انهيار شرفات الاستشراق... البيان الأخير في فضح الأساطير
طارق منينة
أقسمَ الله بظواهر الكون السماوية والأرضية، السابحة في كوننا البديع، والجارية في أفلاك تُبهر الأبصار، وتثير الألباب، وكذلك الجارية بالبشر في آفاق الأرض جرياناً قلّما تشعر معه باضطراب، أو تحملهم حملاً خفيفاً لطيفاً في وديانها وسهولها وآفاقها وبحارها.. من كل ما يحمل البشر في الآفاق، أو يجري بهم للرفاهة وجلب الأرزاق.. أقسمَ سبحانه بذلك مما يشاهدونه ويعرفونه، ومما لم تصل إليه المعرفة البشرية إلا بعد ذلك بقرون، على أنه سيفضح الفتن الجامحة لأعداء الإسلام، وسيبصرهم اضطراب تصوراتهم، وإفك تخرصاتهم، في وعد قرآني ما يزال يتحقق إلى يومنا هذا، وقد أظهرنا فيما تقدم "جهة" أو "جهات" هذه الفتن المضطربة التي شاهد الصحابة أوائلها تتساقط أمامهم، فما سمعوه من وعد قرآني وهم تحت التعذيب تحقق كما أخبر "فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ، بِأَييِّكُمُ الْمَفْتُونُ" (سورة القلم: 5-6)، وهو وعد ذُكِر لاحقا -أيضا- مع قَسَم عظيم "وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا، فَالْحَامِلاتِ وِقْرًا، فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا، فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا، إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ، وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ، وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ، إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُّخْتَلِفٍ، يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ، قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ، الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ" (الذاريات 1-11)
إن تخرصات العلمانيين والمستشرقين وأقوالهم المتخالفة التي يكذب بعضها بعضا، هي من غمرات الغفلة التي أقسم الحق على إبصار أصحابها في التاريخ نتائجها الخاطئة، وقد عرضنا بعضا منها في المقالات السابقة، ومنها ماعبر عنه الربيعو بأنه نتاج سراب المادية المبتذلة الحديثة، فقال في كتابه (الأرض اليباب): "تيزيني يجعل من الأسطرة مجرد وسيلة معرفية يتلاعب بها كبار الكهنة، بحيث يظهر الدين في مشروعه لعبة كبار الكهنة، بهدف الوصول والحصول على فائض اقتصادي... يغريه بذلك اللهاث وراء السراب، والركض وراء أسطورة المادية التاريخية، إن جاز التعبير. إنه الخواء بكل معناه الذي يتحكم في رقاب مشروع بهذه الضخامة" (ص147) وقال: "إن من يتجشم عناء السفر في أسفار تيزيني لا بد أن يصيبه الإعياء والنصب.. تيزيني لا يمارس القراءة، بل يقوم بقسر التراث والتاريخ ليطابق المادية التاريخية كسقف للتاريخ ظل تيزيني عاجزا عن بلوغه باستمرار"(ص 143) وأضاف: "هي من وجهة نظرنا لوثة فكرية بقيت كراسب ماركسوي في ثقافتنا المعاصرة.. نرصد آثارها في كتابات الراديكاليين العرب، مثل: صادق جلال العظم، والطيب تيزيني، وبصورة خاصة كتابات الدكتور السيد القمني" (ص210).
كذلك يسجل الربيعو اندهاشه من هذه الحشود المتخرصة عبر التاريخ، التي استعان بها تيزيني، فقال: "لماذا كل هذا الحضور بصورته الاستشراقية الكلاسيكية المفوَّتة كإطار مرجعي في عمل طيب تيزيني، حضور فلهاوزن ورودنسون وبلاشير وهنري ماسيه وجيب وبيتروشيفسكي من الاستشراق السوفيتي-الروسي الجديد؟ ألا يشي هذا الحضور الكبير للاستشراق في الفكر المادي الجدلي على تلك الصلة الوثيقة بين الماركسية والاستشراق، الصلة التي سبق لإدوارد سعيد أن بينها وفضحها عندما بيّن الخلفية المرجعية لماركس عن الشرق.. ثم ألا يعني هذا الحضور الكبير للاستشراق عند باحث عربي يعلن صراحة انتماءه إلى الفكر المادي الجدلي في قراءته للإسلام الباكر.. أقول ألا يعني أن هذا المفكر يحكم على مشروعه بالإحباط والقصور المنهجي والأدواتي والمفاهيمي، عندما يتكئ على الاستشراق" (ص154).
العجيب أن محمد أركون اتكأ أيضا على الاستشراق، مثل اعتماده على هنري كوربان الذي يُعيِّرُ الربيعو الجابريَّ به، انظر ص175، ومع ذلك، ولأن أركون متفق مع تركي علي الربيعو على الأخذ من المذاهب الحديثة جدا في الغرب -وهو لهث في نفس المضمار العلماني في الحقيقة- فإننا لم نر في كتاب الربيعو ونقده إلا استشهاداً بأركون ضد من ذكرناهم آنفا (انظر على سبيل المثال ص 116،219).
إن هؤلاء لا يرون ما لا يحبون أن يرونه مع أنه موجود، فالحقيقة أمامهم، لكنهم لا يريدون أن يروها كما قال جلال أمين، كما أنهم يرون ما ليس بموجود لمجرد أنهم يحبون أن يكون موجودا (انظر "التنوير المزيف" لجلال أمين، سلسلة اقرأ، طبعة دار المعارف ص130). وهو نفس ما قاله زياد منى العلماني في تحليله لكتاب "قس ونبي" لصاحبه (أبو موسى الحريري" بقوله "ونرى أن بحثه المحموم عن دعم لآرائه المسبقة هو ما سبب تسرعه وبحثه عن الإثارة، ومحاولة إجبار المراجع على البوح بمعلومات لا تحويها" ("الإبيونيون وورقة ابن نوفل والإسلام"، زياد منى، قدمس للنشر والتوزيع، دمشق، ط1، 2001، ص23).
في نهاية عرضنا لهذه الأساطير العلمانية عن النبي محمد كان لا بد أن نعرض الحكم الأخير من داخل المنظومة العلمانية نفسها، حكم "تركي الربيعو" على أسطورة طيب تيزيني عن النبي، يقول: "إن تيزيني يمارس شططا في قراءة التاريخ عندما يتحدث عن الحتمية التاريخية التي أفرزت الإسلام المحمدي الباكر... وفي إطار بحثه هذا يرى أن ورقة بن نوفل كان المعلم الأول... تيزيني يندفع بشططه بعيدا عندما يخبرنا أن زواج الرسول من خديجة كان "مخططا له ومقصودا وناجحا"، ويضيف بقوله: "نميل إلى ترجيح أن ورقة وخديجة مثلا نقطتين حاسمتين في تكوين شخصية محمد باستدراج محمد الشاب -عبر تعيينه مدير أعمال لتجارتها ثم الزواج بها- إلى دائرة الفكر النوفلي نسبة إلى ورقة بن نوفل. الاستشهادات السابقة المأخوذة عن طيب تيزيني، ما هي إلا عينة من فيض كبير لا ينفع معه الحوار، ولا تنفع معه مقارعة الحجة بالحجة... وفي رأيي النهائي أن كتاب "الإسلام المحمدي الباكر" ما هو إلا بيان ختامي يعلن فيه تيزيني، وباللاشعور، موت المادية التاريخية والجدلية في فكرنا، وموت الاستشراق"!(ص161-162)
وهكذا أعلنت الفرضيات العلمانية الجديدة موت الفرضيات العلمانية القديمة في بيان علماني ختامي يُصدق القسم القرآني من حيث لا يدري.
http://www.assabeel.net/index.php?op...says&Itemid=84