الإخوة في الملتقى وقنا الله وإياهم من كل سوء ومكروه
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
وبعد
فهذه فائدة من كتاب : المقدمات الأساسية في علوم القرآن لفضيلة الشيخ : عبدالله بن يوسف الجديع ص476-479
الأقسام التي تكون عليها تلاوة القرآن من حيث حكمها ثلاثة :
الأول : فرض عين .
ولم نجد في نصوص الكتاب والسنة ما يوجب على كل فرد من المسلمين أن يتلو من القرآن سوى ما تصح به الصلاة ، وهو سورة الفاتحة وحدها على التحقيق ، مما محل بسطه في غير هذا الموضع .
والثاني : فرض كفاية .
وذلك أن الله تعالى أوجب إيجاد طائفة أهل الذكر الذين يبصرون الناس بشرائع ربهم ودينه ، وذلك مستلزم كونهم يتلون كلامه ، قال تعالى : فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (122) سورة التوبة
وأمر الله تعالى نبيه بتلاوة القرآن ؛ لأنه المبلغ عن الله ، كما قال تعالى : وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (91) وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ (92) سورة النمل
وأهل الذكر من أمتنه على أثره مأمورون بالتبليغ من بعده .
يؤيد أنه فرض كفاية أن الناس في عهد رسول الله لم يكونوا جميعا يقرأون ، ولم يوجب النبي عليهم القراءة أكثر مما تصح به الصلاة ، هذا مع ما أمر الله تعالى في كتابه بتدبر القرآن وتلاوته مما دل على أن ذلك الأمر لأجل أن تبقى في الناس علوم هذا الكتاب ، بحيث لا يزال فيهم من يبلغهم شرائعه وأحكامه ، وهذا تُحقِّقُهُ طائفة من الأمة .
فما كان من هذا القسم والذي قبله فتركه هجر محرم للقرآن ، ولوترك الناس في بلد إيجاد من يقرأ القرآن منهم ويتلوه ليبلغهم إياه ، لصدق عليهم جميعا وصف الهجر للقرآن .
والثالث : تلاوة مندوبة .
وهي ما يزيد على الواجب مما يحرص المسلمون عليه في كل زمان ، فيتلوه القارئ ويحفظه أو يحفظ منه ما شاء مما يعود إلى رغبته وإرادته .
فهذا القسم من التلاوة يُثاب فاعله ويؤجر ، ولا يعاقب تاركه ولا يؤاخذ،فلا يعد فِعله من الهجران الذي ذم الله تعالى أهله ، لكن لا نشك أن بفواته فوات خير عظيم .
وربما استشكل بعض الناس ههنا ما ورد في شأن التوقيت لختم القرآن في أربعين يوما ... أوستين في قول البعض ، أو غير ذلك من التحديد فهل إذا ترك إنسان الختم في هذه المدة يُسمى هاجرا للقرآن ؟
الجواب : لا ، لأسباب أهمها :
1- لم يأت في شيء من الأدلة ما يوجب على أحد ختم القرآن ، بل و لا ما يحض عليه ، وإنما غاية مالا تجد إفادة استحبابه إذا كان مقرونا بالتدبر .
وأما يروى عن ابن عباس ، قال : قال رجل يا رسول الله أي العمل أحب إلى الله ؟ قال : ( الحال المرتحل ) قال : وما الحال المرتحل : قال : " الذي يضرب من أول القرآن إلى آخره كلما حل ارتحل " فهذا حديث لا يصح .
2- أن التلاوة إنما أريدت في الأصل ؛ لتدبر القرآن وفهمه والعمل به ، وهذا على التأني أعظم نفعا ؛ لذلك كان الصحابة في عهد النبي لا يتجاوزون عشر آيات من القرآن إلى أن يتعلموا ما فيها من العلم والعمل .
3- ما ورد في التوقيت لم يكن لبيان أقصى ما يختم به القرآن ، بحيث لا يصلح الختم فيما زاد عليه ، وإنما كان توجيها لعبدالله بن عمرو بن العاص للتأني في تلاوة القرآن وأخذ النفس بالرفق في ذلك ، ما دل على أن تلك التوجيهات أحسن ما ينبغي أن يرعى في تلاوة القرآن ... .
4- 4- وبينت فيما تقدم قريبا أنه لا يجب على المعين من المسلمين أن يقرأ كل القرآن ، وإنما يكفيه منه ما تصح به الصلاة ، ويغنيه لمعرفة أحكامه أهل العلم الذين من وظيفته أن يشارك في إيجادهم .
فهذه اعتبارات واضحة في أن من لم يختم القرآن في مدة معينة أربعين يوما أو ستين أو غير ذلك ليس بآثم ، وليس بهاجر للقرآن ما دام عاملا به : مؤتمرا بأمره ، منتهيا عن نهيه ، حافظا لحدوده .
واجعل من سبيلك أن لا تسمي الأشياء إلا بما سماها الله ورسوله به ، ولا تستعملها إلا حيث استعملها الله ورسوله تسلم بذلك من خطأ كبير .