بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله ، أما بعد
فهذه نبذة مختصرة حول المحكم والمتشابه ، أصلها مأخوذ من شرح الشيخ محمد عبد المقصود حفظه الله ، لمذكرة الشيخ الشنقيطي في أصول الفقه ، أسأل الله أن ينفع بها

المحكم والمتشابه :
أولا : تعريفهما :
تعريف المحكم لغة : ذكر الزركشي في "البرهان" : أن أصله لغة المنع ، فتقول : أحكمت بمعنى رددت ، وسمي الحاكم حاكما لأنه يمنع الظالم منظلمه ، ومنه حكمة اللجام ، وهي التي تمنع الفرس من الإضطراب .
ومنه قول جرير :
أبني حنيفة احكموا سفهائكم إني أخاف عليكم أن أغضب ، أي امنعوا سفهائكم .

وقد اختار الدكتور محمد لطفي الصباغ ، في "اللمحات" ، معنى الإتقان ، فقال : المحكم : اسم مفعول من أحكم ، أي أتقن ، يقال : بناء محكم ، أي متقن ، لا وهن فيه ولا خلل .

تعريف المتشابه لغة :
اسم فاعل من تشابه ، أي أشبه بعضه بعضا ، وذكر الزركشي ، أن أصله أن يشتبه اللفظ في الظاهر مع إختلاف المعاني .

وأما إصطلاحا ، فقد اختلفت آراء العلماء في تعريف المحكم والمتشابه ، ومن أبرز ما قيل في هذه المسألة :
¨ أن المحكم : ما عرف المراد منه ، والمتشابه : ما استأثر الله بعلمه ، كقيام الساعة والحروف المقطعة في أوائل السور ، وهذا قول القرطبي ، وقد رجحه الدكتور محمد لطفي الصباغ ، وذكره الشيخ مناع القطان ، في مقدمة الآراء التي سردها في هذه المسألة .
¨ أن المحكم : ما لايحتمل إلا وجها واحدا ، والمتشابه : ما احتمل أوجها . اهـ ، ففي قوله تعالى : ( ثلاثة قروء) ، يكون لفظ (ثلاثة) ، على هذا التفسير ، محكما لأنه لا يحتمل إلا معنى واحدا ، وهو العدد ثلاثة ، وأما لفظ (قروء) ، فهو ، على هذا التفسير ، من المتشابه ، لأنه مشترك لفظي يحتمل أكثر من معنى ، فهو يأتي بمعنيين (الطهر والحيض) ، والخلاف في هذه المسألة مبسوط في كتب الفقه ، حيث رجح الأحناف ، معنى الحيض ، ورجح الجمهور معنى الطهر ، وهو الراجح إن شاء الله ، والله أعلم .
¨ أن المحكم : ما استقل بنفسه ولم يحتج إلى بيان ، والمتشابه : ما لا يستقل بنفسه واحتاج إلى بيان برده إلى غيره . اهـ ، وعليه تكون آيات صفات الله (محكمة المعنى) ، وإن كانت كيفياتها ، من المتشابه الذي لا يعلمه إلا الله ، كما نبه إلى ذلك الشيخ الشنقيطي ، في مناقشته لقول ابن قدامة بأن آيات الصفات متشابهة ، فهذا لفظ مجمل يحتاج إلى تبيين ، وبيانه ، أنها محكمة المعنى متشابهة الكيفية ، وعلى هذا الرأي (أي أن المتشابه : ما لا يستقل بنفسه واحتاج إلى بيان برده إلى غيره) ، يكون قوله تعالى : (إن الشرك لظلم عظيم) ، من المتشابه ، لأنه يحتمل الظلم بمعناه الواسع ، ويحتمل الشرك خاصة ، فاحتاج هذا اللفظ إلى غيره (وهو تفسير الرسول ، للظلم في هذه الآية بأنه الشرك) ، ليظهر معناه المراد .
¨ أن المحكم : هو آيات الأحكام ، والمتشابه هو : القصص والأمثال .
¨ أن المحكم : هو الناسخ ، والمتشابه : هو المنسوخ .
¨ أن المحكم : هو ما اتصلت حروفه ، والمتشابه : ما تقطعت حروفه ، (كالحروف المقطعة في أوائل السور) ، ويصف الشيخ محمد بن عبد المقصود ، حفظه الله ، هذا الرأي ، بأنه رأي ضعيف ، فكم من كلمات اتصلت حروفها ، ولا معنى لها ، فقد يجمع الإنسان حروفا متعددة في لفظ واحد ، ولا يظهر من هذا اللفظ معنى واضح ، والله أعلم .
¨ وهناك تعريف للمحكم ، في علم الأصول ، وهو : اللفظ الذي ظهرت دلالته بنفسه على معناه ظهورا قويا على نحو أكثر مما عليه المفسر ، ولا يقبل التأويل ولا النسخ . فهو ، كما يقول الدكتور عبد الكريم زيدان في "الوجيز" لا يحتمل التأويل ، لأن وضوح دلالته بلغت حدا ينتفي معها أي إحتمال للتأويل . وهو لا يقبل النسخ ، لأنه :
· إما أن يدل على حكم أصلي لا يقبل بطبيعته التبديل والتغيير ، كالنصوص الواردة بالإيمان بالله واليوم الآخر والرسل ، وتحريم الظلم ، ووجوب العدل ونحو ذلك .
· وإما أن يقبله بطبيعته ، ولكن اقترن به ما ينفي إحتمال نسخه ، كقوله : (الجهاد ماض إلى يوم القيامة) .
ثم ذكر الدكتور عبد الكريم ، تقسيما آخر ، للمحكم ، فهو إما أن يكون :
· محكما لعينه ، وهو يشمل النوع السابق (أي الذي اقترن بما يدل على نسخه) .
· وإما أن يكون محكما لغيره ، وهو المحكم لإنقطاع الوحي بموته ، والمحكم يأتي في المرتبة الأولى من مراتب واضح الدلالة ، ويليه المفسر ، ثم النص ، ثم الظاهر .
وجدير بالذكر أن الزركشي ، قد حكى الخلاف في هذه المسألة على 13 قولا .

مسألة : الإحكام والتشابه العام :
وقد فصل الحسين بن محمد النيسابوري ، كما حكاه عنه الزركشي ، القول فيها كالتالي :
¨ أولا : وصف الله آيات القرآن كلها بأنها محكمة ، في مواضع منها قوله تعالى : (كتاب أحكمت آياته) . اهـ ، أي أتقنت ، فيكون معنى الإحكام العام في هذه الآية ، الإتقان ، الذي يشمل كل آيات القرآن .
¨ ثانيا : وصف الله آيات القرآن كلها بأنها متشابهة ، في مواضع منها قوله تعالى : (كتابا متشابها) . اهـ ، أي أنه متشابه في المثلية والإتقان ، وهذا هو معنى التشابه العام ، فآيات القرآن كلها متشابهة من حيث الإتقان .
¨ ثالثا : وهو أن منه محكما ومنه متشابه ، لقوله تعالى : (منه آيات محكمات هن أم الكتاب) . اهـ ، وعليه حدث الخلاف في تعريف المحكم والمتشابه ، إصطلاحا ، كما تقدم ، وهذا هو التفصيل الذي ارتضاه الشيخ محمد بن عبد المقصود ، حفظه الله .

مسألة : القول في تفسير قوله تعالى : (وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم) ، وهل الواو في قوله تعالى : (والراسخون في العلم) ، عاطفة ، أم إستئنافية ؟
رجح ابن قدامة ، في روضة الناظر ، أن الواو إستئنافية ، وقال بأنه الأصح من جهة السياق وقواعد اللغة ، لما يلي :
¨ أولا : أنه لو كانت الواو عاطفة ، أن يكون السياق كالتالي : (وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم ، ويقولون آمنا به) ، وهو خلاف سياق الآية : (وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به) .
¨ ثانيا : أنه لو كان الراسخون في العلم ، يعلمون تأويله ، لكان إبتغاء التأويل محمودا ، ولكن الله ذم إبتغاء التأويل في صدر الآية ، (فأما الذين في قلوبهم مرض فيتبعون ما تشابه منه) ، فوصف متبعي التأويل بأنهم مرضى القلوب ، وكذا ذمه الرسول ، في حديث عائشة مرفوعا : فإذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذرهم .
¨ ثالثا : ولأن قولهم : (آمنا به) ، يدل على نوع تفويض وتسليم لشيء لم يقفوا على معناه ، سيما إذا أتبعوه بقولهم : (كل من عند ربنا) فذكرهم ربهم ها هنا يعطي الثقة به والتسليم لأمره ، وأنه صدر من عنده كما جاء من عنده المحكم .
¨ رابعا : ولأن لفظة (أما) لتفصيل المجمل ، فذكره لها في الذين في قلوبهم زيغ مع وصفه إياهم بإتباع المتشابه وإبتغاء تأويله يدل على قسم آخر يخالفهم في هذه الصفة وهم الراسخون .
ويقول الدكتور الصباغ : ومما يؤيد أن الواو إستئنافية ، لا عاطفة في قوله تعالى (وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم) ، دلالة الإستقراء في القرآن ، ذلك أنه تعالى إذا نفى عن الخلق شيئا وأثبته لنفسه ، ، فقد دل الإستقراء ، كما يقول الأستاذ الشنقيطي في "أضواء البيان" ، أنه لا يكون له في ذلك الإثبات شريك ، كقوله تعالى : (قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله) .
ويقول الخطابي : لو كانت الواو في قوله تعالى (والراسخون) ، للنسق ، أي العطف ، لم يكن لقوله تعالى : (كل من عند ربنا) فائدة ، والمعنى ، والله أعلم ، كيف يفوضون علم ما علموه ؟ .
ويقول الشيخ الشنقيطي ، ، في "أضواء البيان" ، بأن القول بأن الوقف تام على قوله تعالى : (إلا الله) وأن قوله تعالى : (والراسخون في العلم) إبتداء كلام ، هو قول جمهور العلماء ، وممن قال بذلك عمر وابن عباس وعائشة وعروة بن الزبير وعمر بن عبد العزيز وابن مسعود وأبي بن كعب وغيرهم كثير .

وممن حرر الخلاف في هذه المسألة (مسألة الوقف في قوله تعالى "إلا الله") فأجاد ، الشيخ مناع القطان ، في "المباحث" ، حيث حكى الخلاف في هذه المسألة ، فقال ما ملخصه :
¨ أولا : ذهب الجمهور ، إلى أن الواو في قوله تعالى : (والراسخون في العلم) للإستئناف ، وقد سبق في كلام الشنقيطي .
¨ ثانيا : ذهب بعض العلماء وعلى رأسهم مجاهد ، ، إلى أن الواو عاطفة ، فقد روي عنه أنه قال : عرضت المصحف على ابن عباس من فاتحته إلى خاتمته ، أقفه عند كل آية وأسأله عن تفسيرها ، واختار هذا القول النووي ، فقال في شرح مسلم : إنه الأصح لأنه يبعد أن يخاطب الله عباده بما لا سبيل لأحد من الخلق إلى معرفته ، والرد على كلام النووي : أن لله أن يمتحن خلقه بما شاء ، فلا مانع أن يمتحنهم بالإيمان بما لا يعلمون معناه ، ولا أدل على ذلك من الحروف المقطعة ، في أوائل السور ، فالجمهور على أنها مما استأثر الله بعلمه .

ثم حرر ، ، الخلاف في هذه المسألة بناء على تعريف التأويل ، فقد اختلف العلماء في تعريفه ، على 3 أقوال :
¨ أولا : صرف اللفظ عن الإحتمال الراجح إلى الإحتمال المرجوح لدليل يقترن به ، وهذا هو إصطلاح أكثر المتأخرين .
¨ ثانيا : التفسير ، وهذا ما يكثر الطبري ، ، من إستخدامه في تفسيره .
¨ ثالثا : هو الحقيقة التي يؤول إليها الكلام ، فتأويل ما أخبر الله به عن ذاته وصفاته هو حقيقة ذاته المقدسة وما لها من حقائق الصفات ، وتأويل ما أخبر الله به عن اليوم الآخر هو نفس ما يكون في اليوم الآخر ، ومن أبرز الأمثلة على هذا المعنى :
· قوله تعالى : (هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل قد جاءت رسل ربنا بالحق فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا) ، فالتأويل في هذه الآية هو وقوع المخبر به ، وهو يوم القيامة ، وساعتها يندم مكذبوا الرسل ويسألون الشفاعة ، ويتمنون الرجوع إلى الدنيا ليستكثروا من الصالحات ، ولكن هيهات .
· قوله تعالى : (وقال يأبت هذا تأويل رءياي) ، فيوسف ، قال هذا بعد وقوع الرؤيا التي حكاها لأبيه في أول السورة .
ويشمل التأويل بهذا المعنى ، أيضا الإمتثال ، بالفعل إن كان أمرا ، والترك إن كان نهيا ، ومن ذلك قول عائشة : كان رسول الله يقول في ركوعه وسجوده : "سبحانك اللهم ربنا وبحمدك ، اللهم اغفر لي" يتأول القرآن ، تعني قوله تعالى : (فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا) ، فرسول الله ، امتثل بفعل ما أمر به .
وبناءا على ما سبق ، يجمع بين القولين ، كالتالي :
¨ أولا : من قال بأن الواو للإستئناف ، إنما عنى بذلك ، المعنى الثالث للتأويل ، وهو حقيقة الأمر المخبر به ، لأنه غيب لا يعلمه إلا الله .
¨ ثانيا : ومن قال بأن الواو للعطف ، فأدخل الراسخين في العلم ، إنما عنى المعنى الثاني ، وهو التفسير ، فتفسير ألفاظ صفات الله ، مما يعلمه العلماء الراسخون في العلم ، وإن كانت كيفياتها مجهولة ، والله أعلم .
مسألة : أنواع المحكم :
تكلم الدكتور الصباغ ، عن هذه المسألة في "اللمحات" ، فقال :
المحكم درجات في وضوحه ، ومن أجل ذلك يتفاوت الناس في إستيعابه كله وفهمه والإحاطة بمعانيه ومدلولاته ، ثم قسم المحكم ، إلى قسمين ، فقال ما ملخصه :
¨ أولا : هناك آيات واضحات جدا يستطيع كل إنسان أن يفهمها ، إذا كان عارفا باللغة العربية .
¨ ثانيا : هناك آيات لا يدرك مدلولها إلا العلماء الواقفون على أسرار العربية ، القادرون على الإفادة من قواعد الإستنباط وأصول الفقه وقواعد البلاغة ، ثم نبه إلى أن إدخال هذا القسم في المتشابه ، لمجرد خفائه عن بعض الناس ، غلط دون شك .

مسألة : أنواع المتشابه :
وقد تكلم عنها أيضا الدكتور الصباغ في "اللمحات" ، فقال ما ملخصه :
وهو (أي المتشابه) أيضا درجات ، فبعضه أشد تشابها من بعض ، وقد توسع فيه بعض العلماء ، الذين يقولون بأن المتشابه يمكن معرفة معناه ، حتى جعلوا ، كما سبق ، الكلمة الغريبة التي يكشف عن معناها في كتب غريب القرآن ، أو معجمات اللغة ، من المتشابه .

¨ التقسيم الأول :
وقد ذكروا فيه أن المتشابه ثلاثة أنواع :
· أولا : متشابه من جهة اللفظ : وهو الذي أصابه الغموض بسبب اللفظ وهو نوعان :
o نوع يرجع إلى الألفاظ المفردة : وذكروا له ضربين :
q ضرب يرجع إلى الغرابة : مثل (الأب) فق قوله تعالى : (وفاكهو وأبا) .
q وضرب يرجع إلى الإشتراك ، وهو يقصد ، والله أعلم ، الإشتراك اللفظي ، وهو : إستخدام اللفظ الواحد لأكثر من معنى ، كلفظ العين ، على سبيل المثال ، فهو يطلق على عين الماء ، وعلى عين الإنسان الذي يبصر بها ، وعلى الذهب ، وعلى الجاسوس ، ومن أبرز الأمثلة القرآنية على هذا : قوله تعالى : (ثلاثة قروء) ، فالقرء يطلق على الضدين (الطهر والحيض) ، وبناءا عليه حدث الخلاف الشهير بين العلماء في عدة المطلقة ، ولا شك أن هذا الضرب ، هو من المتشابه عند من توسع في إطلاق التشابه ، ولعل هذا الخلاف الفقهي ، هو الذي جعلهم يطلقون عليه وصف التشابه ، والله أعلم .

o ونوع يرجع إلى جملة الكلام المركب ، وذكروا لذلك ثلاثة أضرب :
q ضرب ينشأ عن إختصار الكلام .
q وضرب ينشأ عن بسط الكلام .
q وضرب ينشأ بسبب نظم الكلام .
وهذه الأضرب ، أفتقر إلى أمثلة عليها ، وإن كنت قد سمعت تسجيلا للدكتور عبد الله بدر ، حفظه الله ، وهو أحد علماء الأزهر ، تكلم فيه عن هذه المسألة بالتفصيل ، وذكر الأمثلة الوافية عليها ، ولكن لا تحضرني في هذا الوقت ، فأرجوا من إخواني سد هذا النقص .

· ثانيا : ومتشابه من جهة المعنى ، وهو الذي أصابه الغموض بسبب المعنى نفسه ، وقد ذكر الراغب الأصفهاني ، في "مفرداته" أن منه أوصاف الله تعالى وأوصاف القيامة ، وهذا هو نفس كلام ابن قدامة ، في "روضة الناظر" ، وقد استدرك عليه الشنقيطي ،في مذكرته في أصول الفقه ، هذا الإطلاق ، فينبغي أن يقيد الأمر في مسألة أوصاف الله ، بأنها متشابهة الكيفية ، لا المعنى ، فمعناها اللغوي واضح ، وما استدرك على ابن قدامة ، يستدرك على الراغب ، وممن أكد على هذا شيخ الإسلام ، حيث ذهب إلى أن إعتبار آيات الصفات من المتشابه غلط ، وإن كان قد قرر أن حقيقة ما تدل عليه الآيات من حقائق الأسماء والصفات من المتشابه الذي لا يعلمه إلا الله ، فقال : (وأما حقيقة ما دل عليه ذلك من حقائق الأسماء والصفات فهذا من تأويل المتشابه الذي لا يعلمه إلا الله) .

¨ التقسيم الثاني :
وذكروا للمتشابه تقسيما آخر من حيث إمكانية معرفته ، فقالوا : إنه ينقسم إلى ثلاثة أقسام :
· أولا : قسم لا سبيل إلأى الوقوف عليه كوقت الساعة وخروج الدابة .
· ثانيا : وقسم للإنسان سبيل إلى معرفته ، كالألفاظ الغريبة .
· ثالثا : وقسم متردد بين الأمرين ، يختص بمعرفته بعض الراسخين في العلم ويخفى على من دونهم ، وقد رجح الدكتور الصباغ ، أن المتشابه من هذه الأضرب هو الأول فقط ، وأما الألفاظ الغريبة وما يستطيع الراسخون في العلم معرفة معناه ، فهو من المحكم ، وإن كان إدراكه غير متيسر لكل أحد .

مسألة : المنحرفون والمتشابه :
تتضح هذه المسألة ، بذكر أمثلة من سلوك المنحرفين فيها :
¨ أولا : منهج مؤولة الصفات ، وجلهم من المتأخرين ، الذين اعتمدوا تعريف التأويل على أنه : صرف اللفظ عن الإحتمال الراجح إلى الإحتمال المرجوح لدليل يقترن به ، وعليه صرفوا ألفاظ آيات الصفات عن معانيها الظاهرة المتبادرة للذهن ، إلى معان أخرى مرجوحة لأمور ظنوها قرائن تصلح في هذا المقام ، مبناها تنزيه الخالق عن مشابهة خلقه ، فقالوا : (استوى) بمعنى (استولى) وأولوا صفة الوجه على أنها الذات ، وصفة اليد على أنها القدرة والقوة والنعمة ، وهكذا ، ولو التفتوا لحقيقة ، أن الإشتراك في التسمية لا يعني الإشتراك في المسمى ، فليس معنى أن لله يد ، وللإنسان يد ، أنهما متماثلتان ، لمجرد إطلاق لفظ "اليد" على كليهما ، وحقيقة أن الكلام على الصفات ، فرع عن الكلام على الذوات ، فكما أن ذات الخالق لا تشابه ذوات مخلوقاته ، فكذا صفاته ، لا تشابه صفات مخلوقاته ، لو التفتوا لكل هذا ، لما وقعوا فيما وقعوا فيه من التأويل بداعي التنزيه .

¨ ثانيا : منهج الباطنية وغلاة الشيعة : وهؤلاء اعتمدوا على تأويلات باطلة ، لا تمت للنصوص الشرعية بصلة ، وقد نقل الدكتور الصباغ أمثلة على هذا المنهج المنحرف ، من كتاب "القرامطة" لإبن الجوزي ، ومنها :
· ما ذكره ابن الجوزي ، نقلا عن غلاة الشيعة الذين يعتقدون بعقيدة التناسخ الباطلة وينكرون القيامة ، ونقل عنهم قولهم : (وأما النفوس المنكوسة المغموسة في عالم الطبيعة المعرضة عن طلب رشدها من الأئمة المعصومين فإنها أبدا في النار ، على معنى أنها تتناسخ في الأبدان الجسمانية وكلما فارقت جسدا تلقاها آخر واستدلوا بقوله تعالى : (كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها)) .
· ونقل عنهم أيضا أنهم يفسرون الصيام بالإمساك عن كشف السر ، ويفسرون البعث يوم القيامة بالإهتداء إلى مذاهبهم .
· ومما نقل عنهم ، أنه يفسرون الجنابة ، بأنها إفشاء السر ، وليست الجنابة ، بمعناها الشرعي ، عند جماهير المسلمين ، والله أعلم .
· بل وذهب بعضهم ، كما يقول الدكتور الصباغ ، إلى تفسير الحروف المقطعة على أنها رموز لكلمات يستدلون منها على أحقية علي بالخلافة ، بل استدل بعضهم على أن عليا كان أحق بالرسالة من محمد ، كما ذكر ذلك محمد رشيد رضا .
· وذهب فريق ثان إلى تفسير هذه الحروف بحساب الجمل واستنتجوا من ذلك وقت قيام الساعة ، ويهذون بهذيانات باطلة .

مسألة : فوائد المتشابه :
¨ أولا : فوائد المتشابه الذي يمكن علمه :
وقد ذكرها الدكتور الصباغ في "اللمحات" ، فقال ما ملخصه :
· حث العلماء على النظر الموجب للعلم بغوامضه والبحث عن دقائقه .
· ظهور التفاضل وتفاوت الدرجات إذ لو كان القرآن كله محكما لا يحتاج إلى تأويل لاستوت منازل الخلق ولم يظهر فضل العالم على غيره .
· الحصول على الثواب الأكبر ، ذلك لأن المتشابه يوجب فهمه التعمق في معرفة النحو والمعاني وغيرهما والوقوف على أساليب العرب والعلوم الأخرى .

¨ ثانيا : فوائد المتشابه الذي لا يمكن علمه :
· إبتلاء العباد بالوقوف عنده ، والتوقف فيه ، والتفويض والتسليم ، والتعبد بالإشتغال به من جهة التلاوة كالمنسوخ وإن لم يجز العمل بما فيه .
· إستكمال جوانب التأثير في العقيدة ، وذلك لتتوافر للعقيدة الصفة المهمة التي تجعلها عقيدة تملأ النفس ، وتحوز الإعجاب .
· إقامة الحجة على الناس جميعا بهذا الكتاب ، الذي جاء بكل ما يتطلع إليه الناس أفرادا وجماعات سواء كان في العقيدة التي تنأى عن الخرافة والباطل ، وتدعو إلى الإيمان بحقائق يدرك الناس بعضها ويعجز العقل البشري عن إدراك بعضها ، أو كان في التشريع المتكامل أو في الحياة الروحية السامية التي أقامها بين الناس .
· إقامة الحجة على العرب البلغاء حيث نزل القرآن بلغتهم ، ومع ذلك فقد عجزو عن الوقوف على معنى بعض الآيات ، فدل ذلمك على أنه منزل من عند الله .