انهيار شرفات الاستشراق..أساطير علمانية تتساقط كالفطر
طارق منينة

راحت الفلسفة العلمانية تطبق نظرياتها المادية المتضاربة على القرآن وسيرة النبي ، وذلك بعد أن فرغت منذ زمن بعيد من نقد المسيحية مستعينة آنذاك بفتوحات العقل الجدلي الإسلامي الفعّال والذي وصل الى اوروبا واستقر فيها لمدة ثمانية قرون ،حاملا البراهين القرآنية وآليات فحص صور الإنحرافات الكتابية والدهرية والفلسفية والعلمية ،حتى إنك لتجد أن جل ماكتبه نقادها ضد أسفار الكنيسة المقدسة مأخوذ من المؤلفات الإسلامية!! ..أما اليوم فقد راحت في أحدث فرضياتها الساذجة تُدخل الإسلام من باب الأسطورة-مع القول بأن الإنسان اسطوري الطبع وأن طبعه هو مصدر الدين- وذلك بعد أن أخرجها الإسلام نفسه من عصورها الوسطى المظلمة ومن أبواب الجهل والأسطورة والخرافات الدينية وبينما نراها تطلق أحكامها الطائشة عن الإسلام ورسوله والإنسان وميوله الفطرية فإننا نبصرها بأعيننا المادية والنقدية تخترع ،في فتنة زادتها رهقا على رهق، أساطيرها المتجددة المتناطحة عن الإنسان والإجتماع البشري وهي تعيش حالة من الإضطراب العنيف، متداعية متساقطة تارة، وقائمة مترنحة تارة أخرى كالسكران الخائر القوى، تئن-ويئن معها العالم- من نتائج فلسفاتها الواقعية ووضعها المأزوم كالذي يتخبطه الشيطان من المس أو كالذي يغشى عليه من الموت (ولا عجب فقد أعلن صنم غربي كبير، هو معبود لكثير من العلمانيين العرب اليوم وهو: ميشيل فوكو "موت الإنسان" لاترنحه فقط!!!) ..راح كهنتها يخترعون أصول وتفسيرات مادية تاريخية ملفقة لنبوة رسول الله أقل ما يقال عنها انها تفسيرات اسطورية كتفسيراتها وتخرصاتها التائهة عن أصل البشرية الأولى. ومنها اسطورة المراحل الخمس المزعومة لتطور البشرية والتي استخدمها طيب تيزيني،في التوسل الى نقد ما سماه بـ"الإسلام الباكر"، وهي الفرضية التي قال عنها الناقد العلماني "تركي علي الربيعو" انها "الخطاطة التطورية المؤدلجة التي أصابتنا بعاهة، التي ترى أن تاريخ البشرية يمر حكما عبر مراحل خمس، سحر، أسطورة، دين، ثم الفلسفة فإلى العلم. وكان هذا يتطلب الإعتماد الكلي على أطروحة فريزر في "الغصن الذهبي". وقد لاقت هذه التطورية ترحيبا في الوسط الماركسي آنذاك وسيحتفي بعض الباحثين العرب، وأخص منهم طيب تيزيني، الذي راح يركض لاهثا للجمع بين الخطية السابقة وخطية التطور على مستوى المادية التاريخية. وكان هذا يعني الوقوع في التبسيطية وفي براثن المادية المبتذلة وعلى حد تعبير سمير أمين" (الأرض اليباب، محاكمة الفكر الاسطوري العربي، تركي علي الربيعو، طبعة رياض الريس للكتب والنشر، ط1، لسنة2007 ص125)
لقد نتج عن امتطاء العلمانية ظهر الحضارة الإنسانية (في البداية على جبال من علوم المسلمين العقلية والتجريبية!) ظهور وانتاج كَمّ هائل من الأساطير العلمانية المتسرعة في جميع المجالات العلمية، ومنها الإجتماعية والثقافية والنفسية، ومنها اسطورة فرويد عالم النفس الغربي، اليهودي الأصل، فمن وجهة نظر كلود ليفي ستروس (الذي هو صاحب أسطورة عصرية!!) "أنه يمكن رصف أسطورة فرويد في عداد الأساطير الأوروبية العديدة" (ص208). كذلك ظهرت اساطير "علم الإجتماع والإناسة" ومنها فرضيات "دوركاييم" و"فريزر" و"تايلور" وأشباههم، والتي قال عنها تركي ربيعو "وهي إجتهادات باتت في خبر كان على حد تعبير ستروس لكنها وكما يبدو، تنفع على صعيد خطاب عربي مصاب بعقدة الخواجة"(ص133).
وهذه الإجتهادات التي صارت في خبر كان، وفي حالة موت بحثية لا تزال ثاوية وراء هذا الخطاب العربي العلماني -يقول تركي الربيعو-: "توجهه وتفرض عليه مزيدا من الأحكام المؤدلجة"(ص187)، وأن عبيد المادية التاريخية أمثال طيب تيزيني والقمني وغيرهما (اخترعوا كما رأينا أساطير علمانية عن النبي محمد وذلك تبعا لإيمانهم بالأساطير الغربية عن الدين والإنسان!) الذين إتبعوا فرضيات أصحاب هذه الأساطير الغربية الجامحة هم مصابون أيضا تبعا لأسيادهم "بعدوى الاسطورة -يقول ربيعو-، فيهيمون في كل واد، وبالأخص في وادي الأسطورة، ووراء كان يا ما كان في قديم الزمان على حد تعبير بريتشارد في تعليقه على فرويد"(ص 208)، ما دعا "الربيعو" أن يوجه السؤال الممنوع لاخوانه آملا أن يقتفوا معه أثر حذاء كلود ستروس ومن معه حذو الكعب بالكعب "لماذا كل هذا التزاحم في المضيق الضيق المحدود بين شك ديكارت وانطباعية ماركس أيها المثقفون الراديكاليون؟"(ص52). هذه الفرضيات -والفلسفات- الحديثة صارت في الغرب في خبر كان ياماكان!،قد تجاوزتها التخرصات العلمانية الجديدة، تخرصات "كلود ليفي ستروس" و"إ.إيفنز بريتشارد" وغيرهما، والتي يتنفس بها اليوم بعض العلمانيين العرب مثل الربيعو نفسه! والتي هي ايضا عبارة عن تخرصات وفرضيات، الحق فيها نزر يسير والباطل فيها جمّ غفير. وهذه الأخيرة قلبت بجحودها المزري حقيقة ان الفطرة البشرية مفطورة ربانيا على التدين بالقول بأن الإنسان أسطوري بطبعه وأن أي دين تدين به انما هو نتاج خياله الأسطوري الذي يتطور مع المعرفة الوجودية.
وفي الحقيقة، فالإسلام يهدم هذا التلبيس الذي غرضه ظرفي حاجي وهو إفساح مجال للدين بإعتباره حاجة إنسانية ولو باطلة أو خيالية بدل ان كانت النظرة القديمة لعقود مرت هي نفيه من الحياة ومحاربته وقد برز هذا الموقف العلماني أخيرا كحل للمشكلة الغربية مع التدين المتنامي ،وذلك بعد السيطرة العلمانية الكاملة على الحياة في الغرب!.. ان الإنسان في الإسلام متدين بطبعه وليس الأصل فيه الأسطرة كما زعموا أخيرا، وإنما الفطرة والتوحيد والميل الذاتي الى الخالق العظيم وهو ما فطر عليه الإنسان "فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن اكثر الناس لا يعلمون"(سورة الروم:30)، ففقر الإنسان وحاجته وضرورته الى الله والتعلق به سبحانه ضرورة فطرية ذاتية ، وهذا "الفقر الذاتي" هو في الحقيقة "الغنى الحقيقي"، لأنه يعني ان غناه الظاهري والباطني هو من الله، وهو الغني الذي أنتج التواضع والرحمة في الحضارة الإسلامية وجعل الإنسان يشعر أن رفعته وعزته لا تكون الا بالله. وهذا الفقر والغنى غير المتعارضين في العقيدة الإسلامية انطلق بهما المسلمون لتحرير شعوب الأرض واكتشاف سنن الكون وإعمال العقل والخيال غير المفرط في الآيات الكونية والقوانين العلمية. إن الفطرة الإنسانية فطرة أصيلة قد تلحقها الخرافة والأسطورة ولوثات الأديان المنحرفة وكثير من أحلام الفرق والجماعات الباطلة. فالإسطورة طارئة ،والفطرة ومعارفها الكلية حقيقة ثابتة. صحيح أن الفرضية العلمانية الآخيرة توصلت إلى حقيقة "أن حياة المرء ككائن بشري هي بحد ذاتها فعل ديني" (انظر المرجع السابق ص13)، و"أن الدين هو واحد من أهم أبعاد الإنسان في هذا الوجود"(ص67)، الا انها كل جعلت أشواق وتطلعات الإنسان وميله الفطري لربه ومبدعه خيال اسطوري، وزعمت ان "التفكير الأسطوري ملازم للعقل البشري... "(ص187) ، وهنا تم –في الفرضية الجديدة- وضع كلمة الإسطورة مكان كلمة "الفطرة"، وبدل ان يبحثوا عن أصل مشترك بين ما تنقل في الأساطير من "حقائق" دينية وفطرية نراهم يرمون هذا الأصل بأنه دليل على إما الخرافة والوهم المشترك وإما "ملكة خيال مؤسطرة"، مع ان تواتر هذه الحقائق في اساطير الأمم والقبائل المختلفة يدل على مصدر رباني لها موافق للفطرة غير معارض لها ولا للعقل الصحيح ،وأن اصلها من لوازم الفطرة، انتقلت للأساطير بعملية التأثير والتأثر والموافقة إما عن طريق دعوة الأنبياء أو اتباعهم أو الهجرات القديمة للقبائل واختلاط الشعوب والغزوات و آثار الأنبياء الباقية مع إختلاطها بالخرافة والوهم (وكمثال عقيدة التوحيد وشعائر الحنيفية التي إختلطت عند العرب بإضافات وثنية منقولة أومخترعة محليا) وكثير منها تدل عليه حفريات مادية او معرفية ما زالت تُهَمَش عمداً في حقل علم الحفريات الجديد وعلوم الإناسة والإجتماع كما هُمِشت حفريات تدل على أصل الإنسان بأنه إنسان ولُفِقَت له حفريات مزيفة تزعم أنه من أصل حيوان!! فالتوحيد هو الأصل في الإيمان كما أن الفطرة هي الأصل في الإنسان، وهو ما تُشاكس حوله النظريات العلمانية وتتخذ فرضياتها عن الدين وسيلة لدحض نبوة رسول الله وهو تحريف وإلتواء ما زالت تُلقي سمومه في علوم الإنسان والإجتماع وبدل الإعتراف بأن الإنسان كائن ديني أي مفطور على الدين وأن له رباً مبدعاً له ، فإن آخر فرضية علمانية معاصرة نكصت على عقبيها مرة أخرى بعد أن كادت تضع يدها على حقيقة أولية ثمينة، والسبب أنها تنكر خالق الإنسان وتجحد حقائق وشرائع الرحمن، وقد هجمت بسبب ذلك على النبوة(وهذه هي نقطة بحثنا في التعرف على سبب الهجوم على النبوةبصورة عامة والنبي بصورة خاصة!) كما قال تعالى مُلفِتا نظر رسوله محمد إلى هذه الحقيقة المهمة، اي أن الجحود طريق للإفتراء كما أن الشرك قرين للكذب: "قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون" (سورة الأنعام:33)، كما قال في سبب عظيم الإفك وكبير البهتان "كذلك يُؤفك الذين كانوا بآيات الله يجحدون"(سورة غافر:63). ومن الإفك العلماني زعم تركي الربيعو بأن القرآن يدخل في النصوص الأسطورية غير المألوفة!، وأن النص القرآني هو نص اسطوري ملحمي له وقع على قارئه وسامعه كنص آسر! ويحتج ربيعو على ذلك بحادثة عمر ابن الخطاب لدى سماعه القرآن في بيت أخته فاطمة!(انظر ص44) ولا يُرجع ذلك الى ما يتميز به القرآن من حقائق كونية ودينية وعلمية وانسانية خالصة أدهشت الفطرة والذكاء الإنساني (والتي أدت بعلماء وساسة غربيون عصريون الى اعلان اسلامهم وكتابة شهاداتهم العلمية في ذلك في كتب مشهورة أمثال مراد هوفمان السفير الألماني وموريس بوكاي الدكتور الفرنسي وغيرهما)، ولا إلى معرفة عمر بما جاء به الرسول من قبل هذه الحادثة حتى أعلن اسلامه في لحظة فعالة لا مرد لها لصدقه ونقاوته الداخلية، وانما الى: ايحاء موسيقى تعزيمية، الدخول في الضياع، إيقاعات مسيطرة...إلخ. وهكذا تلاعبت الميثولوجيا في الفرضيات الغربية بالتاريخ الإنساني ولوثت حقيقة الفطرة البشرية وزورت حقيقة القرآن خصوصا والغيب الحقيقي عموماً، وتواطئت الحداثة وما بعدها مع الميثولوجيا على إلباس الإنسان نفسية اسطورية.