فرص ذهبية للطلاب...بادروا لاغتنامها

(لن تزولا قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع , عن عمره فيما أفناه , وعن شبابه فيما أبلاه , وعن علمه ماذا عمل به , وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه) صدق رسول الله

جلي أن الحديث بدأ بالإشارة إلى أهمية استغلال العمر كله في طاعة الله، وخص فترة منه دونا عن الباقي، تلك هي فترة النماء والازدهار والطاقات المتوهجة، إنها فترة الشباب والحيوية التي يكون الإنسان أكثر ما يكون قدرة على العطاء والبذل لدينه وأمته، فترة تتشكل فيها شخصية الشاب وتوجهاته وقناعاته، فما بالكم إن اجتمعت على الشباب الدراسة؟ أي فترة هذه؟؟ بالتأكيد تمر على الطالب كطيف لطيف، ذاك أنها ببساطة فترة جميلة تحمل عادة أفضل الذكريات بما فيها من لحظات سعادة أو ألم، لكنها تبقى الأيام الأجمل في حياة الفرد، بل والأهم، إذ هي التي تصقل عقليته وتوجهه في مسار حياته العملية، ولا ريب أنها تمتاز بالوضوح الشديد في الأهداف، فالطالب عادة لا يحمل من الهموم الدنيوية الكثير، كما يرى طريقه في العمل واضحا، حضور للمحاضرات ثم عودة للمنزل للأكل والنوم ومن ثم الاستذكار. وما هي إلا سنوات قلائل وينقلب الحال رأسا على عقب فيظل الشاب بعد التخرج يلهث بحثا عن وظيفة أفضل أو أجر أعلى، وينحت في الصخر ليتمكن من بناء مستقبله زاهرا ومن تكوين أسرة ينعم معها بالسعادة. وتأخذه دوامة الحياة فلا يكاد يرى أهله وأصدقاءه إلا فيما ندر، فضلا عن أن يتابع أحوال أمته، أو يقوم بعمل دعوي أو اجتماعي.

فلنقتنص إذا قوله : (اغتنم شبابك قبل هرمك).
جدير بالطلاب إذا أن يعوا حقيقة أن المجتمع الجامعي هو مجتمع واسع ومفتوح على كافة الأصعدة والرؤى، وصدر رحب يستوعب من العقول والفئات شتاتا متفرقا، قلما توفر مثله في سكن أو عمل. كما أن هذا المجتمع الواسع يقضي مع بعضه أكثر من نصف اليوم تحت الجدران نفسها، ويمر بنفس الظروف عادة من انتصارات وانكسارات، أفراح وأتراح، ومن ثم كان لا بد لكل كيس فطن أن يلتفت انتباهه لهذا الوسط الخصب، فيبذل لزملائه مما يحبه لنفسه، ويعطي لرفاقه مما منّ عليه الله به، وكثيرا ما رأينا نماذج رائعة في البذل والعطاء والتفاني، طلاب يعطون من وقتهم لمساعدة زملائهم علميا وشرح ما التبس عليهم من غامض المقررات...ونماذج أخرى مضيئة: طلاب تنفطر قلوبهم حبا لزملائهم فيندفعون لدعوتهم نحو كل خير، وإبعادهم عن كل غث وسمين، ولا يضنون على زملائهم وزميلاتهم بما أكرمهم به الله من علم نافع ديني ودنيوي.

وهنا نلتفت أيضا لقوله (لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من الدنيا وما فيها). فلننتهز إذا هذا العرض السخي من رب العباد ونبدأ بأبسط طرق الدعوات وهي انضباط كامل لا يداخله تفلت، وتقديم للقدوة الإسلامية الجميلة علما وخلقا، ثم حرص على مصلحة الزملاء فهم أعز علينا من أنفسنا، تبرق أمامنا حياة الدعاة إلى الله وننتبه أننا لسنا طلابا فقط بل نحن حملة مشاعل الخير والنور للبشرية جمعاء، ومن ثم ننطلق في ميادين العطاء والخير، ونتسابق للبذل لدعوتنا ونعطي من أوقاتنا وأموالنا ما قد يرد مدخنا عن تدخينه أو يرشد متبرجة إلى حجابها أو يمنع اختلاطا لا مجال له في قاعات الدراسة، وليكن نهجنا في ذلك هدوئا بسيطا، وابتسامة ودودا، وحبا للخير فياضا، نتمثل فيه قوله تعالى (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة)، وكلما واجهنا في ذلك مشقة أو رهقا تذكرنا نبينا الكريم وهو يدعو إلى ربه في مكة وفي الطائف وتدمى قدماه الشريفتين ولا يزيده ذلك إلا إصرارا على تبليغ دعوة الإسلام نقية صافية.

لا يفوتنا أيضا أن نلمح الجانب الفكري في مرحلة الدراسة المتميزة بإعمال التفكير في كل أمر، فلنحرص دوما هنا أن تكون لنا آراؤنا فيما حولنا، نعيش حياتنا ناظرين لغايتنا التي خلقنا الله من أجلها، ونعلم أنا قد جئنا الدنيا لنضيء جوانبها ونعمرها بالخير الفياض، ومن ذلك أن نهتم بالمشاركة في كل نشاط تتاح لنا فرصة الإبداع فيه، كما نشارك فيما يعقد من ندوات وننبري لإبداء من يتراءى لنا من رأي في قضايا أمتنا المعذبة، و(من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم). وليكن همنا دوما أن نكون عناصر فعالية ومشاركة لا أصحاب خمول وركون، نجتهد في الانضمام لأعمال الطلاب واتحاداتهم وبث روح الخير فيها، نجتهد في أن نضع أعمال الطلاب وانفعالاتهم على طريقها الصحيح، فلا إفراط ولا تفريط.

ومن جميل الصنع أن نمد أيدينا لمن سبقونا بأعمال الطلاب نلتمس منهم بعد الله عونا، ونستقي من خبراتهم التي نحتتها السنين، سواء كانوا بنفس أماكن الدراسة أم فرقت بينهم أراض أو بحار، ولنعلم يقينا أن تعاوننا مع زملائنا لتحقيق هذه الأهداف الجميلة هو أقصر الطرق للوصول إليها، ذاك أن يد الله مع الجماعة، والطالب منفردا لا يرى عيوبه ولكن مع زملائه يختلف الأمر فالآراء يتبادلونها والخبرات يتعاقبونها والمصالح يتعاونون على قضائها والمرء قليل بنفسه كثير بإخوانه، وعمل المجموعة قطعا يحمل في طياته من الخير الكثير والكثير، ولا يعوقنا انتظارنا لخطط المجموعة عن إعمال عقولنا نبشا وراء كل جديد نقدمه في سبيل رفعة أمتنا.

وقبل هذا وذاك نتذكر أننا كطلاب لا بد لنا من التفوق العلمي لنأخذ بزمام أمتنا إلى ذرى المجد والرفعة، فدراستنا بكل جد واجتهاد هي قطعا طاعة لله، و(من خرج في طلب العلم فهو في سبيل الله حتى يرجع) وجلي لنا أن أمتنا تفتقد المهندس الماهروالمدرس المتمكن والطبيب الحاذق والصانع المتقن والأديب البليغ، فلنكن نحن هؤلاء بشيء من العمل المخلص الدؤوب. ولنعلم أن تأثير عامل متقن لصنعته أو كاتب قلمه في سبيل الله أو محاضر يحسن تدريس مادته هو تأثير عظيم بلا شك وفضل كبير ما نوى به صاحبه رضا الله.