كان الاستاد مصطفى بوهندي مند سنة كتابا أسماه "نحن و القرآن" أثار فيه جملة من الزوابع حول مجموعة من المفاهيم و المصطلحات المتعلقة بالتفسير منها التفسيرالنبوي بدا لي أن أعرضها على الإخوة بالمنتدى حتى يردوا عليها و يفندوا ما ورد فيها من انحرافات،و و حتى يتسنى للإخوة الرد عليها شيئا فشيئا سأجعلها في حلقات:
يقول الكاتب:
التفسير النبوي
يعتبر التفسير النبوي أحد الأصول الأساسية لتفسير القرآن الكريم بعد تفسير القرآن بالقرآن. قال الطبري في مقدمة تفسيره : " فقد تبين ببيان الله جل ذكره أن مما أنزله الله من القرآن على نبيه صلى الله عليه و سلم ما لا يوصل إلى علم تأويله إلا ببيان رسول الله صلى الله عليه و سلم ، و ذلك تأويل جميع ما فيه، من وجوه أمره وواجبه و ندبه و إرشاده و صنوف نهيه و وظائف حقوقه ، و حدود و مبالغ فرائضه، و مقادير اللازم بعض خلقه لبعض ، و ما أشبه ذلك بأحكام آيه، التي لم يدرك علمها إلا ببيان رسول الله صلى الله عليه و سلم لأمته ، و هذا وجه لا يجوز لأحد القول فيه إلا ببيان رسول الله بتأويله، بنص منه عليه، أو بدلالة قد نصبها دالة أمته على تأويله" . فحسب الإمام الطبري هناك نصوص قرآنية لا تفهم إلا بالتفسير النبوي، " و هذا وجه لا يجوز لأحد القول فيه"، و هذا الموقف و إن كانت له مسوغاته النظرية ، فإنه تعترضه مجموعة من الصعوبات على المستوى الإجرائي، ذلك أننا لسنا أمام رسول الله صلى الله عليه و سلم نعرض عليه آيات القرآن الكريم التي نريد تفسيرها فيفسرها لنا، و إنما نحن أمام مجموعة كبيرة من المرويات تتفاوت في درجات الصحة و الضعف، و فيها من الإدراج و الحذف و الرواية بالمعنى ، و نسبية المقام و الوضع و العفوية و عدم القصد و غير ذلك، مما يجعل "المفسر" أمام مهمة صعبة لابد أن يتبين فيها الآية المفسرة من جهة ، و من جهة ثانية الحديث المفسر، و من جهة ثالثة العلاقة بينهما. و من ثم فهي عملية اجتهادية معرضة للصواب و الخطأ بقدر اجتهاد المجتهد ، إذ إنه قد يربط بين آية و حديث لاعلاقة بينهما أو بينهما علاقة تشابه ظاهري أو غير ذلك مما يِؤدي إلى الخطأ.
استدلالات العلماء
لقد استدل علماء التفسير و الأصول على هذا الأصل بمجموعة من الأدلة القرآنية و الحديثية، يمكننا أن نأخذها مما ذكره ابن تيمية في مقدمة أصول التفسير و نناقشها حسب الترتيب الذي أورده، قال رحمه الله :" فإن أعياك ذلك فعليك بالسنة فإنها شارحة للقرآن و موضحة له، بل قد قال الإمام أبو عبد الله محمد ابن إدريس الشافعي: كل ما حكم به رسول الله صلى الله عليه و سلم فهو مما فهمه من القرآن قال تعالى:إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله و لا تكن للخائنين خصيما " و قال تعالى : و انزلنا إليك الذكر لتبين لناس ما نزل إليهم و لعلهم يتفكرون " و قال سبحانه: و ما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه و هدى و رحمة لقوم يومنون" و لهذا قال الرسول صلى الله عليه و سلم : ألا و إني أوتيت القرآن و مثله معه "يعني السنة ، و السنة أيضا تنزل عليه بالوحي كما ينزل القرآن لا أنها تتلى كما يتلى.
و قد استل الإمام الشافعي و غيره من الأئمة على ذلك بأدلة كثيرة ليس هذا موضعها ).
و لقد أورد الإمام ابن كثير عين هذا الكلام في مقدمة تفسيره ، و لا تجد كتابا من كتب أصول التفسير و قواعده إ لا و تجد فيه هذا الكلام أو قريبا منه.
و نظرا لدقة الموضوع و التباس المفاهيم فيه و تداخل مستويات مدارسته ، أجدني مضطرا إلى تناوله من خلال تطبيقات محددة ، نتجاوز بها كثيرا من الخلافات الوهمية.. وقد اخترت تفسير سورة آل عمران من الجامع الصحيح للإمام البخاري ، وذلك لكون السورة تتعرض لمجموعة من عقائد أهل الكتاب –و النصارى منهم على الخصوص -، لكون الإمام البخاري قد أورد الأحاديث التي صحت على شرطه في بيان آيات السورة، و لكون شرطه من أقوى الشروط، هذا في محاولة لتجنب الروايات التي تتهم بالضعف و الوضع و تمتلئ بها كتب التفسير الأخرى.
أورد الإمام البخاري في تفسيره لسورة آل عمران عشرين بابا، ترجم لكل منها بآية، مثل قوله "باب
(منه آيات محكمات ) ،وباب (وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم ) و "باب (وإني الذين
يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا) "،وغيرها من الأبواب ،وهو ما يفيد أن الإمام ـرحمه الله ـ لم يذكر
من مائتين من الآيات في السورة إلا عشرين آية، وهي لا تمثل إلا نسبة العشر من مجموع الآيات.
وقد أورد رحمه الله في كل باب من هذه الأبواب رواية أو أكثر لها علاقة بالآية قريبة أو بعيدة ،بعضها
مرفوع إلى النبي صلى الله عليه و سلم، والبعض الآخر موقوف على الصحابة أو التابعين أو غيرهم، و يهمنا من هذه المرويات تلك المرفوعة إلى النبي صلى الله عليه و سلم ، و هي تمثل أقل من نصف مجموع المرويات ( أقل عشرة).
و هذه ترجمة الأبوب الواردة في الأحاديث المرفوعة:
"آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ"
"وِإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ "
"إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً"
"قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا"
(لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون )
(قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين )
(ليس لك من الأمر شيء)
(ولا يحسبن الذين يبخلون )
(إن في خلق السماوات والأرض )
والملاحظ أن هذه المرويات جميعا عالجت قضايا جزئية وجانبية ليست هي موضوع السورة ولا مقصودها ،فلم تعالج قضية أهل الكتاب وخصوصا النصارى منهم ، ولم تناقش عقائدهم وأساليبهم في المراوغة والخداع والكفر بآيات الله وأنبيائه ،وغير ذلك مما هو موضوع السورة .
إن الآيات التي تعرضت لها المرويات لم تكن غامضة ومحتاجة إلى تفسير، بل لايوجد بين الآيات المفسرة والمرويات المفسرة إلا تشابه ما ، سواء في بعض الألفاظ ، أو ذكر في الراوية بعض ما جاء في الآية ، أو قيل إنه كان سببا لنزولها ،أوإنه تطبيق لها في زمن النزول من طرف النبي صلى الله عليه و سلم أو غيره .. فمثلا في قوله تعالى: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ) آل عمران /، 190
أورد البخاري رواية عن بن عباس انه قال:" فلما كان ثلث الليل الآخر قعد النبي فنظر فنظر إلى السماء و قال: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ {190}( الآية ) فال: ثم قام و توضأ و استن فصلى ".( ص البخاري /4569).فالحديث يصف تعامل النبي مع القرآن الكريم لا تفسيره بالمعنى الاصطلاحي و الذي يكشف عن المعاني الغامضة و الخفية في النص و التي لا تعرف إلا عن طريق التفسير، بل إن هذا التعامل هو واحد من آلاف التعاملات الممكنة ، فالنبي صلى الله عليه و سلم يحاول أن يعيش بالقرآن كما أمره ربه في مختلف الأوضاع ، و يحول أن ينزل هذه الآيات في واقعه كما يراه مناسبا ، و لذلك فيمكن استعمال الآية الواحدة في مناسبات لاحصر لها ، من طرف مختلف الناس ، و لايعني ذلك أبدا أن هذا الاستعمال أو غيره هو تفسير الآية.
و مثل ذلك نجده في رواية أبي هريرة حيث يقول رسول الله صلى الله عليه و سلم:" من آتاه مالا فلم يؤد زكاته مثل له ماله شجاعا أقرع، ثم تلا هذه الآية : {وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِه} ، فهو استشهاد على قول النبي بالآية و ليس تفسيرا لها، إذ ليس فيها الشجاع الأقرع ولا غيره.
و مثل دلك نجده في تفسير قوله تعالى :ِ{ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ...} بحديث أبي سفيان الطويل و رسالة الرسول إلى هرقل و التي ضمنها الآية ، و لم يعن ذلك أن الآية كانت غامضة حتى بينتها الرواية ، بل إن الآية قد وردت ضمن كلام مختلف عنها إن لم نقل مخالف لها ، و منه " أما بعد فإني أدعوك بدعاية الإسلام ، أسلم تسلم ، و أسلم يؤتك الله أجرك مرتين ، فإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين و يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا و بينكم فلما فرغ من قراءة الكتاب ارتفعت الأصوات عنده .." وهكذا باقي الأحاديث.

الفرق بين التفسير النبوي و التفسير بالحديث النبوي :
إن هناك فرقا بين التفسير النبوي و التفسير بالحديث النبوي، و هذه المرويات تجمع بين الأمرين، فرواية أبي هريرة التي قال فيها "إن النبي قال: ما من مولود يولد إلا و الشيطان يمسه حين يولد، فيستهل صارخا من مس الشيطان إلا مريم و ابنها " جاء فيها "ثم يقول أبو هريرة :و اقرءوا إن شئتم :( و إني أعيذها بك و ذريتها من الشيطان الرجيم ) فالذي ربط بين الآية و الحديث هو أبو هريرة، و لم يكن ربطه إلا استشهادا بالآية على الحديث . لكن الإمام البخاري جمع بين الرواية بما فيها قول أبي هريرة و بين الآية، فأصبح حديث أبي هريرة كله تفسيرا للآية. و الحقيقة أن النبي صلى الله عليه و سلم لم يكن في هذه الرواية هو المفسر ، و حتى أبو هريرة لم يكن يقصد تفسير الآية بالحديث ، فهو إذن ليس تفسيرا نبويا ، و لا تفسير صحابي ، و إنما هو تفسير للإمام البخاري برواية أبي هريرة التي ورد فيها ربط الحديث النبوي و الآية.
و في باب { إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً أُوْلَـئِكَ لاَ خَلاَقَ لَهُمْ}، أورد الإمام البخاري ثلاث روايات هي عبارة عن أسباب نزول أو تطبيقات للآية:
الرواية الأولى: عن ابن مسعود و فيها أن النبي صلى الله عليه و سلم قال: من حلف يمين صبر ليقتطع بها مال امرئ مسلم و هو فيها فاجر لقي الله و هو عليه غضبان، فأنزل الله تصديق ذلك (الآية).( ص البخاري /رقم 4549).
و في الرواية الثانية: عن عبد الله بن أبي أوفى :أن رجلا أقام سلعة في السوق فحلف لقد أعطي بها ما لم يعطه ، ليوقع بها رجلا من المسلمين ،فنزلت الآية.(البخاري/رقم: 4551)
و في الرواية الثالثة: عن ابن أبي مليكة أن امرأتين كانتا تخرزان في بيت أو في الحجرة فخرجت إحداهما و قد أنفذ بإشفى في كفها ، فادعت على الأخرى ،ـ فرفع إلى بن عباس ، فقال بن عباس :قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: لو يعطى الناس بدعواهم لذهب دماء قوم و أموالهم . ذكروها بالله و اقرءوا عليها { إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللّهِ } فذكروها، فاعترفت.
فالرواية الأولى و الثانية يمكن اعتبارهما من أسباب نزول الآية و الرواية الثالثة فيها تذكير للمرأة بالآية، و ليس في الروايات جميعا تفسير بمعنى كشف لغموض وارد في الآية ، لولاه لبقيت غير مبينة .بل إن الآية واضحة و الروايات لم تقصد إلى تفسيرها. و النبي صلى الله عليه و سلم لم يقصد هو الآخر ذلك. بل إن الصحابة سواء ابن مسعود أو بن أبي أوفى أو بن عباس هم الذين ربطوا بين كلام الرسول صلى الله عليه و سلم و الآية ،ومن ثم فهو ليس تفسيرا نبويا ، و قد يجوز أن يقال رُبِِط بين الآية و الحديث لعلاقة بينهما من طرف الصحابة ، فإذا سميناه تفسيرا فهو تفسير بالحديث النبوي و ليس تفسيرا نبويا . و هكذا باقي الرويات.
إن ما عالجته هذه المرويات هي أمور خاصة بالرواية و ليست خاصة بالآية ، فمثلا في رواية عائشة ، في قوله تعالى : ( منه آيات محكمات )، ورد قوله " فإذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم " فهي تعالج قضية أناس في المجتمع ، تحذر منهم باعتبارهم المقصودين بالآية "أولائك الذين سمى الله".
كما الروايات الثلاث التي وردت في تفسير قوله تعالى باب { إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً }، عالجت ثلاث قضايا مختلفة، ـ الأولى: في قصة بئر،و الثانية: في قصة سلعة، و الثالثة: في قصة جرح.. و يمكن أن تأتي آلاف من القضايا هي عبارة عن قصص لها علاقة بالآية ، سواء كانت علاقة سببية، أو علاقة تطبيقات للآية، و الواضح أنها اجتهادات في ربط الواقع بالنص ، باعتبار النص ينطبق على هذا الواقع ، و يفسره ، و يطبق فيه ،و في كل الحالات فهي عمليات اجتهادية قابلة للخطأ و الصواب ، و إذا لم ينتبه الباحث إلى هذه المسألة يقع في خلط كبير.
و من الملاحظات المهمة في هذا الشأن الأخطاء التي وقع فيها المفسرون في الربط بين الآيات و الأحاديث مع إخراجها من سياقاتها القرآنية،و هذه بعض الأمثلة على ذلك (ستأتي في الحلقة الثانية إن شاء الله تعالى).اهـ