الإيمان باليوم الآخر أصل من أصول الدين الكبرى ، ومباحثه كثيرة وهامة ؛ كأشراط الساعة وعذاب القبر ونعيمه وأدلة البعث وأحواله وأهواله وصفة الجنة ونعيم أهلها وصفة النار وعقوبات أهلها .
فأشراط الساعة هي العلامات التي تدل على قرب وقوعها ؛ وهي إما صغرى أو كبرى ؛ فالصغرى كثيرة جدا ؛ كموت النبي صل1 وفتح بيت المقدس وطاعون عمواس واستفاضة المال وفتنة لا تدع بيتا من العرب إلا دخلته وغدر بني الأصفر . والكبرى عشر ؛ الدخان والدجال والدابة وطلوع الشمس من مغربها ونزول عيسى بن مريم ويأجوج ومأجوج وخسف بالمشرق وخسف بالمغرب وخسف بجزيرة العرب وآخر ذلك نار تخرج من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم .
وعذاب القبر ونعيمه يراد به عذاب البرزخ ونعيمه وإنما خص بالقبر باعتبار الأعم الأغلب وإلا فكل من مات ناله نصيبه منه قبر أو لم يقبر . وقد دل على ثبوته القرآن والسنة المتواترة وأدلته التفصيلية مشهورة معلومة للخاص والعام . وهو غيب إذ لوكان شهادة لزالت حكمة التكليف والإيمان بالغيب ولما تدافن الناس ؛ ففي الحديث الصحيح ( لولا أن تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر ما أسمع ) . وقد يطلع الله عليه بعض عباده لحكمة معينة ؛ والشواهد على ذلك كثيرة ذكر ابن القيم طرفا منها في كتابه (الروح). وقد عني العلماء بذكر مادلت عليه النصوص الصحيحة من أسباب عذاب القبر وموانعه ؛ فمن أسبابه عدم الاستبراء والتطهر التام من البول والغلول والنميمة والغيبة ، ومن موانعه الموت مرابطا أوشهيدا أو مبطونا والمحافظة على قراءة سورة الملك كل ليلة لحديث (هي المانعة هي المنجية من عذاب القبر).

وأما أدلة البعث بعد الموت فهي كثيرة جدا منها :-
1- الاستدلال على البعث بوقوعه في الدنيا ، وهو أعظم أدلة البعث إذ لاشئ أدل على إمكان الفعل من وجوده في العيان . وقد ذكر الله تعالى في سورة البقرة وحدها خمسا من هذه الوقائع ؛ كما في قوله تعالى :( ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم ) ، وقوله :(وإذ قلتم ياموسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون ثم بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون ) ؛ فقد ذكر أكثر المفسرين أن هؤلاء هم السبعون الذين خرج بهم موسى إلى طور سيناء ليعتذروا من عبادة العجل فلما أتوا المكان الموعود طلبوا رؤية الله جهرة فأهلكهم الله لتعنتهم ثم أحياهم رجلا رجلا ؛ إكراما لموسى وآية للعالمين على القدرة التامة على البعث .
2- قياس البعث على إحياء الأرض الميتة ، قال تعالى ( ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة فإذا أنزلناعليهاالماءاهتزت وربت إن الذي أحياها لمحيي الموتى إنه على كل شئ قدير ) وهذا القياس في أصل الإحياء وكيفيته ، لحديث : (ينزل الله من السماء ماء فينبتون كما ينبت البقل ، ليس شئ من الانسان إلا يبلى إلا عظما واحدا وهو عجب الذنب ومنه يركب الخلق يوم القيامة ) رواه البخاري ومسلم .
3- قياس البعث على النشأة الأولى ، قال تعالى : ( وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم ) ، وقال : ( وهو الذي يبدؤ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه ) ؛ فمن قدر على النشأة الأولى من غير مثال يحتذى فقدرته على الإعادة من باب أولى .
4- قياس القدرة على البعث على القدرة على خلق السموات والأرض ؛ لأن من قدر على الأجل الأعظم فقدرته على الأيسر الأصغر من باب أولى ، قال تعالى : (أولم يروا أن الله الذي خلق السموات والأرض ولم يعي بخلقهن بقادر على أن يحيي الموتى ) .

ثم بعد البعث يحشر الناس كافة إلى أرض المحشر المبدلة ؛ وهي أرض بيضاء كالفضة ، لم يسفك فيها دم حرام ، ولم يظلم على ظهرها أحد ، تطهر لنزول الحكم العدل ليقضي بين عباده بالحق ، قال تعالى : (وحشرناهم فلم نغادر منهم أحدا ) ، وقال : ( يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات وبرزوا لله الواحد القهار ) ، ثم يكون الحساب ووزن الأعمال والحوض والشفاعة حتى إذا قضي بينهم بالعدل والفضل( سيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا ) و ( وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا) وفي الجنة والنار يكون الاستقرار الأبدي والجزاء التام ، وقد ذكر الله في كتابه نماذج كثيرة مما يكون في دار الخلود ؛ ليستعد كل عاقل لما بين يديه من خير لاشر فيه وشر لاخير فيه .

فمما يكون في النار من صور العذاب والنكال الأمور التالية : -
1- الإحراق ، قال تعالى : ( إن الذين كفروا بآياتنا سوف نصليهم نارا كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب ) .
2- أكل الزقوم ، قال تعالى : ( إن شجرة الزقوم طعام الأثيم كالمهل يغلي في البطون كغلي الحميم ) . والزقوم شجرة نارية مرة أصل منبتها في قرار النار وفروعها تصل إلى كل محل من دركات النار وطلعها قبيح يشبه رؤوس الشياطين . ويطلق على الزقوم اسمان آخران هما الغسلين والضريع ، وقيل إن الغسلين صديد أهل النار والضريع شجر من شوك يقال له الشبرق .
3- التعذيب بالحميم ؛ وهو ماء نتن مر حار يشبه في حرارته المهل ؛ وهو ما أذيب من المعادن حتى ماج من شدة غليانه . والتعذيب بالحميم يكون بالشرب ( وسقوا ماء حميما فقطع أمعاءهم ) ويكون بالصب فوق الرؤوس ( يصب من فوق رؤوسهم الحميم يصهر به مافي بطونهم والجلود ) ويكون بالسحب فيه ( فسوف يعلمون إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل يسحبون في الحميم ثم في النار يسجرون ) ؛ أي يجرون في الماء الحار ثم يطرحون في النار فيكونون وقودا لها .
4- الضرب بالمقامع ؛ وهي آلات هائلة يضرب بها أهل النار في رؤوسهم ؛ قال تعالى : (ولهم مقامع من حديد ) .
5- العذاب المعنوي ؛ كالذل والندم والحرمان من رؤية الله تعالى ؛ قال تعالى : ( سيصيب الذين أجرموا صغار عند الله ) ، أي ذل ، وقال : ( وأسروا الندامة لما رأوا العذاب ) ، وقال : ( كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون ) .

ومما يكون في الجنة من صور النعيم والحبور الأمور الآتية :-
1- الأكل والشرب ، قال تعالى : ( مثل الجنة التي وعد المتقون فيها أنهار من ماء غير آسن وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين وأنهار من عسل مصفى ولهم فيها من كل الثمرات ) .
2- اللباس والزينة ، قال تعالى : ( يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا ولباسهم فيها حرير ) ، وقال صل1 : ( أمشاطهم من الذهب والفضة ومجامرهم الألوة ) ؛ أي من العود.
3- المساكن ، قال تعالى : (وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ومساكن طيبة في جنات عدن ) ؛ والمساكن في الجنة ثلاثة أنواع ؛ قصور وغرف وخيام ، وبعضها خاص بمن أطعم الطعام وألان الكلام وتابع الصيام وصلى والناس نيام .
4- الأزواج ، قال تعالى : ( كذلك وزوجناهم بحور عين ) ، وقال : ( ولهم فيها أزواج مطهرة ) . ولكل واحد من أهل الجنة زوجتان كما ثبت في الصحيح ( لكل امرئ منهم زوجتان ) . وقد ورد في بعض الأحاديث تخصيص الشهيد من هذا العموم وأن له اثنتان وسبعون زوجة .
5- النعيم المعنوي ، كجمال الخلقة وكمال القوة وطهارة القلب واللسان ودوام العافية والشباب وإحلال الرضوان ، قال تعالى : ( لايسمعون فيها لغوا ولاتأثيما إلا قيلا سلاما سلاما ) ، وقال : ( وهدوا إلى الطيب من القول ) ، وقال : ( ونزعنا مافي صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين ) ، و قال صل1 : ( أول زمرة تدخل الجنة من أمتي على صورة القمر ليلة البدر ثم الذين يلونهم على أشد نجم في السماء إضاءة ثم هم بعد ذلك منازل ) ، وقال : ( ينادي مناد : إن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبدا ، وإن لكم أن تحيوا فلاتموتوا أبدا ، وإن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبدا ، وإن لكم أن تنعموا فلا تبأسوا أبدا ) ، وقال : ( إن الله يقول : يا أهل الجنة فيقولون : لبيك وسعديك والخير في يديك . فيقول : هل رضيتم ؟ فيقولون : ومالنا لانرضى وقد أعطيتنا مالم تعط أحدا من خلقك ! فيقول : ألا أعطيكم أفضل من ذلك ؟ فيقولون : وأي شئ أفضل من ذلك ؟ فيقول : أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبدا ) .
ومما اجتمع فيه النعيم الحسي والمعنوي رؤية الله تعالى ، وهي أعلى نعيم أهل الجنة ، قال تعالى : ( وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة ) ، وقال : ( للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ) ، والزيادة هي النظر إلى وجه الله الكريم ، قال صل1 : ( إذا دخل أهل الجنة الجنة ... يقول الله تعالى : تريدون شيئا أزيدكم ؟ فيقولون : ألم تبيض وجوهنا ألم تدخلنا الجنة وتنجنا من النار ؟ فيكشف الحجاب ، فما أعطوا شيئا أحب إليهم من النظر إلى ربهم ) ، وقال صل1 ( إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر ، لاتضامون في رؤيته ، فإن استطعتم ألا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وصلاة قبل غروب الشمس فافعلوا ) ، ووجه مناسبة ذكر هاتين الصلاتين أن الرؤية تحصل في مثل وقتهما ؛ ولهذا أوصى النبي صل1 بالحرص على أدائهما في وقتهما دون تأخير . وقد وردت أحاديث أخرى تدل على حصول الرؤية أيضا في مثل وقت صلاة الجمعة والعيد ، وهي أحاديث لاتخلو من مقال إلا أن كثرة طرق أحاديث الجمعة خاصة وما يعضدها من آثار يورث غلبة الظن بثبوتها . والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا .