بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله على سيدنا محمد وسلم تسليما

كنت كثيرا ما أسأل مالذي قدمه القرآن للناس أكثر من كونه هداهم لمعرفة الله.. وأهداهم طريق الحق ؟
ماذا قدم القرآن لهذه الحركة العلمية التي يسميها الناس ثورة ؟
أول ما لفت انتباهي وأنا أقرأ عن تاريخ العلوم، وتاريخ هذه الثورة، أن بناء القواعد العامة للظواهر لم تكن معروفة عند الناس على مر العصور قبل مجيء الإسلام..
فالناس طوال تلك الفترة من تاريخنا كانوا إذا راموا معرفة شيء، تعرفوا عليه هو كمثال، ولم تسفعهم عقولهم لمعرفة مشابهاته، وبناء القواعد التي تحكم كل تلك المتشابهات..
ومع مجيء الإسلام فكر المسلمون في هذا حد أنهم جعلوا للغة قواعد.
شيء آخر لفت انتباهي، هو الوقت الذي هو نصف الحياة إن لم يكن كلها.. لا أحد فكر في ذلك الوقت وتحديده بالصورة التي نراها اليوم حتى جاء الإسلام بالآية الكريمة : إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا.. حينها فكر المسلمون في ضبط ذلك الوقت وفكروا في صنع الساعة.. كان هذا من أوائل تفاسيرهم للآية أكثر مما نص عليه المفسرون في كتبهم.. ونحن الآن نغفل عن ذلك التفسير ونقر فقط ما بلغنا من الكتب.
الأمر الثالث هو ما يتعلق بقوله تعالى : فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره.. لا أظن أن أحدا فكر في طريقة يحدد بها مكانه من نقطة محددة في الأرض أو في السماء حتى جاءت هذه الآية.. وهذه الآية تلزمنا بتحديد وجهتنا ونحن نصلي وكان أول من فكر في ذلك علماء الإسلام.. أما أمر تحديد تلك الوجهة في مكان ما من الأرض فهو تفسير رياضي بحت ومع ذلك فكل ذلك يعود بنا إلى هذه الآية. ربما لو سألت رجلا حتى من علمائنا كيف نحدد موقعنا ووجهتنا على الأرض فسيقول لك : استعمل جهاز الجي بي أس GPS لكنه لا يدري كيف يعمل ذلك الجهاز.. أما إذا سألت البيروني مثلا في القرن الخامس للهجرة فسيقول لك : ما عليك إلا أن تحدد الزاوية التي تدور إلى اليمين إذا وجهت نظرك للقطب الشمالي.. وتحديد تلك الزاوية سهل باعتماد طريقة البيروني.. لكنها اليوم معقدة عند أغلبنا بل لا يعرفها أغلبنا.. ولا يعرفون البيروني حتى.
أمر رابع ساءلت نفسي عنه أكثر من مرة.. ماذا لو لم تكن في القرآن آيات الميراث.. ماذا لو لم يتكلم القرآن عن الوصايا.. علم كامل هو الجبر كانت بدايته تفسيرا لتلك الآيات وامتد الآن حتى فصلناه عن القرآن.. فصل لمجرد أننا لا نعرف علاقته بالقرآن.. أصبحنا نتحدث في الجبر عن نظرية العدد ونظرية الكلام وننظر في الأشكال وفي الأشياء المرتبة.. أما في القرآن فيستهجن أن ينظر في ترتيب كلامه وفي كلامه وفي عد حرفه..
انظروا كيف فسر أولئك القرآن
وكيف نفسره نحن اليوم.. كيف نظر فيه أولئك وكيف ننظر نحن فيه اليوم ؟
يغفر الله لي ولكم
عمارة سعد شندول