انهيار شرفات الاستشراق... المفتون التاريخي!
بقلم طارق منينة

لا يعني إبطال الوليد بن المغيرة (وهو قائد وثني وسيد قرشي) لإتهامات قريش السابقة -ومنها "تهمة الجنون" التي أطلقوها كبداية لإعاقة الدعوة- انه كان يحاول أن يبطل "أصل" الفرية و"مادة" الإتهام الموجه للرسول بنكران وطغيان، فهو على كل حال كان معادياً للرسول كبقية قادة قريش الكافرة وصناديدها النافرة، ولولا أن فريته الجديدة تحظى من قومه بالإهتمام والقبول "تهمة السحر" لما أطلقها، بل هم اطلقوها أولا وهو قبلها بعد رفضه لها ما أعطاها دعم من أصحاب السلطان والمال، ما يعني أنه قَبِل بهواه ما كان عقله قد نقضه ونفاه: "...قَالُوا: فَنَقُولُ: سَاحِرٌ؛ قَالَ: مَا هُوَ بِسَاحِرِ، لَقَدْ رَأَيْنَا السُّحَّارَ وَسِحْرَهُمْ...وَمَا أَنْتُمْ بِقَائِلِينَ مِنْ هَذَا شَيْئًا إلَّا عُرِفَ أَنَّهُ بَاطِلٌ، وَإِنَّ أَقْرَبَ الْقَوْلِ فِيهِ لَأَنْ تَقُولُوا سَاحِرٌ". ان سهولة قبول الإتهام الجديد وتمريره في الأوساط القرشية والتلبيس به على الناس في عملية وثنية مُلبسة للخلط بين الساحر والنبي، والكاهن والنبي، والشاعر والنبي، فتح المجال لإتهامات مماثلة تم ترويجها وقبولها فيما بعد على مستوى واسع، اقليميا ودوليا ،تمت صياغتها في سيناريوهات راحت تُرقع أساطيرها بنِتف تلك الإتهامات القرشية. وفيما كانت وعود الإسلام تتحقق ويكتسح الإنقاذ الإسلامي المدن العريقة للحضارات القديمة ويحرر فيها الأمم والشعوب ويسطر حضارة علمية عظيمة بمداد العلماء وبتجارب علمية معملية لفقهاء الكون ممن يسطرون قواعد المنهاج العلمي وهم يصلون ويذكرون الله كثيرا ، كانت تلك الأساطير تحرق نفوس أهلها في دوائرها المتبرصة البعيدة (الكنيسة الغربية)، والقريبة (الكنيسة الشرقية) التي خلطت في أدبياتها بين الكاهن المسيحي المتمرد او الهرطوقي والنبي المرسل، وبين الدجال –الساحر- والمحتال والنبي المختار، كما رأيناه في اساطير وأدبيات بيزنطة (الصورة الأوروبية الوسيطة للإسلام)، حتى عميت عن حقيقة رسالة النبي مع أنها كانت تشاهد آثارها العلمية والعقلية والمدنية والدينية في مدن اوروبية كقرطبة وصقلية ومدن الأندلس عموما وغيرها من المدن الإسلامية. ولإنحطاط إهتماماتها لم تلتفت الا الى الحطّ من شخصية محمد رسول الله ورحمته للعالمين، حتى ان "مونتحمري وات" قال في ذلك "ليس هناك شخصية كبيرة في التاريخ حُط من قدرها في الغرب كمحمد" كذلك نجد حديثا ومع ظهور نتائج حضارة الإسلام وإفادة الغرب منها أيما إفادة- ان سيناريوهات الإتهامات العلمانية العصرية لشخص الرسول محمد مازالت تراوح مكان الإتهامات القديمة وإن شانَتها بمفاتن المذاهب الحديثة. وفيما نراها تحاول فضح اساطير البهتان القديمة نجدها تزرع اساطير جديدة تتذرع بالموضوعية وتتشدق بالعلمية والتاريخية ... وقد حولت "الجنون" القرشي كما عند "غوتاف لوبون" الى ما اطلق هو عليه "الهوس"! وله في العصر الاوروبي الوسيط مصطلحات اخر.. كما تحول المحتوى النفسي لمن كله شر (هكذا وصف رسول الله قديما)الي المحتوى المقتبس من اليهود والنصارى الي تهمة "محتوى اللاشعور الجمعي" (بل اليها كلها مجتمعة!!)التهمة التي أطلقها "مونتجمري وات" (انظر الإسلام والمسيحية في العالم المعاصر لمونتجمري وات،ترجمة عبد الرحمن الشيخ، الهيئة العامة للكتاب، 1998، ص209) وهي التهمة الساقطة المستفادة من علياء فلسفة "يونج" "النفسية" وخياله المفرط والذي نقضه مفكرون اوروبيون كما نقد هو استاذه فرويد. وقد اشار "وات"الي انه استفاد تهمته من "يونج" كما في المرجع السابق ص206-208- كما يقول: "والى عمل هذا اللاشعور الجمعي يعزى كثير من الأساطير الدينية بل وكثير من المعتقدات الجامدة" (ص207)، وتبعه في ذلك "مكسيم رودنسون" -الذي قلده في حججه ومنها زعمه ان القرآن صادر عن منطقة اللاوعي عند محمد!- وكذلك ذهبت "كارين آرمسترونج" التي قالت ايضا : "إنني مدينة -تحديدا- للمجلدين اللذين كتبهما مونتغمري واط محمد في مكة ومحمد في المدينة" ("الإسلام في مرآة الغرب" لكارين ص 18)
ويمكن القول بأن الإفتراءات العلمانية لم تتعدى حدود الإتهامات القرشية إلا أنها جاءت بصيغ السيناريوهات العلمانية الجديدة المحلاة بالمذاهب الإجتماعية والنفسية وإنشغالاتها المادية الضيقة والمنغلقة في آن ؛ وهذه الإتهامات تكاد تنحصر في انها اما اتهامات نفسية "ترتيب نفسي أو خطة داخلية قام بها محمد (زعموا) أو التهمة المونتجمرية باللاشعور الداخلي الجمعي(تراث جمعي في نفس!!)! او التهمة بالشعور بالإحباط والضياع واليتم الذي -زعم نصر ابو زيد- انها صاغت في شخص محمد ألفاظ "القرآن"(انظر مفهوم النص ص 67)، واما نقلية "نقل عن غلام أو بشر" ، واما اسطورية "نقل عن أساطير!" اساطير حضارية او وثنية او مسيحية او يهودية او هندية او يونانية ، حتى ان "شبرنغر" قال انه نقل عن كتاب يسمى "اساطير الأولين" مستخدماً لفظة النضر ابن الحارث في نسج تهمة جديدة للرسول بأن ماجاء به ماهو إلا أساطير الأولين وقد سخّف نولدكه مقولة "شبرنغر" (انظر تاريخ القرآن لنولدكه، ص15-16)، فأبطل بذلك فرية النقل الكتابي (أي عن كتاب)التي افتراها "شبرنغر" وغيره وذلك ليثبت نولدكه شيئا آخر وهو النقل الشفاهي!! يقول "إستنادا إلى ما تقدم لابد لنا من أن ننفي إمكانية إستعمال محمد مصادر مكتوبة، فهو تقبل أهم أجزاء تعليمه من اليهود والمسيحيين على الأرجح"( ص 16) ومما يدخل في هذا السياق إبطال خليل عبد الكريم لفرضية سيد القمني عن سعي الرسول لإقامة مجد قبيلته الهاشمية تحت دعوى النبوة! (التهمة النفسية والخطة الداخلية!،وهنا تنتقل التهمة في هذه الجزئية من نقل"علم"إلي نقل"حلم")، فقال خليل: لا، الامر ليس كذلك بل الفرضية هي: حلم أجداد بإقامة مجد امبراطورية قرشية لقبائل قريش وليس للفرع الهاشمي!-ويعرفنا "علي حرب" العلماني بخليل عبد الكريم فيقول انه "من أبرز أعلام النهضة والحداثة "(هرطقات عن الديمقراطية والعلمانية والحداثة..لعلي حرب ص76). مما يدخل في السياق ايضا نقد "هشام جعيط" -المفكر التونسي الذي أشاد مكسيم ورودنسون بإفتراءاته- لسيناريو "تور اندري" السويدي الذي زعم ان المسيحية السورية المشخصة في فكر الكاهن "إفرائيم" ذهبت الى اسواق العرب ومنها تعلم الرسول ما دعاه اندري "القرآن الأولي" أي معارفه الأولية!، فقال جعيط: لا ليس الأمر كذلك بل ذهب محمد الى المسيحية السورية ليتعلم منها على فترات دراسية مدعوما بلغات يونانية وغيرها فلم ينقض جعيط أصل الإتهام، ولكن صورته والأصل فاسد والصورة ملفقة ليس عليها أي دليل ومع ان جعيط ألف كتابا ليدشن هذه الفرية الملفقة من بعض ماقاله اندري وغيره الا انه قال فيه "التأثير المباشر السوري ايضا يدخل في مجال التخمينات والإفتراضات وليس لنا أي شاهد علي ذلك"( تاريخية الدعوة المحمدية لجعيط،دار الطليعة ،بيروت، ط1،2007،ص 174)، ومع ان هشام جعيط اعترف بفقدان الدليل وضلال التخمين الا انه قال بلا ارتجاف ضمير: "ونحن نلحظ أن عالما مثل تور أندري يحلل عن كثب القرابة بين إفرائيم وبين القرآن الأولي، لكن لا يجسر(!) أن يقر بتأثير واضح مباشر من المسيحية الشرقية على القرآن. بالنسبة للمؤرخ الموضوعي(!)، لا يمكن الإفلات من إقرار هذا التأثير، وهو ليس بالتأثير السطحي ولكن العميق والمستبطن بقوة، وإلا عاد محمد غير ممكن في بلده وفي زمانه، أو وجب على المؤرخ الإذعان والإقرار بألوهية القرآن مبدئيا ونهائيا والتوقف عن كل بحث" (ص164). ألم يقل جعيط (لا دليل..) فكيف يكون الدليل "عميقا" و"بقوة"!!؟وكأنه الوليد بن المغيرة يقتنع بما ليس معه عليه دليل بل ويعترف في نفس الوقت بعدم الدليل لكنه يقسم بالعلمانية علي نقيضه! يذكرني هذا ايضا بالمواقف المتناقضة التي اتخذها حسن حنفي عن النبوة والوحي والحضارة الإسلامية، حتى طرابيشي يقول في كتابه "المثقفون العرب والتراث" ص 105-128: "ان حنفي لا يصنع قضية إلا لينفيها، ولايقول رأيا إلا ليقول عكسه"(ص105) اذن، عاد وحي القرآن فوق الزمان والمكان ولله الحمد والمنة وثبتت نعمة النبوة وصار المفتون الذي دعتنا السورة الى فحصه وتأمله والنظر اليه في مسيرة التاريخ هو النمط الوثني والعلماني والإستشراقي ومن العجيب ان يكون الواحد من هؤلاء حامل لفكرتين متناقضتين في آن، فخليل عبد الكريم صنع كتابه "فترة التكوين" ليثبت ان الرسول كان ساذجا وانه استُغل من تنظيم يبدأ من خديجة وينتهي بعداس، وتحت هذا التأثير وحده انفعل شعوره الداخلي فأعلن النبوة!، اما في كتابه "قريش من القبيلة الى الدولة المركزية" فقد سطر فيه خليل عبد الكريم دعواه ان النبي رتب كل شيء في نفسه بدون معونة خارجية لإقامة إمبراطورية قرشية وفي الحقيقة فانا لم أجد أي وجود في هذا الكتاب لفرية خليل الأخرى المسطورة في كتابه "فترة التكوين"، وكأن الكاتب مختلف والمخترع له قلبين في جوفه!، لقد عرفنا العلمانيون بباطل العلمانيين!، فطرابيشي العلماني يكذب حنفي العلماني وخليل العلماني ينقض القمني العلماني بل يتناقض خليل مع خليل نفسه..ويكذب بعضهم بعضا في الإفتراءات المتصنعة.
قال سبحانه منعما على رسوله بعلوم عن أفراد وجماعات وتخرصات واختلافات في التاريخ المسطور ضد النبوة : "بل كذبوا بالحق لما جاءهم فهم في أمر مريج" (سورة ق: آية 5) كما قال سبحانه لزعماء الإفك والضلال "إنكم لفي قول مختلف يؤفك عنه من أفك قتل الخراصون" (الذاريات:8-10)

والمقال نشر في جريدة السبيل في حلتها القديمة وموقعها العتيق على هذا الرابط