في التنزيل الحكيم ( إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستذنوه، إن الذين يستئذنونك أولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم واستغفر لهم الله إن الله غفور رحيم)

كان يتأذى من استئذان الناس وانصرافهم عنه، ويصرح بهذا مع أنه كان يتأذى من أمور أخرى فلا يصرح بها..
لعلها لم تكن تبلغ هذا المبلغ كما قال تعالى (إن ذلكم كان يؤذي النبي فيستحيي منكم) الآية.
فبأبي هو وأمي كم لقي في سبيل تبليغ دين الله ، ف وبارك وأنعم.

عَنْ رِفَاعَةَ بن عَرَابَةَ قَالَ : صَدَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجَعَلَ نَاسٌ يَسْتَأْذِنُونَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَجَعَلَ يَأْذَنُ لَهُمْ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَا بَالُ شِقِّ الشَّجَرَةِ الَّتِي تَلِي رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبْغَضُ إِلَيْكُمْ مِنَ الشِّقِّ الآخَرِ ؟ قَالَ : فَلا تَرَى مِنَ الْقَوْمِ إِلا بَاكِيًا ، قَالَ : يَقُولُ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ : إِنَّ الَّذِي يَسْتَأْذِنُكَ فِي نَفْسِي بَعْدَهَا لَسَفِيهٌ ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَقَالَ : أَشْهَدُ عِنْدَ اللَّهِ ، وَكَانَ إِذَا حَلَفَ ، قَالَ : وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ مَا مِنْكُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ ثُمَّ يُسَدِّدُ إِلا سَلَكَ بِهِ فِي الْجَنَّةِ ، وَلَقَدْ وَعَدَنِي رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ أنْ يُدْخِلَ مِنْ أُمَّتِي الْجَنَّةَ سَبْعِينَ أَلْفًا لا حِسَابَ عَلَيْهِمْ وَلا عَذَابَ ، وَإِنِّي لأَرْجُو أَنْ لا يَدْخُلُوهَا حَتَّى تَتَبَوَّءُوا أَنْتُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَذُرِّيَّاتِكُمْ مَسَاكِنَ فِي الْجَنَّةِ ، ثُمَّ قَالَ : إِذَا مَضَى شِطْرُ اللَّيْلِ ، أَوْ قَالَ : ثُلُثَاهُ يَنْزِلُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا ، فَيَقُولُ : لا أَسْأَلُ عَنْ عِبَادِي غَيْرِي ، مَنْ ذَا الَّذِي يَسْأَلُنِي أُعْطِيهِ ؟ مَنْ ذَا الَّذِي يَدْعُونِي أَسْتَجِيبُ لَهُ ؟ مَنْ ذَا الَّذِي يَسْتَغْفِرُنِي أَغْفِرلَهُ ؟ حَتَّى يَنْصَدِعَ الْفَجْرُ .
.

رواه ابن حبان في صحيحه وابن أبي عاصم والطبراني وإسناده صحيح.
ومع أن هذا الحديث شارح للآية الكريمة إلا أن المصنفين في التفسير المأثور لم يذكروه.
فنهى الله عزوجل الصحابة عن الانصراف عن النبي من غير أمره، وشُرع له الإذن لهم ليقوموا ببعض شأنهم.
وذهب بعضهم إلى وجوب الاسئذان في كل أمر جامع من كل إمام..

قال شيخ المفسرين ابن جرير :

يقول تعالى ذكره: ما المؤمنون حقّ الإيمان، إلا الذين صدقوا الله ورسوله( وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ ) يقول: وإذا كانوا مع رسول الله ( عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ ) يقول: على أمر يجمع جميعهم من حرب حضرت، أو صلاة اجتمع لها، أو تشاور في أمر نزل( لَمْ يَذْهَبُوا ) يقول: لم ينصرفوا عما اجتمعوا له من الأمر، حتى يستأذنوا رسول الله .

ثم روى عن ابن جُرَيج، قال: سأل مكحولا الشامي إنسان وأنا أسمع، ومكحول جالس مع عطاء عن قول الله في هذه الآية( وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ ) فقال مكحول: في يوم الجمعة، وفي زحف، وفي كلّ أمر جامع، قد أمر أن لا يذهب أحد في يوم جمعة حتى يستأذن الإمام، وكذلك في كل جامع، ألا ترى أنه يقول:( وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ ).


عن الحسن، قال: كان الرجل إذا كانت له حاجة والإمام يخطب، قام فأمسك بأنفه، فأشار إليه الإمام أن
يخرج، قال: فكان رجل قد أراد الرجوع إلى أهله، فقام إلى هرم بن حيان وهو يخطب، فأخذ بأنفه، فأشار إليه هرم أن يذهب، فخرج إلى أهله فأقام فيهم، ثم قدم، قال له هرم: أين كنت؟ قال: في أهلي؟ قال: أبإذن ذهبت؟ قال: نعم، قمت إليك وأنت تخطب فأخذتُ بأنفي، فأشرتَ إليّ أن اذهب فذهبت، فقال: أفاتخذت هذا دغلا؟ أو كلمة نحوها، ثم قال: اللهمّ أخر رجال السوء إلى زمان السوء.

قال ابن جرير:
وقوله:( إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ) يقول تعالى ذكره: إن الذين لا ينصرفون يا محمد إذا كانوا معك في أمر جامع عنك إلا بإذنك لهم طاعة منهم لله ولك، وتصديقا بما أتيتهم به من عندي، أولئك الذين يصدقون الله ورسوله حقا، لا من يخالف أمر الله وأمر رسوله، فينصرف عنك بغير إذن منك له، بعد تقدّمك إليه أن لا ينصرف عنك إلا بإذنك.وقوله:( فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ ) يقول تعالى ذكره: فإذا استأذنك يا محمد الذين لا يذهبون عنك إلا بإذنك في هذه المواطن لبعض شأنهم، يعني: لبعض حاجاتهم التي تعرض لهم، فأذن لمن شئت منهم في الانصراف عنك لقضائها( وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ ) يقول: وادع الله لهم بأن يتفضل عليهم بالعفو عن تبعات ما بينه وبينهم( إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ ) لذنوب عباده التائبين،( رحيم ) بهم أن يعاقبهم عليها بعد توبتهم منها اهـ.

اللهم صل على نبيك محمد وسلم تسليما كثيرا، وارض عن الصحابة أجمعين.