ماذا يعني لنا –نحن العرب والمسلمين– قولنا: في السادس من أكتوبر سنة 1973م انتصرت القوات المصرية والسورية على الجيش الإسرائيلي؟ إن ذلك لا يعني لنا شيئا سوى مجرد ذكر الحدث والتأريخ له؛ بينما في المقابل إذا قلنا: في العاشر من رمضان سنة 1393 هـ انتصرت القوات المصرية والسورية على الجيش الإسرائيلي.. فإن ذلك يعني لنا الكثير.. بداية من ذكر الحدث والتأريخ له، ومرورًا بنفحات شهر رمضان المبارك وانتصاراته على مر العصور والأزمان في بدر وفتح مكة وحطين وعين جالوت… وانتهاء بأننا أمة ليست يتيمة أو لقيطة بين الأمم، وإنما لنا تاريخ يضرب في عمر الزمن لأكثر من أربعة عشر قرنًا من الزمان.


إن التأريخ ليس مجرد وسيلة لحساب الأيام والشهور والسنين وتسكين الأحداث فقط؛ وإنما هو رمز هوية الأمم، وذاكرة حضارتها، وصندوق ذكرياتها.. وإن أمة تتخلى عن مُقَوِّم من مقوماتها لهي أمة كالشجرة العجوز التي تسّاقط أوراقها ورقة تلو الأخرى حتى يأتي الحطّاب ليكتب نهايتها.


ومن هنا وجدنا كل أمة من أمم الأرض حريصة على أن يكون لها تقويمها الخاص الذي تعتز به وينتسب إليها وينطبع بطابعها ويتأثر بعقائدها وروح حضارتها؛ لذلك كان أول شيء فعلته تلك الشجرة الملعونة التي غُرست في قلب عالمنا العربي لتوطيد كيانها الغاصب هو أن أحيت لغتها العبرية وتأريخها اليهودي اللذين كانا قد ماتا ودفنا في مقابر الزمن.


وكان علماء الدين وسدنة العقائد من كل أمة –كما يقول الشيخ محمد كاظم حبيب- هم القائمين على التقويم وحساباته وتحديد مواقيت أعياده ومناسباته وبداياته شهوره وأطوالها وبيان طبيعة السنين وأحوالها من حيث البسط والكبس وغيرهما؛ ولذلك وجدنا رهبان الرومان قائمين على تقويمهم، وسدنة نار المجوس مسئولين عن تقويمهم، وكبار حاخامات السنهدرين من اليهود يختصون بتقويمهم، والبابا غريغوري الثالث عشر على رأس لجنة تصحيح تقويم النصارى، وثاني الخلفاء الراشدين عمر بن الخطاب () يعزف عن تقاويم الأمم المجاورة، ويؤسس لأمة الإسلام تقويمها الخاص بها، مستبعدًا العمل بجميع التقاويم الوثنية المعروفة في عصره، متمسكًا بالعمل بالتقويم القمري (الهجري) الذي حافظ على نقائه عبر الدهور وعصور الجاهلية، فلم يتلوث كما هو حال التقاويم الأخرى التي خلعت أسماء آلهتها الوثنية على أسماء شهورها وأيامها.


والسر في نقاء التقويم الهجري القمري -كما يقول العلامة محمد كاظم حبيب- أنه تقويم رباني سماوي كوني قديم قدم البشرية، ليس من ابتداع أحد من الفلكيين، وليس للفلكيين من سلطان على أسماء الشهور العربية القمرية ولا على عددها أو تسلسلها أو أطوالها، ولا على طبيعة سنتها من حيث البسط والكبس، ولا على عدد السنوات الكبيسة أو البسيطة في الدورة القمرية.. فكل ذلك يتم بحركة كونية ربانية، رسم خطاها ربنا جل شأنه بقوله: "هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللهُ ذَلِكَ إِلاَّ بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ"[يونس: 5].. والضمير في قدره يعود على القمر، فهو الذي اختاره ربنا جل شأنه للتأريخ والتقويم، وليس هذا فحسب؛ بل حدد أيضا عدد الشهور بقوله: "إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ..."[التوبة: 36].


ووردت أسماء بعض الشهور والأيام في كتاب الله، مثل: رمضان والجمعة والسبت ووردت في السنة النبوية بقية الأسماء التي تداولتها الأمة على مر القرون.


وظلت الأمة تستخدم التقويم الهجري إلى أن جاءت الموجة الاستعمارية في العصر الحديث وما تبعها من تغريب وفقدان للهوية وسقوط للخلافة الإسلامية على يد مصطفى كمال أتاتورك الذي ما لبث أن أصدر قرارًا بإلغاء التأريخ الهجري واستبدال التاريخ الميلادي به سنة (1344 هـ = 1926م).. وحل التقويم الميلادي الغريغوري محل التقويم الهجري تنفيذًا لمخطط دام قرونًا طويلة.
المصدر :إسلام أون