وبعد فهذه بعض الفوائد العلمية النادرة التي أملاها على شيخنا العلامة الشيخ الدكتور إبراهيم عبدالرحمن خليفة إبان قرائتي عليه لرسالتي العالمية وتشرفت بإشرافه على الرسالة من عام 1997 إلى نهاية 1999 فجزاه الله عنا خيرا وكنا - الباحثون- نبتدئ معه من حيث انتهينا فنجمع المادة العلمية ونجتهد في تحيقيق المسائل المراد بحثها ونقرأ عليه الرسالة كلمة كلمة وقال لي ذات مرة لو أردت مخالفتي فلك ذلك ولو لم تقنعني سأكون أحد المناقشين وقت المناقشة! وكان يكمل لنا الموضوع فقد قال لي مرة الدكتور دراز كان يقول لا إطناب في القرآن بل كله إيجاز وحسب فناقشه في تلك المسألة وكان يملي ما أحتاج إليه وشيخنا حفظه اللله ممن يفرق بين الواو والفاء علامة في المعقول والمنقول هذه شهادة العلماء له
وهنا مسألة صعبة تحتاج لمن يقرأها أن يتقن موضوع الفصل والوصل فهي تناقش من أجاز عطف الخبر على الانشاء وهو مخالف لكلام محققي البلاغة فاقرأ وتدبر وادع الله لى ولشيخي بالقبول .
قال - أي القاسمي - لطيفة : قال ابن القيم في ( طريق الهجرتين ).في هذه الآية : كلمة ( السلام ) هنا تحتمل أن تكون داخلة في حيز القول فتكون معطوفة على الجملة الخبرية وهى " الحمد لله " ويكون الأمر بالقول متناولاً للجملتين معاً وعلى هذا فيكون الوقف على الجملة الأخيرة ويكون محلها النصب محكية بالقول [1] .ويحتمل أن تكون الجملة مستأنفة مستقلة معطوفة على جملة الطلب وعلى هذا فلا محل لها من الإعراب .
وهذا التقدير أرجح ، وعليه يكون السلام من الله عليهم وهو المطابق لما تقدم من سلامه سبحانه على رسله صلى الله عليهم وسلم .
وعلى التقدير الأول يكون أمر بالسلام عليهم .
ولكن يقال على هذا: كيف يعطف الخبر على الطلب مع تنافر ما بينهما فلا يحسن أن يقول :قم وذهب زيد ولا اخرج وقعد عمرو ويجاب على هذا بأن جملة الطلب قد حكيت بجملة خبرية . ومع هذا لا يمنع العطف فيه بالخبر على الجملة الطلبية لعدم تنافر الكلام فيه وتباينه .وهذا نظير قوله تعالى ( قل انظروا ماذا في السموات والأرض وما تغنى الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون ) .
فقوله ( وما تغنى الآيات ) ليس معطوفاً بالقول وهو ( انظروا ) بل معطوف على الجملة الكبرى .على أن عطف الخبر على الطلب كخبر كقوله تعالى ( قال رب احكم بالحق وربنا الرحمن المستعان على ما تصفون ) وقوله ( قل رب اغفر وارحم وأنت خير الراحمين ) .والمقصود أنه على هذا القول يكون سبحانه قد سلم على المصطفين من عباده والرسل أفضلهم [2] انتهى
هذا وقد اهتم علماء المعاني بحديثهم عن الجامع فقد قالوا ولصاحب علم المعاني في احتياج كثير إلى معرفة الجامع لاسيما الخيالي [3] .
لذا نجد الإمام القاسمي ينقل عن صاحب المفتاح كلاماً نفيساً عن الجامع الخيالي فبعد أن فسر عدة آيات من سورة الغاشية وهى قوله تعالى ( أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت والى السماء كيف رفعت وإلى الجبال كيف نصبت وإلى الأرض كيف سطحت [4]) . قال شيخنا بل الصواب هو ما عليه أهل البلاغة وجماهير أهل اللغة بعامة وما نظر به من الآيات الثلاث لجواز هذا العطف مما أخطأه التوفيق في الاستدلال بمثله أما الآية الأولى وهى قوله( قل انظروا ماذا في السماوات ) فإنه لا يمتنع أن يكون عدم الإغناء معطوفا على الأمر بالنظر داخلاً معه في حيز القول فتكون الجملتان المقولتان مما له محلً من الإعراب فلا يدخل فيما معنا مما أوجب البلغاء فيه المنع كما يجوز أن يكون جملة عدم الإغناء جملة حالية من فاعل ( قل ) أي قل هذا والحال عدم إغناء الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون فيكون لهذه الجملة محلاً من الإعراب كذلك فلا تدخل في حيز المنع .وأما الآية الثانية الأمر فيها اظهر ما يكون وقد علم جوابه مما ذكرناه في سابقتها فإن قول النبي( وربنا الرحمن المستعان) معطوفا على قوله( رب احكم بالحق) وداخلاً معه في حيز القول ذو محل من الإعراب إذن وثمّ أمر آخر اشتدت عنه غفلة الرجل هنا وهو أن العطف في هذه الآية ليس عطف خبر على طلب فإنه ليس عطفا على الأمر الكريم ( احكم بالحكم ) كما هو بين وإنما هو عطف على جملة النداء كلها والنداء وإن كان إنشاء لكنه ليس من أنواع الطلب المعروفة حيث يمكن تأويله بالخبر لفظاً ألا ترى أن محصل قول المنادى: يا محمد أدعو محمداً وأن محصل النداء هنا إذن( ادعو ربى أن يحكم أو ليحكم بالحق) ومثل هذا لا يمتنع عطف الخبر عليه أصلا كما هو مقرر في محله وقل هذا بعينه في ثالثة الآيات ولنعد الآن إلي الآية آلتي هي أصل موضوع الحديث والتي أصبح الجواب على الشبهة فيها بما قلناه في مظاهرها على الثمام فإن لنا أن نجعل جملة السلام معطوفة على جملة الحمد داخلة معها في حيز القول وهو معنى مستقيم جداً بأن يكون مأموراً بتحميده تعالى والتسليم على إخوانه المصطفين ولنا أن نعطف بها على جملة الطلب بكاملها ( قل …… الخ ) مصوبين ذلك بكون جملة السلام هي في الحقيقة طلبية من حيث المعنى أي وليسلم عباده الله الذين اصطفى على ما هو التحقيق في أمثال هذا انتهى شيخنا

[1] وهذا غير صواب فالجملة الطلبية هنا غير محكية بالمرة وإنما المحكى- إن جاز إضفاء هذا الوصف عليه هنا -هو مقول هذا الطلب أعنى مقول القول على أن هذا المحكي أيضاً والذي هو مقول القول الطلب له ( الحمد لله ) مما اختلف الناس في إنشائيته وخبريته وما صوب فيه المحققون أن خبريته لفظية فحسب وأما معناه فإنشاء كما يعلم من مظانه في كتب البلاغة والتفسير انتهى شيخنا

[2] المحاسن 13/4676

[3] المحاسن 17/6140،6141 , وشروح التلخيص 3 /104

-[4] الغاشية: 17-20