قال تعالى : ((( إن الله لايغفر أن يشرك به ويغفر مادون ذلك لمن يشاء ))) ؛ فمن لقي الله تعالى على الشرك الأكبر فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار . وقد ذكر أهل العلم أن الشرك إذا أطلق كان المراد به الشرك الأكبر في الربوبية أو الألوهية أو الأسماء والصفات . وللعلماء ضوابط مشهورة في أفراد هذا الشرك ؛ كضبط شرك الدعوة بدعاء غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله ، وضبط شرك المحبة بتعلق المحبة الخاصة بغير الله تعالى وهكذا ؛ فكل من لقي الله على هذا الشرك فليس من أهل المغفرة بمقتضى هذا النص المحكم ! وهذا الحكم لايختص بالشرك الأكبر بل يعم الكفر الأكبر ؛ ككفر التكذيب أو الشك أو الإعراض ، ويعم كذلك النفاق الأكبر بمختلف صوره ؛ كبغض الإسلام وأهله ، والاستهزاء بشيئ من دين الله تعالى أو ثوابه أو عقابه . وإنما خص الشرك بالذكر ، لغلبته في الوجود ، أو يقال : إن الشرك من الألفاظ التي تتنوع دلالتها باعتبار الافراد والاقتران ، فإذا أفرد الشرك دخل في مفهومه الكفر الأكبر والنفاق الأكبر ، وإذا قرن بشيئ منها كان لكل واحد منها معنى يخصه . وهذه طريقة شيخ الإسلام ابن تيمية في الإيمان الكبير . فينبغي للمسلم الحذر من هذا الخطر ؛ فإن من أمن منه فربما وقع فيه وهو لايشعر ؛ قال تعالى : ((( واجنبني وبني أن نعبد الأصنام ))) ؛ فإذا كان إمام الموحدين يخشاه على نفسه فما الظن بغيره ! قال إبراهيم التيمي : ( ومن يأمن البلاء بعد إبراهيم ) ! وأول طريق لتوقي هذا الخطر الاهتمام الجاد بمعرفة أنواع الشرك والكفر والنفاق ؛ فكثير من الناس لايولي هذا الجانب على خطورته كبير اهتمام !
وإذا كان أول الآية محكما لاشك في ذلك ، فإن قوله ((( ويغفر مادون ذلك لمن يشاء ))) قد اشتبه على كثير من الناس ؛ فحمله الخوارج والمعتزلة على صاحب الصغيرة ، أو من تاب من الكبيرة ! ولاشك في بطلان هذا المسلك ؛ لأن الصغائر تكفر باجتناب الكبائر ، قال تعالى :((( إن تجتنبوا كبائر ماتنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم ))) . أما التائب فلا فرق في حقه بين الشرك وغيره ، قال تعالى : ((( قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لاتقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا ))) ؛ فعمم وأطلق حين أراد التائبين ، وهنا خص وعلق ؛ خص الشرك بعدم المغفرة ، وعلق مادونه على المشيئة ، فعلم أن الآية في حق من لقي الله على كبيرة أوما في حكمها ، وهي الصغائر مع الإصرار عند كثير من أهل العلم . وقد رفض الشوكاني تنزيل الصغيرة حال الاصرار منزلة الكبيرة ؛ لضعف دليل الجمهور على ذلك .
وذهبت المرجئة إلى أنه في حق من لقي الله على كبيرة إلا أنهم جوزوا أن يغفر الله لهم كلهم ، أو يعذبهم كلهم ! وهذا ليس بصحيح ؛ لأن الآية صريحة في وقوع المغفرة لبعض دون بعض ! وهذا مقتضى أحاديث الشفاعة المتواترة ؛ فإنها صريحة في تعذيب بعض عصاة الموحدين . أما غلاتهم فإنهم يقطعون بالمغفرة للجميع؛ أي أنهم يسقطون وعيد الكبائر جملة !!
أما أهل السنة والجماعة فإنهم وإن حملوا الآية على من لقي الله على كبيرة فإنهم مع ذلك يقطعون بالمغفرة لبعض وإنفاذ الوعيد في بعض إلا أنهم تنازعوا فيمن ينفذ فيه العقاب هل هو معلوم بمقتضى النصوص أو أن النصوص لم تحدد الصنف الذي يعاقب منهم ؟ اختار الجمهور الثاني ، وردوا أمر أصحاب الكبائر لمحض المشيئة المبنية على الحكمة ، فالله وحدة يعلم أهل فضله وأهل عدله . وذهب ابن حزم وابن القيم ومال إلى ذلك ابن تيمية إلى أن هذه الآية مفسرة ومقيدة بنصوص الموازنة ؛ فمن رجحت كبائره بحسناته فهو الصنف الذي لابد أن يعاقب , وإن كان مآله بعد ذلك إلى الجنة . وقد عقد ابن القيم في طريق الهجرتين مبحثا خاصا في طبقات المكلفين في الآخرة ؛ ثم ذكرهم طبقة طبقة ، وأفرد هؤلاء بطبقة أهل المحنة والبلية ، أي الفئة التي لابد أن تعذب من أصحاب الكبائر !
والظاهر والله أعلم أن آيات الموازنة لايصح أن تكون قيدا في هذه الآية ؛ لأنها تجري على طريقة القرآن الغالبة في ذكر السعداء الخلص والأشقياء الخلص دون المخلطين أصحاب الشائبتين ؛ قال تعالى ((( ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم في جهنم خالدون ))) ؛ وهذا الحكم لاينطبق على صاحب الكبيرة بإجماع أهل السنة ؛ فإنهم مجمعون على أنه لايخلد في النار أحد من أهل التوحيد . ولهذه الآية نظائر معروفة . ومن أقوى مايشكل على هذا القول إثبات الشفاعة فيمن استحق النار من أهل الكبائر ألا يدخلها إلا أن ابن القيم ذكر في تهذيب معالم السنن أنه لم يظفر على هذا النوع بدليل صحيح أ.هـ أما حديث ((( شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي ))) ؛ فعام ؛ فقد يكون قبل الدخول أو بعده . والذي ينبغي للحريص على دينه الحذر من الكبائر ؛ فصاحبها في خطر وأي خطر ! والعجيب أنك ترى كثيرا من الناس يأتون الكبائر ، ولاينظرون إلا إلى أن أهلها تحت المشيئة ، مع غفلة أو تغافل لما ورد في شأن الكبائر من القوارع والزواجر ! واختم كلامي بأن الكبيرة هي كل ماورد فيه حد أو وعيد خاص ؛ كاللعن ، والغضب ، والحرمان من الجنة ، أو الدخول في النار . والله أعلم ، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .