كان عمرو بن العاص يقول : عجبا لمن نزل به الموت وعقله معه كيف لايصفه !! فلما نزل به الموت ذكره ابنه بقوله وقال : صفه . قال : بابني ! الموت أجل من أن يوصف ، ولكن سأصف لك ؛ أجدني كأن جبال رضوى على عنقي ، وكأن في جوفي الشوك ، وأجدني كأن نفسي يخرج من إبره !! وفي هذه اللحظات والغمرات والسكرات ثبت عن عمرو ابن العاص بسند قوي أنه كان يقول : ( اللهم إنك أمرتنا فضيعنا ، ونهيتنا فركبنا ، فلا بريء فاعتذر ، ولا عزيز فانتصر ، ولكن لا إله إلا أنت !!) ومازال يقولها حتى مات !
ولاشك أن الثبات في هذه اللحظات دليل خير وصدق وحسن خاتمة ، وإلا فكثير من المحتضرين تخونهم أنفسهم في هذا الوقت العصيب ، وقد ذكر ابن القيم أن من عقوبات المعاصي القدرية أن النفس تخون صاحبها في هذا الوقت العصيب فيختم له بما كان عليه من معصية ؛ وربما تعذر عليه النطق بالشهادة ! حتى إنه قيل لبعض المحتضرين قل : لاإله إلا الله ! فقال : آه آه لا أستطيع أن أقولها ! وقيل لآخر قل لا إله إلا الله فجعل يهذي بالغناء ، وقيل لثالث قل لا إله إلا الله فقال : كلما أردت أن أقولها فلساني يمسك عنها ! وقيل لبعض الشحاذين قل لا إله إلا الله فجعل يقول : فلس لله ، فلس لله ، حتى قضى نحبه ! وقيل لبعض المرابين ٌقل لا إله إلا الله فقال خمسة بعشرة ، وسبحان الله كم شاهد الناس من هذا عبرا والذي يخفى عليهم من أحوال المحتضرين أعظم وأعظم !! وصدق الله القائل ( يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء ) . الداء والدواء ص ( 62) . بتصرف