في كتاب" تغريب الألقاب العلمية " للشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد – – بحث جيد في هذا الباب أحببت أن أنقله لما فيه من الفائدة :
قال – – ( ص 22 ، 29 ) :
« ويستطيع الناظرُ في كتب التراجم عندما ينعم النظر في السِّيَرِ والرجال أن يتجلَّى له بوضوحٍ مظهرُ الانطباعِ بروح التواضع والافتقار ، ونتيجةً لهذا فلن يرى من يُلَقِّبُ نفسه بما كان يستحقُّه من لقبٍ علمي ، أو لقب تزكيةٍ في حياته وزمانه ، بل سيرى مواقف الأَنَفَةِ من ذلك ، وهذا منتشر في كتب النَّقَلَةِ للسِّيرِ والرجال .

فهذا الإمامُ المحدِّثُ أبو إسحاق السَّبيعِي : عمرو بن عبد الله ، المتوفى سنة 129هـ لما قال له شخص : أأنت الشيخ أبو إسحاق ؟ قال : لا أنا أبو إسحاق .

وهذا العمادُ الحنبلي : إبراهيم بن عبد الواحد المَقْدِسي المتوفى سنة 614هـ كان إذا سُمِعَ عليه جُزْء وكتبوا على ظهره : سمع على العالم الوَرع ، نهاهم عن ذلك ، كما في " ذيل الروضتين " لأبي شامة المقدسي .

وفي "الشذرات" لابن العِمَاد (6/34) ، قال : ( قال السُّبكي : كان ابن دقيق العيد لا يُخَاطِبُ أحداً إلا بقوله : يا إنسان ، غير اثنين : الباجي ، وابن الرِّفْعة ، يقول للباجي : يا إمام ، ولابن الرفعة : يا فقيه ) أهـ .

وفي ترجمة القاضي أبو البركات أحمد بن إبراهيم الكناني العسقلاني الحنبلي المتوفى سنة 886هـ كما في " ذيل رفع الإصر " للسخاوي ، قال : " وأَلْزَمَ الموقعين بالمنعِ من مزيدِ الألقابِ له ولأبيه ولِجَدِّهِ ، وأمرهم بالاقتصار على قاضي القُضاة لكل منهم ، وقال : هذا وصفٌ صحيح ، وكذا منعني - القائل السخاوي – من إطْرَائِهِ ، وأمرني بالاقتصار في ترجمته على شيوخه ونحو ذلك ، وقال : لست في حِلٍّ من زائد عليه .. ) أهـ

ومن الاقتصار في الألقابِ ما جاء في ترجمة عبد الله بن وهب المالكي ، المتوفى سنة 197هـ كما في " وَفَيَاتِ الأعيان " : (3/36 ، برقم 324) ، قال :
( وكان مالك يكتب إليه إذا كتب في المسائل : إلى عبد الله بن وهب المفتي ، ولم يكن يفعل هذا مع غيره ) أهـ

وفيه أيضاً (3/345) في ترجمة الهكاري المُلَقَّب بشيخِ الإسلام المتوفى سنة 486هـ ، قال :
( وسمعتُ أنَّ بعضَ الأكابرِ قال له : أنت شيخ الإسلام ، فقال : بل أنا شيخ في الإسلام ) أهـ

وقال أبو الحسن العامري المتوفى سنة 381هـ في كتابه " الأمد على الأبد " :
( ولقد كان شَيْخُنا أبو زيد أحمد بن سهل البلخي – مع تَوَسُّعِهِ في أصناف المعارف ، واستقامةِ طريقتِهِ في أبوابِ الدين ، متى نَسَبَهُ أحدٌ من مُوَقِّرِيه إلى الحكمة يشمئزُّ منه ويقول : لهفي على زمان يُنْسَبُ فيه ناقصٌ مثلي إلى شرف الحكمة ... ثم قال : هذا حال أُستاذه : يعقوب بن إسحاق الكِنْدي ) .

وقال ابن الحاج في " المدخل " (1/127) في مَعْرَض بحثه النفيس في ذلك :
( ألا ترى إلى الإمام النووي – من المتأخرين لم يرضَ قَطُّ بهذا الاسم ، وكان يَكْرَهُهُ كراهةً شديدةً على ما نُقِلَ عنه وصح ، وقد وقع في بعض الكتب المنسوبة إليه – – أنه قال : إني لا أجعلُ أحداً في حِلٍّ ممن يسميني بمحيي الدين . وكذلك غيره من العلماء العاملين بعلمهم ..
وقد رأيتُ بعضَ الفُضَلاء من الشافعية من أهل الخير والصلاح إذا حَكَى شيئاً عن النووي – – يقول : قال يحيى النووي ؛ فسألتُهُ عن ذلك فقال : إنا نكره أن نُسميه باسمٍ كان يَكْرَهُهُ في حياته ، فعلى هذا فهذِهِ الأسماءُ إنما وضعت عليهم تَفَعُّلاً وهم برآء من ذلك ) أهـ .

وهذا أبو العباس شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام النُّميري الشهسر بابن تيمية ، المتوفى سنة 728هـ - رائد القيادة إلى السلفية الرشيدة على أنقاض التأويل ومحض التقليد ومستحكم الأهواء والبدع ، كان كثيراً ما يقول [ مدارج السالكين (1/524) ] : ( ما أنا بشيء ، وما مني شيء ) ، وكان لا يرضى تَلْقِيبَهُ بتقي الدين ، ويقول : لكن أهلي لقبوني بذلك .

وهذا الشيخ محمد المبارك الجزائري ثم الدمشقي ، المتوفى سنة 1330هـ - وَجَّهت إليه الدولة رُتْبَةً علميةً فاستاء جدَّاً ، ولم يقبلها ، ولم يبعث بشُكْرٍ إلى الوالي ، وما رُؤيَ يغضبُ مثل غضبه عند ذكرها ، وهذا في ترجمته من كتاب " تاريخ علماء دمشق " : (1/275 ، 276) .

وهذا ابن هُبَيْرَة الشيباني ، صاحب " الإفصاح " ، المتوفى سنة 560 هـ قال يوماً كما في " الشذرات " (4/193) :
( لا تقولوا في ألقابي : سيد الوزراءِ ، فإن الله سبحانه سمى هارونَ : وزيراً ، وجاء عن النبي – - : أن وزيريه من أهل السماء جبريلُ وميكائيل ، ومن أهل الأرض أبو بكر وعمر ) .

بل إن تَشَدُّدَهم في ذلك وصل إلى حَدِّ عدمِ إطلاقها إلا بقدر الاستحقاق ، ويتعقبونَ من تجاوز في ذلك . و انظر في " القديم والحديث " (ص 297) لمحمد كرد علي فهو مهم .
وهذا بابٌ من النقول موسَّع يقع الناظرُ عليه من خلال تراجُم الرجال وسِيَرِهم لاسيما الصحابة – – ، ثم التابعون لهم بإحسان ، ثم للورثة عنهم بحسب سهامهم من ميراث النبوة ، ومنه يتحصلُ أن تَلْقِيْبَ المرءِ نَفْسَهُ بألقابِ العلم والتزكيةِ هو خلاف الأدبِ النافع ، والسَّمتِ الصالح » .