تصحيح وتضعيف المرويات الأدبية

يُروى أن المهدي خرج للصيد ، فغار به فرسه حتى وقع في خباء أعرابي ، فقال : يا أعرابي هل من قِرَى ، فأخرج له قرص شعير ، فأكله ، ثم أخرج له فضلة من لبن فسقاه ، ثم أتاه بنبيذ في ركوة فسقاه ، فلما شرب قال: أتدري من أنا؟ ، قال: لا... ، قال : أنا من خدم أمير المؤمنين الخاصة ، قال : بارك الله لك في موضعك ، ثم سقاه مرة أخرى ، فشرب فقال : يا أعرابي: أتدري من أنا ؟ ، قال: زعمت أنك من خدم أمير المؤمنين الخاصة ، قال: لا أنا من قواد أمير المؤمنين ، قال: رحبت بلادك وطاب مرادك ، ثم سقاه الثالثة ، فلما فرغ قال يا أعرابي: أتدري من أنا ، قال: زعمت أنك من قواد أمير المؤمنين ، قال: لا ولكني أميرالمؤمنين.

فأخذ الأعرابي الركوة ، فوكأها وقال : إليك عني ، فوالله لو شربت الرابعة لادعيت أنك رسول الله ، فضحك المهدي حتى غشي عليه ، ثم أحاطت به الخيل ، ونزلت إليه الملوك والأشراف ، فطار قلب الأعرابي ، فقال له المهدي: لا بأس عليك ، ولا خوف ، ثم أمر له بكسوة ومال جزيل.



ــــــــــــــــــ

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله

شرّف الله هذه الأمة بالإسناد ، حباهم بالاستيثاق ، اصطفاهم بالجرح والتعديل ، خصهم بجهابذة النقاد لخدمة حديث النبي ، فصانوه أيما صيانة ، إذ نقّحوا الصحيح من الضعيف ، ونقوا الجيد من الواهي وفضحوا الكذابين ، وكشفوا تخرصات الدجالين.
والمرويات الأدبية أو الروايات الأدبية - كنص منقول - تخضع للصدق والكذب ، وفيها الصحيح والضعيف ، وكتب الأدب فيها حكمة وعظة وعبرة وبلاغة وفصاحة وحيلة و...
وفيها أيضا كذب وبهتان وبدع وضلالات وخرافات و....

ويزداد الأمر سوءًا إذا رُوي أثر مثل قصة المهدي آنفة الذكر ، فكيف نرمي أمير المؤمنين وخليفة المسلمين بكبيرة هي أم الخبائث ومذهبة العقل (الخمر)؟
والقصة مُهلهلة لمن تدبرها : إذ لا يتم ولا يُتخيل أن ينفرد الخليفة وحده ويغور به فرسه لخيمة أعرابي ، أين الخدم والغلمان والجند والحراس والأمراء والأشراف؟ ، وهل يأكل ملك - ما بين الهند إلى المحيط الأطلنطي - عند أي أحد؟ وهل يحتاج الخليفة لقرص شعير وفضلة لبن وهو يعاف الفالوذج بدهن الفستق في قصره؟ ، وهل تتشوف نفسه لنبيذ الأعرابي الرديء؟ (وحاشا المهدي أن يشرب الخمر) ، وما حاجة أمير المؤمنين لهذه السخافات (من خدم أمير المؤمنين الخاصة بل من قواده بل هو)؟ ، وفجأة - عندما تنتهي المزحة السمجة – يأتي الحراس والأشراف والأمراء و... وكأنما انشقت عنهم الأرض!!!

ألا هل من ناقد جهبذ يخدم الأدب الإسلامي والعربي بالتصحيح والتضعيف للمرويات؟

سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.
أبو مالك سامح عبد الحميد حمودة