صبحي مجاهد
إنجمينا - إسلام أون لاين


عشرات من الصبية والفتيات يتحلقون حول أحد المشايخ تحت أحد الأشجار أو قرب أحد الجدران مفترشين الأرض يستظل بعضهم بالأشجار وأكثرهم بالسماء.. يمسكون بألواح خشبية عتيقة يدونون عليها ما حفظوه من كتاب الله، فيما ترتفع أصواتهم بين الفينة والأخرى وهم يرددون بصوت واحد إحدى السور القصار، فيما يظل شيخهم يصول ويجول مصححا لهم أخطاءهم... هذا نموذج لما يدور في "كتاتيب الأشجار" أو "الخلاوي القرآنية" التي تنتشر على نطاق واسع في معظم المدن والقرى التشادية، وتجذب التشاديون من كل حدب وصوب لحفظ القرآن بها.

وتختلف "كتاتيب الأشجار" عن "الخلاوي القرآنية" – بحسب مراسل "إسلام أون لاين"- في حجمها حيث أن كتاتيب الأشجار بمثابة خلاوي صغيرة، وقد تتزايد تلك الكتاتيب من فترة لأخرى حيث يأتي المشايخ من مختلف الأماكن في تشاد فيجعلون لأنفسهم مقرأة أو خلوة قرآنية.

وتعد "كتاتيب الأشجار" من أهم المظاهر المعروفة بين التشاديين لحبهم الشديد تعليم أبنائهم ـ ذكور وإناث ـ قراءة وحفظ القرآن الكريم ، ونادرا ما تجد فردا في المجتمع التشادي لم يدخل تلك الكتاتيب في يوم من الأيام (تبلغ نسبة المسلمين في تشاد 85%).


المهاجرون

والشيخ الذي يقوم بتعليم القرآن غالبا لا يكون من نفس البلد، وأعلى لقب في تحفيظ القرآن في تشاد ـ بحسب ما قاله بعض مشايخ الكتاتيب لـ"إسلام أون لاين"- هو " الجوني أو الغوني " ويأتي له الغلمان من مسافات بعيدة فيبيتون معه ويصبحون معه ويعيشون معه ويطلق على هؤلاء المهاجرون لحفظ القرآن.

و يصل عدد الذين يحفظون لدى الشيخ في كتاتيب الأشجار عشرون طفلا أغلبهم يطلق عليهم مهاجرون لكونهم يهاجرون من أماكن بعيدة في تشاد لشيوخ في ولايات أخرى لحفظ القرآن، فيصبح هناك أطفال يحفظون في الكتاب من أماكن بعيدة ترسلهم عائلتهم للشيخ بلا مال، ويدعم الأهالي الكتاتيب ومشايخها بزكواتهم وصدقاتهم.


صدقات وزكوات وعمل

وعن كيفية اكتساب مشايخ الكتاتيب رزقهم، يقول الشيخ "الجوني" موسى - صاحب أحد الكتاتبيب ولديه خلوة قرآنية - لـ"إسلام أون لاين": " إن شيخ الكتاب ليس لديه عمل سوى التحفيظ وعادة يتكسب قوت يومه من الزكاة التي يدفعها التشاديون لتلك لمشايخ الكتاتيب حيث تعد تلك الزكاة في سبيل الله، كما أن الأبناء الذين يحفظون في الكتاب ـ لاسيما من المهاجرين الآتين من أماكن بعيدة ـ أغلبهم يعمل في الزراعة ويأتون بشوال من صاحب أرض الزراعة يعطيه إياهم لشيخهم في سبيل الله ".
وبين أنه لا يوجد حصر لعدد مشايخ الكتاتيب في تشاد لكن يوجد ألف محفظة من النساء معروفات لتعليم النساء من كبار السن .
وأشار الشيخ موسى ـ إلى أنه يعمل في تحفيظ القرآن في تشاد منذ عام 1959 ، وأن عدد من ختم القرآن عنده 1200 طفل وطفلة، بينما حفظ القرآن كاملا منهم 400 طفل أتوا من تشاد والكاميرون ونيجيريا .

وأضاف أن العمل بكتاتيب الأشجار، والخلوات القرآنية ـ وهي الاماكن الواسعة التي يتم التحفيظ فيها ـ تعمل يوميا وتأخذ اجازة من بعد عصر الأربعاء حتى عصر الجمعة .

وعن قضية تسول أطفال الكتاتيب بعد انتهاء درس تحفيظ القرآن قال :" هناك شيوخ كتاتيب لا يهتمون يمهنة الولد في كسب الرزق حتى وإن كان من التسول، لكن هناك مشايخ يعتبرون هؤلاء الأبناء أبنائهم ويوجهونهم للأعمال العادية لاكتساب رزقهم ".


تاريخ الكتاتيب


وحول تاريخ تلك الكتاتيب يقول الدكتور بكر العشري ـ المتخصص في الحياة التشادية والتأصيل التاريخي لها ، وصاحب بحث "الكتاتيب الغراء في أفريقيا المتاخمة جنوب الصحراء" ـ لـ" إسلام أون لاين ":" إن الإسلام دخل لتشاد من وقت مبكر ولم تكن تشاد تسمى بهذا الإسم فقد قامت على أرضها ممالك إسلامية بعد أن دخل الإسلام في القرن الأول الهجري ، فظهرت مملكة كانم الإسلامية، وكانت امبراطورية ضخمة، حيث كانت رابع دولة على مستوى العالم وكنت تلك الأمبراطورية تتبع الخليفة العباسي في مصر ، وكانت هناك مراسلات بين مصر ومملكة كانم، وكان يوصف ملكها بظهير الإمامة .

وأضاف :أن الإسلام عندما غرس في تشاد أثمر كتاتيب لتعليم أبنائه، فانتشرت الكتاتيب في تشاد منذ وقت طويل وحرص التشاديون على الحفظ في تلك الكتاتيب ، وحفظوا على قراءة الإمام ورش حيث انتقلت لهم من مصر لكونها مقر الخلافة العباسية ، فالإمام ورش كان مصري وهو ما أثبته في التأثير الثقافي في العلاقات المصرية التشادية.

وأوضح أن الكتاتيب ليس لها جهة تنظيمية في تشاد ولكن هناك شيخ للقراء يسمى "جبريل بركة" ولقد تعلم في الأزهر ، إلا أن الكتاتيب منتشرة ولا حصر لها ونجدها تحت الأشجار وبجوار الجدران وتحت السقائف، ونتيجة لمستوى المعيشة فمعظم المواطنين فقراء ولايجدون سوى كتاتيب الطرقات وتحت الأشجار لحفظ القرآن، حيث أنهم محبون للدين لدرجة أن الفتاة لا تتزوج إلا ممن يحفظ القرآن وإلا أخذ الكثيرون يعايرونها إذا تزوجت من شخص لا يحفظ القرآن.

وحول اختيار التشاديين الأشجار للحفظ تحتها يقول الدكتور بكر :" ليس عيبا في تشاد الحفظ تحت تلك الاشجار بل أن الأشجار هي مهمة للتشاديين لأبعد حد لأن تشاد دولة صحراوية ودرجة الحرارة بها شديدة والمنازل لابد وان تكون واسعة لكن المستوى المادي للشعب يحول دون ذلك فيلجأون للشجر للجلوس أسفلها وحفظ القرآن تحتها وكأنك تجلس في تكييف"

وعن تعداد الكتاتيب وعدد من يحفظون بها لفت الدكتور بكر إلى انه لايوجد حصر لتلك الكتاتيب لكنها تكبر وتصغر على حسب اهتمام كل قبيلة بتعليم القرآن الكريم ، وبصفة عامة الشعب التشادي وجنوب الصحراء مهتمون بتعلم القرآن.

تأديب وتهذيب

وبين أن هناك نظام هام بجانب الكتاتيب وهي الخلوات وأشهرها خلوة الشيخ تيجاني" في مكان يسمى كوندل وخلوته خارج إنجمينا وبالخلوة غرف لتعليم بعض الصناعات ، إلى جانب تحفيظ القرآن وكثير من القبائل يرسلون أبنائهم الذين انحرفوا لتلك الخلوات فيكبله أهله بالأغلال إلى هناك ويظل على حاله ربما عدة شهور حتى ينام ويستيقظ على تحفيظ القرآن ويصلي ، حتى يخرج من تلك الخلوة حافظا للقرآن مؤديا للصلوات، وتاركاً لكل المخالفات فيقبل تلك الأغلال التي جعلته يعرف طريق الهدى.

وحول انتقاد الكثيرين لهذه الطريقة يقول الدكتور بكر أن التشاديين يلجأون لهذه الخلوات القرآنية لتربية أبنائهم بدلا من أن يزج بهم في السجن فيزداد انحرافهم عند خروجهم .

ولفت إلى أن القرءات في تشاد مفعلة بين حفظة القرآن في الكتاتيب ولكن تنتشر بينهم قرائتي ورش وحفص ، مؤكدا ضرورة دعم تلك الكتاتيب ، ودعم اللغة العربية في مواجهة اللغة الفرنسية .

منقول : المصدر .