تابع موضوعى
((( الحمد لله رب العلمين فى القرآن الكريم)))
تكملة المقال السابق ( اين وردت الحمد لله رب العالمين فى القرآن )
وهو جزء من حلقات ( تأملات وتدبر فى أم الكتاب )
ملخصة من مجموعة من المصادر والمراجع وحلقات تلفزيونية " سأذكرها باذن الله فى خاتمة الحلقات
نكمل بسم الله الرحمن الرحيم

رب العالمين:
الرب هو المالك والسيد والمربي والمنعم والقيم
فاذن رب العالمين هو ربهم ومالكهم وسيدهم ومربيهم والمنعم عليهم وقيُمهم لذا فهو اولى بالحمد من غيره وذكر (رب العالمين) هي انسب ما يمكن وضعه بعد (الحمد لله)
رب العالمين يقتضي كل صفات الله تعالى ويشمل كل اسماء الله الحسنى.

العالمين جمع عالم والعالم هو كل موجود سوى الله تعالى والعالم يجمع على العوالم وعلى العالمين لكن اختيار العالمين على العوالم امر بلاغي يعني ذلك ان العالمين خاص للمكلفين واولي العقل (لا تشمل غير العقلاء) بدليل قوله تعالى (تبارك الذي نزل على عبده الفرقان ليكون للعالمين نذيرا) (الفرقان آية 1) ومن المؤكد انه ليس نذيرا للبهائم والجماد. وبهذا استدلوا على ان المقصود بالعالمين اولي العقل واولي العلم او المكلفون.
والعالمين جمع العالم بكل اصنافه لكن يغلُب العقلاء على غيرهم فيقال لهم العالمين لا يقال لعالم الحشرات او الجماد او البهائم العالمين وعليه فلا تستعمل كلمة العالمين الا اذا اجتمع العقلاء مع غيرهم وغلبوا عليهم.
أما العوالم قد يطلق على اصناف من الموجودات ليس منهم البشر او العقلاء او المكلفون (تقال للحيوانات والحشرات والجمادات)
اختيار كلمة العالمين له سببه في سورة الفاتحة فالعالمين تشمل جيلا واحدا وقد تشمل كل المكلفين او قسما من جيل (قالوا اولم ننهك عن العالمين) (الحجر آية 70) في قصة سيدنا لوط جاءت هنا بمعنى قسم من الرجال.
واختيار العالمين ايضا لان السورة كلها في المكلفين وفيها طلب الهداية واظهار العبودية لله وتقسيم الخلق كله خاص باولي العقل والعلم لذا كان من المناسب اختيار العالمين على غيرها من المفردات او الكلمات. وقد ورد في آخر الفاتحة ذكر المغضوب عليهم وهم اليهود، والعالمين رد على اليهود الذين ادعوا ان الله تعالى هو رب اليهود فقط فجاءت رب العالمين لتشمل كل العالمين لا بعضهم.
اما اختيار كلمة رب فلانها تناسب ما بعدها (اهدنا الصراط المستقيم) لان من معاني الرب المربي وهي اشهر معانيه

واولى مهام الرب الهداية لذا اقترنت الهداية كثيرا بلفظ الرب كما اقترنت العبادة بلفظ الله تعالى (قال فمن ربكما يا موسى قال ربنا الذي اعطى كل شيئ خلقه ثم هدى) (طه آية 49-50)
(فاجتباه ربه فتاب عليه وهدى) (طه آية 122)

(سبح اسم ربك الاعلى الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى) (الأعلى آية 1-3)

(قل انني هداني ربي الى صراط مستقيم) (الانعام آية 161)

(وقل عسى ان يهدين ربي لاقرب من هذا رشدا) (الكهف آية 24)
(قال كلا ان معي ربي سيهدين) (الشعراء آية 62)

(وقال اني ذاهب الى ربي سيهدين) (الصافات آية 99)
(ولما توجه تلقاء مدين قال عسى ربي ان يهديني سواء السبيل) (القصص آية 22)

لذا ناسب لفظ رب مع اهدنا الصراط المستقيم وفيها طلب الهداية.
ونقف عند قوله تعالى (الحمد لله رب العالمين) والذي إخترناه كما إختاره طابعو المصحف الشريف هو ما ذهب إليه علي إبن أبي طالب كرم الله وجهه بما رواه عبد الرحمن السلمي في أن قوله الله إن بسم الله الرحمن الرحيم هي الآية الأولى من سورة الفاتحة. ولهذا إختيارنا لانعارض من إختار إختياراً آخراً كما قلنا. فالحمد لله رب العالمين هي الآية الثانية من سورة الفاتحة وفقاً لمصحف المدينة النبوية ووفقاً لإختيار الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه ومن معه من صحابة رسول الله صل1 و أجمعين.


وقفنا عند قول الله سبحانه و تعالى (الحمد لله رب العالمين) . كلمة الحمد من أسرار تجعلها مميزة على الكلمات الأخرى التي هي من حقلها الدلالي (المدح، الشكر، الثناء) وكيف أنها هنا أفضل. وبيّنا أن الألف واللام لاستغراق الجنس في كلمة الحمد. و (لله) هي للملك وقلنا هذا نوع من التخصص أو التخصيص كما قالت العرب: السرج للفرس والطاقية للرأس. الحمد لله يعني هو خاص بالله تعالى ولكن الله في الدنيا أذِن للناس أن يحمد بعضهم بعضاً في هذا الأمر. وكلمة رب العالمين جاءت متعلقة هنا (الحمد لله رب العالمين)

ولماذا جاءت بهذا الإتصال ولكن قبل أن نصل إلى كلمة (رب العالمين).
كلمة الحمد لله رب العالمين وردت في بداية أربع سور.

لفظة (الحمد) مجرّدة من غير ذكر رب العالمين بُدئ بها في أربع سور

(الحمد لله رب العالمين بُدئ بها في سورة الفاتحة وختمت بها سور أخرى ذكرناها)

لكن الحمد لله وحدها بُدئ بها في أربع سور ثم نجدها تتكرر في داخل عدد من السور في سبع عشرة مرة نحاول أن نقف عندها بصورة موجزة وسريعة:

في بداية الأنعام، الكهف، سبأ وفاطر: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (1) الأنعام) لاحظ كأنما هذه البدايات تحاول أن تبيّن نماذجاً من الحمد. قلنا الحمد لله في الفاتحة هو جنس الحمد وهنا نماذج يُحمَد الله لآلآئه هنا الآلآء كذا ، هنا من رحمته وهنا من فضله وهنا من علمه وهنا من إعطائه العلم للآخرين وهنا من رحمته بهم وهنا من خلقه السموات والأرض. السور الأربع كأن بدياتها متكاملة:
الأولى (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (1) الأنعام) الكلام على الخلق ومعناه التقدير والتصوير فيه بمعنى البدء لكن غالباً فيه معنى التقدير والتصوير لأنهم يقولون هذا الصانع خلق القماش يعني قدّره قبل أن يقصه.

والخلق غير التكوين والإنشاء والتصوير يصور الشيء. الكلام خاص عن خلق السموات والأرض ومن رحمة الله سبحانه تعالى جعل الظلمات والنورمعناه نظّم السموات والأرض بما فيها من ظلمات ونور مبنية على الحركة وعلى وجود الإشعاع من داخل بعضها وبعضها خال من الإشعاع.
ثم (الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (1) فاطر) هذه المنشيء لاحظ التخليق والإنشاء. ثم (جاعل الملائكة رسلاً) تكلم على جعل الملائكة ثم (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآَخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (1) سبأ) هذا الذي في السموات والأرض ملك لله ، ثم (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (1) الكهف) الملائكة والرسل وإنزال الكتاب فنماذج من آلآء الله ونعمه التي يُحمد عليها. فالحمد لله في سورة الفاتحة نظام كليٌّ وهذه جزئيات في بدايات أربع سور بينها نوع من التلازم والتشابك.
لماا ننتقل إلى عموم سور القرآن الكريم نجد في كل موضع كلمة (الحمد لله) لها معناها ولها مدلولها لكن يجمعها جميعاً حتى في هذا الموضع أن ليس فيها معنى الحصر وقصر الحمد على الله وليس فيها دعوة إلى أن لا يحمد سواه لكن سنجد في آيات أخرى هناك قصر (له الحمد) وهو ما سنقف عنده بتفصيل لماذا قال هنا (له الحمد)؟ في الأماكن الأخرى قال الحمد لله بحيث يفسح المجال لأن يحمد الإنسان غير الله لأمر يقوم به يمكن أن يحمد على خلقه، على علمه، على كرمه للبشر لكن في هذه الأماكن حصر الحمد بالله (لله الحمد) أو (له الحمد). سنمر مروراً سريعاً على الأماكن التي قيل فيها (الحمد لله) وسنجد أنه ليس فيها مجال لحصر الحمد لله وإنما هي صور ونماذج من تفضّل الله على عباده. أحياناً ينقل لنا كلام عباده يعلّمنا أحياناً يقول (قل، قالوا، قال) تكرار كلمة القول مع الحمد في عشرة مواضع (قل، قالوا، قال) في موضعين مع ضرب الأمثال، وفي موقع دعاء وهناك أربع مواضع في بداية السور.
نأتي الآن في سورة إبراهيم (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ (39)) هذا دعاء إبراهيم يحمد الله به فيذكره الله تعالى لنا حتى نتعلم أن نقول الحمد لله الذي أعطانا هذا الحمد لله على الهبة وهذا جزء من الحمد الكلي. هنا عندنا (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (75) النحل) رب العالمين يعلمنا بالأمثال يضرب لنا مثلاً حتى نتعلم فعندما نقول الحمد لله معناه الحمد لله الذي علّمنا بضرب المثل الذي يعلّمنا، (وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا) نحن نقول الحمد لله الذي علّمنا بل أكثر هؤلاء الذين هم لا يؤمنون لا يعلمون بما علّمنا الله من ضربه للمثل وهنا وقفة قصيرة: عبّر عن عبد مملوك ومن رزقناه منا رزقاً حسناً عبد ومرزوق وقال (لا يستوون) (من) لفظها لفظ مفرد ومعناها معنى جمع فكأن الآية تريد أن تقول هذا العبد المملوك الذي لا يقدر على شيء هل يستوي مع هذا الذين ينفق وهذا الذي ينفق وهذا الذي ينفق وهؤلاء الجمع من المنفقين؟ هل يستوي هذا معهم؟ فاستفادت الآية من كلمة (من) فمرة عبّرت بالمفرد ثم رجعت مرة أخرى لتعبّر بالجمع.
الآية الأخرى أيضاً تعليم بالمثل (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (29) الزمر) تعليم بالمَثَل. ما قال (من) هنا قال رجل ورجل لا بد أن يستعمل التثنية. الحمد لله الذي علّمنا بضرب المثل وأكثرهم لا يعلمون. فحمد الله في هذه الآيات لا يستدعي أن لا يحمد سواه. ممكن أن غير الله إذا علّمنا شيئاً أو أكرمنا بشيء أن نقول نحمد فلان يعني لم يدعنا إلى أن نقصر الحمد عليه لكن هذه نماذج من الحمد الذي هو الحمد لله رب العالمين الذي هو حمد الجنس وهذه كأنها تفريعات.
الآية في سورة الأعراف من هنا بدأنا نسمع القول: (وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (43)) يعلمنا أن هؤلاء الذين وُجهوا إلى الجنة صاروا يقولون الحمد لله فهو نوع من تفضله عليهم وعلينا عندما يعلمنا أن نقول كما قالوا. هذا في سورة الأعراف الآية 43.
عندنا في الإسراء الآية 111 (وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا (111)) هذا تلقين وتعليم أن نحمد الله الذي علمنا التوحيد وعلمنا بعض صفاته ونقول الحمد لله.
مع نوح (فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (28) المؤمنون) أيضاً تعليم بالأمر (قُل) نوع من التعليم.
في الحكاية عن قولهم (وَلَقَدْ آَتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ (15) النمل) إذا وجد الإنسان في نفسه شيئاً قد أكرمه الله تعالى به يقول الحمد لله وهي أيضاً جزئية من كلّية جنس الحمد المخصص لله .
(قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آَللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ (59) النمل) تعليم. أيضاً تعليم أن نقول الحمد لله أنه اصطفى عباداً وجعلهم مؤمنين وألقى عليهم السكينة والإستقرار. (وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آَيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (93) النمل) إحمد الله عندما تظهر هذه الآيات أو عندما يعلمك كيف تحاور وكيف تناقش فتقول الحمد لله.
(وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (25) لقمان) لو سألت الكفار من أنزل الماء من السماء يقولون الله لأنهم كانوا يعرفون الله لكن كانوا يعبدون الأصنام يقولون تقربنا إلى الله زلفى (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (63) العنكبوت) لو استعملوا عقولهم ما عبدوا هذه الأصنام (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (25) لقمان) ما عندهم علم في هذه الأمور، في هذا الشرع، في هذا الدين يعني لم يستعملوا عقولهم ولم يستعملوا علماً عندهم.
(وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (34) فاطر) تعليم وتدريب بقول غيرهم أن هؤلاء الذين دخلوا الجنة قالوا هذا الكلام فتعلموا وهذا من فضل الله .
(وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (74) الزمر) تعليم وتدريب لنا أن نقول كما قالوا في دخولهم الجنة (هذا في المستقبل ولكنه ماض في عين الله ) إذن كل هذ المواضع ليس فيها موضع يريد الله تعالى أن يقصر الحمد عليه جلّت قدرته لكن لما ننتقل إلى مواضع أخرى نجد أن سياق الآيات يريد أن يبين لنا أن الحمد في هذا الجو قاصر على الله لا يستقيم أن تحمد غير الله مع أن الله رخّص لك أن تحمد سواه لنفع يقدمه لك، لفضل فيه يمكن أن يكون هذا.
ننظر في سياق الآيات: (وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآَخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (70) القصص) نلاحظ السياق هنا سياق حصر والكلام على الآخرة وسنجد أنه حينما يكون الشيء منحصراً يعني سياق الآية فيه قصر أشياء على ذات الله لا يصلح لغيره تأتي له الحمد بتقدم الجار والمجرور يقول له الحمد لا يقول الحمد لله الحمد يرفض لغيره لكن في هذه المواضع في مثل هذا السياق لما قال (وهو الله لا إله إلا هو) حصر بالنفي وبـ (إلاّ) الموضع موضع حصر لذلك قال له الحمد ما قال الحمد لله لأنه لا يستقيم مع الحصر.ثم فيه ذكر الآخرة وفي الآخرة لا يُحمد سوى الله تعالى. من تحمده في الآخرة في يوم القيامة؟ ما يوجد مخلوق يُحمد يوم القيامة ولا يحمد إلا الله تعالى. إذا ذُكِرت الآخرة إنحصر الحمد بالله . له الحمد وله الحكم أيضاً حصر (وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآَخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (70) القصص) الجو العام في الآية هو حصر لذا لا يصح هنا أن يقال في غير القرآن: (لا إله إلا هو الحمد له وله الحكم) لا يستقيم. التقديم فيه معنى الحصر له الحمد وليس لغيره لأنه عندما يقدم الضمير أو المفعول لا تستطيع أن تعطف لكن حينما يقدم غير الضمير يعني الجار والمجرور إذا قدّم عند ذلك ما كان مرتبطاً بالله تعالى يصح أن يعطف وما عداه لا يجوز أن يعطف. نلاحظ في قوله تعالى (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا (10) فاطر) حصرها وفي موضع آخر أجاز العطف عليها لارتباطها به سبحانه (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ (8) المنافقون) لرسوله: عطف مع وجود الضمير العائد على الله تعالى يعني أخذ اعزة من عزة الله تعالى ثم قال وللمؤمنين ما ذكر الضمير يعني وللمؤمنين بالله ورسوله فما أراد أن يجمع. لو قال في غير القرآن (للمؤمنين بهما) يضعف الكلام ثم يكون جمع الرسول مع الله تعالى وهذا لا يكون بالضميرين. عندما يقول (له الحكم، إليه ترجعون، لا إله إلا هو) لا يستقيم إلا (له الحمد).
الآية بعدها في سورة الروم (فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (17) وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ (18)) كلمة سبحان الله سُئل عنها الإمام علي كرم الله وجهه فقال: كلمة رضيها الله لنفسه فنحن نقولها. لا يمكن أن نقول سبحان فلان. التسبيح والتنزيه والتقديس لا يكون إلا لله فهذه كلمة حاصرة حصرت (سبحان الله) التسبيح منحصر ثم الزمن منحصر والمكان منحصر. ذكر الزمان والمكان بحصر (حين تمسون) المساء والصباح والعشي والظهر وجعلت (وله الحمد في السموات والأرض) للمكان فكأنه صار هناك نوع من الإختلاط والإتصال بين التسبيح والحمد في هذه الأوقات والتسبيح والحمد لله في السموات والأرض ففيها إطلاق وفيها حصر وفيها حصر للزمان وحصر للمكان فإذن لا يناسبه إلا حصر الحمد بالله . هذا في هذه السورة.
الرحمن الرحيم:
الرحمن على وزن فعلان والرحيم على وزن فعيل ومن المقرر في علم التصريف في اللغة العربية ان الصفة فعلان تمثل الحدوث والتجدد والامتلاء والاتصاف بالوصف الى حده الاقصى فيقال غضبان بمعنى امتلأ غضبا (فرجع موسى الى قومه غضبان اسفا) لكن الغضب زال (فلما سكت عن موسى الغضب) ومثل ذلك عطشان، ريان، جوعان يكون عطشان فيشرب فيذهب العطش
اما صيغة فعيل فهي تدل على الثبوت سواء كان خلقة ويسمى تحول في الصفات مثل طويل، جميل، قبيح فلا يقال خطيب لمن ألقى خطبة واحدة وانما تقال لمن يمارس الخطابة وكذلك الفقيه.
هذا الاحساس اللغوي بصفات فعلان وفعيل لا يزال في لغتنا الدارجة الى الآن فنقول بدا عليه الطول (طولان) فيرد هو طويل (صفة ثابتة) فلان ضعفان (حدث فيه شيئ جديد لم يكن) فيرد هو ضعيف (هذه صفته الثابتة فهو اصلا ضعيف)
ولذا جاء بصفتين تدلان على التجدد والثبوت معا فلو قال الرحمن فقط لتوهم السامع ان هذه الصفة طارئة قد تزول كما يزول الجوع من الجوعان والغضب من الغضبان وغيره. ولو قال رحيم وحدها لفهم منها ان صفة رحيم مع انها ثابتة لكنها ليست بالضرورة على الدوام ظاهرة انما قد تنفك مثلا عندما يقال فلان كريم فهذا لا يعني انه لا ينفك عن الكرم لحظة واحدة انما الصفة الغالبة عليه هي الكرم.
وجاء سبحانه بالصفتين مجتمعتين ليدل على ان صفاته الثابتة والمتجددة هي الرحمة ويدل على ان رحمته لا تنقطع وهذا ياتي من باب الاحتياط للمعنى وجاء بالصفتين الثابتة والمتجددة لا ينفك عن احداهما انما هذه الصفات مستمرة ثابتة لا تنفك البتة غير منقطعة.
فلماذا اذن قدم سبحانه الرحمن على الرحيم؟
قدم صيغة الرحمن والتي هي الصفة المتجددة وفيها الامتلاء بالرحمة لأبعد حدودها لأن الانسان في طبيعته عجول وكثيرا ما يؤثر الانسان الشيئ الآتي السريع وان قل على الشيئ الذي سيأتي لاحقا وان كثر (بل تحبون العاجلة) لذا جاء سبحانه بالصفة المتجددة ورحمته قريبة ومتجددة وحادثة اليه ولا تنفك لان رحمته ثابتة. ووقوع كلمة الرحيم بعد كلمة الرب يدلنا على أن الرحمة هي من صفات الله تعالى العليا وفيها اشارة الى ان المربي يجب ان يتحلى بالرحمة وتكون من ابرز صفاته وليست القسوة والرب بكل معانيه ينبغي ان يتصف بالرحمة سواء كان مربيا او سيدا او قيما وقد وصف الله تعالى رسوله بالرحمة.


وللمقال بقية ان شاء الله