والزينة التي تتكبر بها على نساء قريش وغيرها من نساء القبائل، مفتخرة بمكانتها ومكان زوجها وكثرة ماله وعزه ومعتقده أن ذلك المال من صنع زوجها وحنكته وذكاء أبنائه، ولعلها كانت تعتز بين نسائها بمكانتها عند زوجها فتظهر تلك القلائد والزينة أمامهن لتظهر مدى إعجابه وحبه لها ونسيت أن لولا وجود الله ما رأت تلك القلائد ولا تنعمت بتلك الزينة ولكنه الله كامل الربوبية الذي لا يمنع عطاءه عن الكافرين فهو المتكفل بكل ما خلق وتعهد بإعطائهم وإمدادهم بالرزق فزيادة العطاء من الله للإنسان لا يدل أن العبد من المقربين المفضلين عند الله دائما بل لعل ذلك للابتلاء والفتنه والإمهال لهم وعدم الإهمال وستأتي اللحظة التي يأخذ الله ما أعطى ويجعل الحسرة والندامة تلقى على قلوبهم، أما أهل الإيمان فهم من يناقضون اعتقاد أهل الكفر فلا يرزقون بشي إلا انطلقت قلوبهم وألسنتهم بالشكر والحمد لله وما نسبوه إلا إليه فيزيدهم ذلك من كرمه وفضله، فهذه المرأة المتكبرة المعاندة سيلف على عنقها ذلك الحبل المتين شديد القسوة والقوة لتسحب به إلى نار جهنم كما كانت تلف عنقها لتزينه بكبرها، فالآن ستنقاد ذليلة بأعز ما افتخرت به لتلقى مصيرها وقد علمت أن الحبل الذي اعتقدت أنه حبل نجاتها وعزها هو حبل هش ضعيف بل هو سبب هلاكها وهلاك زوجها وأن حبل الله المتين هو من سيبقى ولا يستطيع أن يقطعه شيء في الوجود ما دامت السموات والأرض .
يقول ابن عاشور في تفسيره حول " في جيدها للاهتمام بوصف تلك الحالة الفظيعة التي عوضت فيها بحبل في جيدها عن العقد الذي كانت تحلي به جيدها في الدنيا فتربط به إذ قد كانت هي وزوجها من أهل الثراء وسادة أهل البطحاء ، وقد ماتت أم جميل على الشرك "
إن الشدة والقسوة التي اتصفت بها شخصية أبا لهب وامرأته وخشونة تصرفاتهما وانتزاع مشاعر الرحمة واللين من قلوبهما، كان ذلك سبب لمجيء الجزاء والوصف لهما من جنس العمل حيث الشدة في العقوبة والغلظه والقسوة في الوصف لهما، كما أن هذه الصورة جعلت منهما نموذجا لمن يصر على الكفر والظلم والعدوان على دعوة دين الله وليكونا المثل الذي يضرب للناس إلى قيام الساعة، إنزال الله قرآن يتلى عنهما ليحذر كل من يفكر في إتباع سنتهما أن سيكون له نفس المصير والوعيد عند الله .
إنها سورة تصيب الجسد بالارتجاف والارتعاش عند التمعن في مشاهدها وأحداثها، وعند تدبر أفعال وخصائص من ُأنزلت بهم ولما هم بالذات اختارهم الله لهذا الذل وتلك المهانة، سورة ترى فيها مشاهد من أهوال يوم القيامة والعذاب الذي سيقع فيها على رؤوس الكافرين، فيجعل القلب يتقي الله ويبتعد عن كل ما يأتي بالشبهة أو الشك باليقين حول وجود الله وتوحيده ويسعى لنصرة هذا الدين ورفع رايته .

أهم الفوائد التربوية من هذه السورة :
- عدم التعلق بزينة الدنيا والانقطاع عن زينة الآخرة .
- عدم الاعتماد على القوة المادية من المال والولد والنسب والحسب فكل ذلك لا يغني عند الله شيئا .
- شدة القسوة تمنع القلب عن رؤية الحق وإنارة بصيرته .
- الخبيثين للخبيثات والطيبون للطيبات .
- لا ينفع الإنسان حسبه ولا نسبه ولا قرابته بل لا ينفع عند الله إلا الإيمان والعمل الصالح .
- المسارعة للاستمساك بحبل الله المتين الذي يبقى ثابتا وقويا ويسحب بصاحبه إلى الفوز والنجاة .
- المرأة المؤمنة الصالحة من تعين زوجها على اتباع الحق وتأخذ بيده وتعينه عن الفرار من الباطل.
- الأم من ترحم بيتها وأسرتها فتدلهم على الخير أينما كان .
آمال ابراهيم أبو خديجة
2010