زيادة على مزاعم المستشرقين المسيحيين واليهود من تأثير ورقة ابن نوفل وغيره على الرسول، وتحت المفهوم العلماني المادي "جدلية الداخل والخارج، الفكر والواقع" أضاف طيب تيزيني سيناريو أبعد في الضلال مما رسمه المستشرقون الغربيون، بل وأبعد مما رسمته الأساطير البيزنطية القديمة والساذجة في آن، مستخدما في التلفيق والتنسيق والتعديل جهازه المفاهيمي المعرفي (اللامعرفي بالأحرى!) للمادية التاريخية كما وصفه بنفسه (انظر مشروع رؤية جديدة للفكر العربي، مقدمات أولية في الإسلام المحمدي الباكر، دار دمشق، ط1، 1994، ص36، 41، 176) مغيباً لحقائق، وزارعاً لأغاليط وأساطير، وناسجاً لمؤامرة "تنظيم مسيحي معارض" استدرج النبي واحتواه وصنعه بزعمه! ومستخدماً لدعم تفسيره المادي والأسطوري أفكار مكسيم رودنسون اليهودي وغيره مثل "هنري ماسيه" و"ديلاسي أوليري" و"تور أندري" (انظر ص 177، 370)، و"رودنسون" كما هو معروف صاحب تفسير مادي للسيرة النبوية والتاريخ الإسلامي. كما استخدم تيزيني أفكار وتحليلات بندلي صليبا الجوزي (انظر 188)، ومعلوم أن بندلي اعتمد على دراسات نولدكه ولامانس وفلهاوزن وجولدتسيهر وغيرهم، كما اعتمد التفسير الاقتصادي المادي للتاريخ، ولذلك أُعجب به تيزيني، ونهل منه، كما أن لـ"بندلي" قولا يصب في أسطورة تيزيني بدرجة ما، وهو أن النبي انتُدب ليكون مُصلحا لبلاده!!، وكذلك اعتمد طيب تيزيني على الرواية الخيالية التي كتبها طه حسين "على هامش السيرة" وبعض مشاهدها التي نسجها طه حسين من محض خياله، ومكر حباله، وسيأتي في الحلقة القادمة اعتماد تيزيني في شأن زعمه بوجود تنظيم دولي سعى إلى تهيئة من يحمل أحلامه وأساطيره الدينية، على خيال طه حسين الذي هو محض افتراء. فأقام تيزيني أمر التنظيم -وهو يعلم- على جُرفٍ هارٍ من رمال طه حسين المتحركة، الذاهبة بالدين والدنيا معا، فالتقى الخيال العلماني القديم على تلفيق وأمر قد حُفر وسُطر ودُبّر. كذلك اعتمد تيزيني على أفكار ومنهج مونتجمري وات (انظر ص195)، وهذا الأخير كان قد قال إنه بمجيء محمد كان هناك "مشروع قرشي" اقتصادي مادي للتغيير(!) ناهَضَهُ "مشروع محمدي" مادي للتغيير أيضا! فقال تيزيني: لا، بل هما مشروع مادي واحد هو مشروع قريش، وقد أتمه محمد وانتهى إليه ونفذه، وهو الإستراتيجية-المزعومة طبعا- القرشية الكبرى! (انظر ص 195). والمدهش أن التنظيم الدولي اختفى من مخيلة تيزيني وهو يلفق المشروع القرشي المزعوم، على الرغم من أن غرض أسطورته هو إثبات مشروع "خارجي غربي مسيحي" معارض للإمبراطورية الرومانية!.. وتنتهي الأسطورة إلى نتيجة وهي أن محمدا رسول الله كان ينفذ أجندة خارجية بحيلة زوجة!. ولقد ورث خليل عبد الكريم من طيب تيزيني عملية الاحتيال والتناقض الآنف الذكر معا، مع زيادة تلبيس وتحوير وادعاء، فصنع للمشروع القرشي أكثر من كتاب يؤكد فيه اتهام تيزيني بدون الإشارة إلى مصدره، وبادعاء الكشف التاريخي! كما صنع لمشروع التنظيم كتابه "فترة التكوين" إلا أنه قَصَر حدود التنظيم على الجزيرة العربية، بخلاف تيزيني الذي كان قد جعل روما مصدر التنظيم مع مستعمراتها، ففي أسطورته التي صنع لها كتابه "مقدمات أولية..." لإعادة تركيب التاريخ الإسلامي كما يحلو لماركسي أن يفعل، ادعى تيزيني أن المشروع الإستراتيجي المُصَنّع لمحمد (رسول الله) هو بيزنطي-مسيحي- غربي، مُخطط له، جاء من "الخارج!" -وليس من"الداخل!" لتحقيق حلم المعارضة المسيحية البيزنطية، وهو حلم -بحسب طيب تيزيني- جاء من روما، وتوغل في مستعمراتها حتى سيطر في نهاية المطاف على مكة. ومن ثم على خديجة التي أُرغمت -بزعم تيزيني- على الزواج من محمد، الذي استُدرج بالأمر البيزنطي الصارم! وهو ما يعني أن الإسلام -والرسول- ما هو إلا نتاج اختراق ومؤامرة "المعارضة المسيحية في الإمبراطورية البيزنطية"!! (وبلفظ طيب تيزيني :"أنه كان مخترقا من الخارج البيزنطي"(انظر ص 242)) وهنا أيضا وفي هذا السيناريو لا نرى أثرا للحلم القرشي المزعوم الذي زعم تيزيني أن محمدا نفذه وتبناه!، فالنصرانية بزعم تيزيني كمنت وراء ظهور الإسلام، وقامت بتحفيز محمد (رسول الله) عن طريق استدراج امرأة له -وهنا أشم رائحة الأساطير البيزنطية المتراكمة المتعفنة تاريخيا!- ليتزوجها ليدخل في دائرة الرصد والتصنيع التنظيمي الخارجي، وكأنه تنظيم ماركسي في عقل تيزيني! لم يشعر تيزيني بتعارض فكرة الحلم أو المشروع القرشي مع الحلم أو المشروع البيزنطي، لكنه شعر بتناقضه في جعل "دعوة محمد " تحقيقا لدعوة خصومه من قريش، فحاول سد الثغرة بقوله بأنها "وإن بدت لفترة ما مناوئة لذلك المشروع فإنها خضعت له في نهاية المطاف بمثابته المشروع الإستراتيجي الكبير"!!!(ص 196)، مع أن الذي خضع في النهاية هو قريش، وقد آمنت بالإسلام الذي هدم تطلعاتها المادية، وتصوراتها العصبية، والتي انتقل أفضل رجالاتها وقادتها من النقيض إلى النقيض، من الكفر إلى الإيمان، بعد أن حاربت الإسلام لعقود أو لسنوات، واضطهدت المؤمنين وطاردتهم، وقد سجل القرآن وقائع الحرب على الإسلام بما لا يدع لأحد مجالا للشك في اختلاف دعوة القرآن عن أهداف قريش والقبائل المحاربة للرسول، لكن يبدو أن عقل تيزيني، وهو يشتغل غلاًّ وحقداً بالتلفيقات، لا يبالي بكمّ التناقضات والغرائب التي تلفها.. لا يعنيه تناقضها الداخلي بقدر عنايته بصب زيت الأهواء الثقيلة في أتون المحرقات المادية الجدلية التي رأيناها أخيرا -فلسفة وواقعا- تحطم نفسها، وتأكل ذاتها بعد سقوط أساطيرها الأصلية الماركسية، وفي التعديلات الفاضحة عليها، بل والمناقضة لفكر رجالاتها الأوائل!
هنا يمكننا فتح قوسين فنقول: هل سرق خليل عبد الكريم أفكار طيب تيزيني وعدّل فيها، سواء أكانت فكرة خضوع خديجة لأوامر خارجية للزواج من محمد، أو تطويعه لتنظيم أو لمشروع!؟
دعوني أقول إن إلهام خليل في أساطيره عن النبي كان تيزينياً، وأما في سخريته من النبي فكان كتاب "ذهنية التحريم" لصادق جلال العظم، وتحريضه.لاشك أن عملية التبني والاستلهام للأكاذيب العلمانية والاستشراقية عن الرسول والقرآن (تحوير -تعديل- دمج- تلوين) تجري اليوم بصورة شديدة المكر، وفي غفلة من أغلب القراء، وهي تجري على قدم وساق في البيئة العلمانية العربية المقلدة حتى النخاع والأذقان والأمخاخ، وبمشروعنا هنا نعمل على تفكيكها وفضحها؛ لأنها كما قال منير شفيق في كتابه في "الحداثة والخطاب الحداثي" (المركز العربي الثقافي، ط1، 1999، ص29) هي الوجه الفكري للاستعمار، فإن ما جرى في المجالات الاقتصادية السياسية والعسكرية "حدث مثله تماما في المجال الحضاري والثقافي والإيديولوجي كذلك"
وقد رأينا هنا كيف عدّل تيزيني فكرة مونتجري وات -صاحب التفسير الاقتصادي المادي للإسلام- عن المشروعين الملفقين، ليصيرا عند تيزيني مشروعا ماديا واحدا (داخل التفسير المادي الجدلي!)، فما أرادته قريش وحلمت به حققه محمد-- بزعمه!، كما رأينا كذلك تعديل هشام جعيط لمسار أسطورة تور أندري (القس السويدي!!).. مع ملاحظة أن (العلماني هنا انطلق من خيال قسيس! فهي دائرة مغلقة من الأهواء) فجعيط انطلق من تور أندري لا من وقائع تاريخية، بدليل اعتراف جعيط نفسه، بل وزيادة على ذلك أقول: إن جعيط لم يقرأ تور أندري أولا، إلا من خلال أطروحة "طيب تيزيني" الخاطئة الكاذبة -والأمر شبيه بقراءة خليل عبد الكريم لتيزيني عن مشروع وتنظيم المؤامرة، فلولا تيزيني ما ظهر خليل هذا الظهور، ولولا تور أندري وإشارة تيزيني ما ظهر مشروع جعيط للسيرة !- ويمكن القول إن هشام جعيط سرق زعم طيب تيزيني القديم (فتوقيت وزمن أطروحة تيزيني كان 1994) عن تأثير المسيحية السورية على "القرآن" الأولي، واحتجاج تيزيني في ذلك بفكرة تور أندري كما أشار (فالتأثير يمر من أندري إلى تيزيني هذه المرة!) (انظر مقدمات أولية ص 370)، فتلقفها جعيط بعد أن أعجبته الفكرة وزعم الاقتباس والتأثير، وصنع منها بحثا ضخما هو كتابه (تاريخية الدعوة المحمدية في مكة، 2007 ) وأراد أن ينفرد به، وكأنه مبدع في الاتهام مع اعترافه بفراغ اليد من الدليل!! ومع أن تيزيني أفرد للفكرة (المقتبسة بدورها من تور أندري!) صفحة واحدة فقط، إلا أن جعيط حوّر في أسطورة أندري، وحوّل مسار التأثير، فنسب للرسول ما لم ينسبه أندري نفسه، وذلك في كتاب ضخم يفتخر به العلمانيون والمسيحيون في مواقع الإنترنت، مع أنها معتمدة كلها على الخيال والأهواء!
إن أصل افتراءات خليل عبد الكريم وهشام جعيط أُخذت "مُصَغّرة" من طيب تيزيني، ثم نُفخ فيها وكُبرت وحُورت، وادعى أصحابها أنهم لم يُسبقوا إليها!.. وهذا يشبه من وجه تعديل العشماوي وسيد القمني بعد اقتباس لأسطورة فرويد عن النبي موسى، وقد شرحتُ ذلك في كتابي أقطاب العلمانية (2) وهكذا فإننا نرى المشهد مثيرا للغثيان، فالمصدر المخترع لـ"مسارات" الافتراءات "علماني غربي" تمتد نتفه وعروقه إلى تاريخ الحقد البيزنطي، والتعديل والتلوين والتقليد والسرقة والانتحال "عربي طفولي ساذج" بل الطفل بريء بخلاف سارق ألاعيب الاستشراق وتضابيره وأضاليله.
إن أهم سقطة وقع فيها طيب تيزيني هو نسجه أسطورته من تلاعبات طه حسين الروائية الأسطورية. فلننظر كيف تم حبك السيناريو، لنرى على أي أساس اعتمد فيلسوف المادية التاريخية العربي والكاتب في جريدة الاتحاد الإماراتية، والبالغ الآن من العمر أرذله!؟
http://www.assabeelonline.net/ar/def...zJGG0mDcd1g%3d