انهيار شرفات الاستشراق على طريق السور المكية
العماء العلماني والإخفاء الاستشراقي
طارق منينة

سورة القلم من أوائل ما نزل من القرآن وفيها أحكام قضائية ربانية صدرت ضد قادة الكفر في مكة وتحققت بعد الهجرة الى المدينة
بوقت قصير، عرضنا بعضها في الحلقة الماضية وكلها مُقسَم عليها. وهنا نعرض أحكاماً ووعوداً جديدة من السورة نفسها وهي التي أشارت اليها الآية (48) من السورة بأنها أحكام ربانية، بقوله تعالى «فاصبر لحكم ربك»، يقول ابن كثير: أي لقضاء ربك.
وهي قوله تعالى:»سنستدرجهم من حيث لايعلمون وأملي لهم ان كيدي متين»وقوله «سنسمه على الخرطوم»
وهي مفصلة ومحددة بآيات مكية،ايضا، نزلت بعدها ومنها:
«سيُهزم الحمع ويولون الدبر»(القمر:45)
«جُند ماهنالك مهزوم من الأحزاب»(سورة ص:11)
هذا هو «الغيب القرآني»المُتحدي للقوى المتمكنة يومئذ في مكة وفي الآيات إشارة واضحة الى حفظ النبي ونصر دعوته وهزيمة قادة الكفر ممن أشارت اليهم الآيات وبينت الروايات من اسباب النزول.
تدين الآيات من سورة القلم الشعور الزائف بالقدرة التامة الذي كانت رؤوساء الإجرام تبدو به.. شعور الاستغلال المستند على السلطة والمال.. والسورة تتحدى أهل التقدير والتدبير والتخطيط منهم، الذين يبدون في غاية الثقة من مستقبلهم ومستقبل تكهناتهم وان لهم أن يفعلوا مايحلو لهم من استغلال واجرام وتعذيب البشر،بقوله «أَمْ عِندَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ»(الآية:47) وقوله «أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ»(الآية:37)، والتاريخ يمتحن هذه الثقة الزائفة القائمة على رمال الدهرية المتحركة، وسننه تمتحن تخيراتها وتكهنتها وأمانيها الكاذبة،وادعاءاتها الباطلة، والقدر يمنحهم الوقت والاختيار، فليصدروا احكامهم لكن لن يمنحهم صكوك غفران «إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ»الآية38 «أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَالِغَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ «الآية39
وهذه النصوص مع انها نزلت في قريش الا انها عامة في كافة قوى الاستغلال والباطل..وهي تثبت أن مصدر الوعد الحق غير مصادر التخرصات والتكهنات التي تطلقها الأساطير الوثنية والكهنوتية والقيادات الدهرية والعلمانية- ومنها وعود «نهاية التاريخ»التي اطلقها فلاسفة الغرب ماركسيين ولا دينيين..والتي لم ينتهي التاريخ كما قدروا عند حدود رسموها وعصور ذهبية تكهنوها وانما سقطت الماركسية والسوفيتية والهتلرية وسقطت نظرية فوكوياما الرأسمالية! ومعلوم ان العلمانيين العرب أمثال صادق جلال العظم وطيب تيزيني وبقية الجوقة الماركسية راهنت على اكتساح الماركسية للعالم الإسلامي وانحسار الإٍسلام!.. وهنا يقف محمد النبي الأمي المولود في القرية المباركة «مكة»،وهو الفقير ، في عالم لم يكن فيه مراكز دراسات وبحوث ممولة، يقف هذا النبي الأمين شامخا في التاريخ أمام تكهنات كافة المشاريع المتخرصة التي ماتزال تنفق المليارات على مؤسساتها العسكرية ومراكز بحوثها الخادمة للإستعمار..فبينما يعلن التاريخ تحقق وعود الوحي الذي أُنزل عليه نري تلك الزعامات المفكرة للإمبراطوريات المهيمنة تتعثر وتتلعثم وتفشل في تنبوءاتها الإستراتيجية وعلومها المستقبلية .. وتتراجع منهزمة تحت وطأة التاريخ واستدراج الحق لها وسؤاله الخالد لجنودها «سَلْهُم أَيُّهُم بِذَلِكَ زَعِيمٌ أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء فَلْيَأْتُوا بِشُرَكَائِهِمْ إِن كَانُوا صَادِقِينَ»(سورة القلم:40-41) ويحضرني في هذا السياق كلمة كلود ليفي شتراوس وهو يتكلم عن سارتر بقوله «أن الذكاء العالي يتلعثم عندما يريد التكهن بالتاريخ «(الدوائر الباردة،حوار مع شتراوس،دار كنعان-دمشق،ط1،ص117)
لقد تنزلت تلك الأحكام الربانية على زعامات الضلال، وصحابة رسول الله يُعذبون ويُقتلون، ولم يكن الرسول يملك لنفسه ولا لأنصاره نصرا ولا تمكينا وكان موقع نزول سورة القلم التي أعلنت الوعود هو «مكة»، هذه هي «الحالة الأصلية»التي عمي عنها «نولدكه»وهو يطالبنا في كتابه (تاريخ القرآن) ان نكشفها في بحثنا «على البحث المنفرد إذن، أن يكشف عن الحالة الأصلية التي نشأت فيها الآيات والسور»(ص28) فقد أغفل هو وتلاميذه مانزل في السور المكية من وعود وأحكام قضائية خطيرة الشأن بل واستثناءاتها!. فالشيء المدهش حقا هو ان الله أشار في السورة «سورة القلم»ان من قادة مكة من سيؤمن مستقبلا بقوله «إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ»(الآية :7). وقد أسلم خالد بن الوليد وعمر ابن العاص وسهيل ابن عمر وابو سفيان وعكرمة ابن ابي جهل!
ولذلك فنحن ندعو تلامذة الاستشراق..والبنيويين والتفكيكيين واللسانيين وعمالقة الثيولوجيا ان ينتقلوا معنا الى موقع الحدث «الحالة الأصلية!»وليحدقوا بأعينهم وليفركوها في جو مكة الحارق،ولينفضوا عنهم الكسل العقلي،وليسمعوا السورة –بل السور المكية كلها- في زمن ومكان نزولها وهي تصدر أحكاما ثابتة تقرر المستقبل.
ليذهبوا معنا ايضا الى المدينة.. وليطلعوا معنا على «واقعة»ذكرها الوحي بعد استقرار الإسلام فيها، قد يكون زمن نزول آيات هذه الواقعة المضروبة «مثلا»، هو الشهور الأولى من الهجرة. والتي أمر الله بوضعها في سورة القلم.. لتكتمل السورة قبل الحدث الأكبر!..هذه الواقعة هي واقعة أصحاب البستان أو الجنة الذين اتفقوا على منع ثمارها عن المساكين ليستأثروا بالخير كله شحا به وشعورا بأحقيتهم دون غيرهم بالخير كله.
يبدأ المثل بقوله تعالى «إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ»(الآية:17) فأقسموا ان يمنعوا الفقراء عن بعض ثمارها وذلك قبل ان يراهم الفقراء في الصباح الباكر، وقد ظنوا انهم بذلك قد تمكنوا من خطتهم، وتصف الآية شعورهم بقوله تعالى «وغدوا على حرد قادرين»(الآية:25) يقول ابن كثير: أي: على قصد وقدرة في أنفسهم.
«فانطلقوا وهم يتخافتون، ان لايدخلنها اليوم عليكم مسكين».
وفجأة.. فتحوا أعينهم على جنتهم فوجدوها محترقة كالأرض السوداء! ماذا حدث؟! «فطاف عليها طائف من ربك وهم نائمون، فأصبحت كالصريم»(19-20) فاصبحت كالليل محترقة..
..بعد معركة بدر نزلت آيات من سورة الأنفال تصور كيفية استدراج قريش لموعد هزيمتها وقد تحقق الوعد وانطبق المثل!
والآيات (5-12،42-44) من سورة الأنفال وصفت «كيفية»عملية الاستدراج الإلهية و «كيفية»تهيئة السنن المادية والروحية للصحابة الأطهار.. فلم تمضي السنة الأولى من استقبال أهل المدينة للمسلمين والرسول الكريم الا وقد تسارعت الأحداث، وتسارع وقع الاستدراج ..بدفع المسلمين الى قافلة قرشية ..ثم عدم إقدارهم عليها!..ثم إسماع قريش ماحدث..ثم خروجها في اندفاع مدهش لملاقاة النبي ومن معه مع علمهم بهروب الركب او القافلة!.. ثم... ثم تحقق «فستبصر ويبصرون بأيكم المفتون»
http://www.assabeel.net/index.php?op...ists&Itemid=85